مخاطر تحيط بإدلب وضرورة التحرك دوليا

تاريخ النشر: 16.09.2021 | 06:28 دمشق

في ظل تواصل الخروقات بشكل مستمر وممنهج على منطقة خفض التصعيد في إدلب واستمرار الآلام والمآسي السورية في هذه المنطقة، وتعدد أشكال الخروقات والقصف ومن مناطق مختلفة، وبظل عجز الضامن التركي والمجتمع الدولي على وقف هذه الخروقات، تأتي زيارة رأس النظام بشار الأسد إلى موسكو، ولقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليكون اللقاء سياسيا في الشكل، عسكريا في المضمون مع انضمام وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو للاجتماع بدل وزير الخارجية لافروف، وهو ما يشعل المخاوف لدى السوريين بشكل تلقائي من نتائج هذه الزيارة، خاصة أن بوتين هو الذي استقبل الأسد، في وقت تجري فيه الاستعدادات للقاء القمة بين بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان نهاية الشهر الجاري.

ومع هذه المخاوف تتوجه بطبيعة الحال الأنظار إلى إدلب التي لم تعرف الاستقرار حتى الآن، والتي تضم الملايين من أهلها ومن النازحين من مناطق سورية أخرى، حيث تعود للأذهان تجارب سابقة مع لقاءات من هذا القبيل وما تبعها من تطورات عسكرية، رغم أن تحليل الزيارة يحمل وجهين الأول هو تلقين الأسد تعليمات جديدة للمرحلة القادمة، أو التخطيط لمرحلة تصعيد جديدة، وسبقت اللقاء في موسكو تصريحات من قبل شخصيات محسوبة على النظام تهدد بالانتقال إلى إدلب وتحديدا جنوب الطريق الدولية إم4 التي تطالب روسيا بها، عقب الانتهاء من ملف درعا، وهو ما يفتح الاحتمالات كلها لحصول نوع من التطور والتصعيد ربما تظهر نتائجه على المدى المتوسط وليس على المدى القريب.

زيارة الأسد لموسكو المفاجئة، تأتي بعد يومين من عقد المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسون لقاءات في دمشق تناولت العملية السياسية واللجنة الدستورية، وقبلها كانت لقاءات لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مع قيادات المعارضة السورية، وينتظر أن تعقد اجتماعات الأمم المتحدة بعد أيام في نيويورك بمشاركة قادة دول العالم، وأيضا نهاية الشهر من المنتظر عقد قمة بين أردوغان وبوتين، وكذلك تستضيف جنيف لقاءات أميركية روسية حول سوريا، كما أن المبعوث الأممي بيدرسون زار تركيا والتقى مع المعارضة السورية والخارجية التركية، كل هذا الحراك لا بد أن يتم تناول الوضع الميداني فيه، ومن حق أي سوري أن يفهم طبيعة هذه اللقاءات والرسائل منها، خاصة أن قوات النظام وبدعم من الميليشيات الطائفية الإرهابية وبدعم روسي تواصل إراقة دماء السوريين الأبرياء في هذه المنطقة.

رغم السعي التركي الدائم لنزع مسوغات ومبررات الروس في المنطقة، إلا أن روسيا تطلب المزيد

من المؤكد أن إدلب باتت ورقة دولية بيد روسيا لتصفية الحسابات، وقبل أيام كانت هناك تصريحات روسية على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف أن تركيا لم توفِ بتعهداتها لفصل فصائل المعارضة، رد عليها وزير الدفاع التركي خلوصي آكار بأن روسيا لم تلتزم بوقف إطلاق النار، هذا السجال الحاصل تتبعه رسائل متبادلة بين القوى العسكرية الموجودة على الأرض لتوحيد جهودها والاندماج بغرف عمليات وتوحيد قواها، وهذه الحالة من الاستقرار تزعج روسيا في ظل توفر الخدمات الأساسية في المنطقة وحرمان النظام منها، ورغم السعي التركي الدائم لنزع مسوغات ومبررات الروس في المنطقة، إلا أن روسيا تطلب المزيد، وفتح المعابر باتجاه مناطق النظام وتسيير دوريات مشتركة كلها لم توقف روسيا عن مطالبها.

قبيل انعقاد جولة أستانة 15 في سوتشي الروسية، كانت هناك تسريبات وأحاديث تتعلق بمطالب روسية بانسحاب القوات التركية وقوى المعارضة من بعض التموضعات العسكرية الميدانية، فيما يشبه إعادة ترسيم حدود المنطقة ومناطق النفوذ، وحاولت روسيا الضغط في اللقاءات الدبلوماسية لإقناع تركيا وفصائل المعارضة بترك هذه التموضعات، ولكن كان هناك رفض شديد من قبل تركيا، لأن هذه الحالة تذكر بحدود اتفاقية سوتشي ونقاط التموضع التركية للمراقبة التي كانت روسيا أيضا تطالب بتغيير مواقعها وسحبها، وبالتالي فإن المطالب الروسية هذه لم تلقى قبولا من الجانب التركي ولا من المعارضة، وبقيت موسكو تضغط باتجاه ذلك بشكل سياسي في اللقاءات والاجتماعات التقنية التي حصلت بين الجانبين، ومع التقارب الحاصل ميدانيا بين الفصائل العسكرية، وجهود توحيدها ما يؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة، دفع كل ذلك روسيا لرفع سقف التهديد ليصل إلى التلويح بحلول عسكرية إزاء رفض مطالبها، وبالتالي ترفع من سقف الضغط على تركيا، رغم أن الوضع الميداني الحالي لا يبشر بوجود عملية عسكرية قريبة من ناحية الحشودات الميدانية وسوق العناصر والوحدات العسكرية، ولكن ليس من المضمون أن يكون اللقاء الذي جرى في موسكو بين الأسد وبوتين نقطة بدء في التحضيرات وتكثيفها لاحقا بحسب الرد التركي والدولي على هذه المطالب.

يتوجب على مؤسسات المعارضة السورية والشخصيات التي لها علاقات مع دوائر القرار الغربية، العمل بشكل مكثف خلف الكواليس للدفع بملف إدلب والمخاطر التي تحيط بها

الحملة الروسية الحالية لا بد أن يكون لها رد مقابل، ويجب استغلال الحدث الدولي المنتظر بعد أيام مع انعقاد أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللقاءات التي ستحصل هناك على هامش الاجتماعات بوجود عدد كبير من الزعماء، ومن المؤكد أن الحدث الأفغاني سيطغى على المناقشات والاجتماعات التي ستجري، وستشارك تركيا عبر الرئيس أردوغان في الاجتماعات، وعلى الرغم من أن الملف السوري سيكون حاضرا على أجندة الرئيس التركي، وفي لقاءات الدول المعنية، إلا أن الجو العام في الاجتماعات سيكون مركزا على الملف الأفغاني، ومن هنا يتوجب على مؤسسات المعارضة السورية والشخصيات التي لها علاقات مع دوائر القرار الغربية، العمل بشكل مكثف خلف الكواليس للدفع بملف إدلب والمخاطر التي تحيط بها والتهديدات التي تتعلق بعمل عسكري جديد يهدد حياة المدنيين الأبرياء، ويؤدي لنزوحهم، ولقضم مزيد من الأراضي لصالح قوات النظام، وهذه الفرصة التي تتولد باجتماعات الأمم المتحدة، يجب استغلالها بشكل كبير للتذكير بالمآسي السورية، وتذكير حقيقة ما جرى، ومواصلة كشف جرائم النظام بحق المدنيين، من أجل إعادة تسليط الضوء مجددا على الموضوع السوري، وعدم السماح لملفات أخرى بأن تطغى عليه، أو على الأقل أن تحظى بالاهتمام نفسه، والدفع باتجاه فرض الحماية الدولية لها وإعطائها وضعا خاصا.

وبناء على هذه التطورات والمخاطر العديدة التي تحيط بإدلب، وفي ظل الضغوط المتواصلة على السوريين الموجودين فيها بحرمانهم من الحصول على الأمان الكامل ووقف إطلاق النار الشامل، وبظل معاناة اللاجئين السوريين في دول الجوار، وفي ظل مواصلة السوريين البحث عن الاستقرار باللجوء للبحر ولكل السبل للوصول إلى بر الأمان، تقع مسؤوليات كبرى على مؤسسات المعارضة وعلى كل الشخصيات السورية الفاعلة والغيورة للعمل مع كل صديق للسوريين من مؤسسات وشخصيات ودول، لطرق جميع الأبواب مجددا والحديث عن السوريين ومعاناتهم التي تستمر منذ أكثر من 10 سنوات، وبات من حقهم العيش باستقرار وأمان دون خوف من قصف يؤدي لفقد عزيز وحبيب، ومن المؤكد أن المعارضة ممثلة بالائتلاف السوري ستحاول جهدها وسعيها من أجل التواصل مع المجتمع الدولي، وهذا يتطلب دعما كبيرا من كل المؤسسات المعارضة ومن كل سوري يمتلك تأثيرا على مستوى العالم.