تواجه منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي واحدة من أخطر الأزمات البيئية، مع الانخفاض الحاد في منسوب مياه سد ميدانكي، المصدر الأساسي لمياه الشرب والري في المنطقة. ويُنذر هذا التراجع بتداعيات واسعة تطال مختلف جوانب الحياة، ويضع ملف الأمن المائي على رأس أولويات الجهات المعنية.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن المخزون المائي في السد انخفض إلى أقل من نصف سعته الأصلية، ما أثار قلقاً متزايداً بين السكان والمسؤولين، ودفع إلى اتخاذ قرارات عاجلة، من بينها تعليق استخدام المياه لأغراض الري.
وفي حين تُعزى الأزمة جزئياً إلى التغيرات المناخية وقلّة الهطولات المطرية في السنوات الأخيرة، فإن الاستهلاك العشوائي وغياب ثقافة الترشيد يُعدّان من العوامل المفاقِمة، ما يطرح تساؤلات جدية حول كفاءة إدارة الموارد المائية، ويدعو إلى تدخل مؤسساتي منسق لإنقاذ ما تبقّى من المخزون.
أسباب طبيعية وأخرى بشرية
في حديث خاص لموقع "تلفزيون سوريا"، أوضح عبد القادر الحافظ، المسؤول في مؤسسة المياه بمدينة عفرين، أن التراجع الحاصل في منسوب السد يعود بالدرجة الأولى إلى ندرة الهطولات المطرية خلال العامين الماضيين، مضيفاً: "لكن لا يمكن إغفال التأثير البشري، حيث أدّى الاستهلاك غير المنظم، إلى جانب ضعف ثقافة الترشيد لدى بعض الأهالي، إلى زيادة الضغط على المورد المائي الوحيد في المنطقة".
وأشار الحافظ إلى أن السد يحتوي حالياً على نحو 85 مليون متر مكعب من المياه، أي أقل من نصف سعته الإجمالية البالغة 190 مليون متر مكعب، موضحاً أن هذا المخزون يكفي لتلبية احتياجات السكان من مياه الشرب لمدة لا تتجاوز عامين، بشرط إدارة الاستهلاك بصرامة.
وتابع قائلاً: "اتخذنا قراراً بتعليق استخدام المياه لأغراض الري هذا الموسم، لحماية المخزون وضمان استدامة مياه الشرب"، مشيراً إلى وجود جهود تنسيقية مع المجالس المحلية لاتخاذ إجراءات عاجلة وتنفيذ خطط بديلة.
تحذير من انهيار التوازن المائي
من جانبه، حذّر المهندس باسل درويش، المتخصص في هندسة وإدارة الموارد المائية، من أن استمرار هذا الانخفاض "قد يقوّض قدرة السد على أداء وظيفته الرئيسية في تنظيم المياه وتخزينها"، مشيراً إلى أن السد لم يُصمَّم لتحمّل فترات جفاف طويلة من دون تغذية كافية.
وقال درويش في تصريحه لـ"تلفزيون سوريا": "ما نواجهه اليوم ليس مجرد انخفاض موسمي، بل خلل استراتيجي في التوازن الهيدرولوجي للمنطقة. وإذا استمرت معدلات الهطل على هذا النحو، فقد نصل إلى نقطة يصعب فيها إعادة ملء الحوض حتى لو تحسّنت الظروف لاحقاً".
واقترح درويش مجموعة من الخطوات العاجلة، من بينها: إصلاح شبكات توزيع المياه لمنع التسرب، وتوسيع حملات التوعية، وفتح نقاش جدي حول تنويع مصادر المياه بدلاً من الاعتماد الحصري على السد.
ومع تصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة، يدعو مختصون إلى تبني استراتيجية متكاملة لإدارة الموارد المائية في منطقة عفرين، تقوم على أسس الترشيد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التوعية المجتمعية، تحسّباً لأي سيناريوهات أكثر خطورة في المستقبل.
فالأمن المائي، كما يؤكد المراقبون، لم يعد مجرّد ملف خدمي، بل بات قضية جوهرية ترتبط بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتهدّد سبل العيش اليومية لعشرات الآلاف من السكان، إذا لم تُعالَج بجديّة وعلى وجه السرعة.
نفي رسمي لتسمم مياه بحيرة ميدانكي
في سياق متصل، نفت وزارة الطاقة السورية قبل أيام على لسان معاون الوزير لشؤون المياه، المهندس أسامة أبو زيد، صحة الأنباء المتداولة مؤخراً حول تسمّم مياه بحيرة ميدانكي في منطقة عفرين، مؤكدةً أن تلك الأخبار "عارية تماماً من الصحة".
وأوضح أبو زيد أن الوزارة، بالتعاون مع الجهات المختصة، قامت بمتابعة ميدانية وتقنية دقيقة، تبيّن من خلالها عدم وجود أيّ تلوث في مياه البحيرة، مشيراً إلى أن نتائج الفحوصات المخبرية التي أُجريت على عينات المياه أكدت أنها ضمن الحدود الآمنة، وتطابق المعايير الصحية المعتمدة.
وشدّد على أن الوزارة تولي سلامة مصادر المياه أهمية قصوى، وتتابع باستمرار الحالة الفنية والصحية للبحيرات والسدود، داعياً المواطنين ووسائل الإعلام إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وتجنّب نشر أو تداول الشائعات التي قد تُثير القلق من دون مبرّر.