رغم مرور نحو نصف عام على سقوط نظام الأسد، لم تنته سوريا من صناعة وتهريب المخدرات، وما تزال تشكّل تهديدًا لدول الجوار، وإن كانت عمليات التهريب قد شهدت انخفاضًا خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بما كانت عليه في عهد النظام، الذي تورط بشكل مباشر في هذه التجارة غير المشروعة.
رغم انخفاض التهريب.. الخطر ما زال قائماً
يكاد لا يمر أسبوع دون أن تُعلن السلطات الأردنية إحباط محاولة تهريب مواد مخدرة من سوريا، كان آخرها الخميس الماضي، حين أعلنت القوات المسلحة الأردنية إحباط محاولة تسلل وتهريب كميات كبيرة من المواد المخدرة عبر الحدود الشمالية الشرقية، في حادثة تُعد الثانية خلال يوم واحد.
وسائل إعلام أردنية حذرت من استمرار خطر المخدرات، ودعت إلى ضرورة إبرام اتفاق أمني مع الحكومة السورية لتعزيز التعاون بين الجانبين، والسماح بدخول الجيش الأردني إلى مناطق الاشتباه لمحاصرة مصادر التهريب.
بالتوازي، تواصل أجهزة الأمن السورية منذ سقوط النظام مكافحة المخدرات، وتعلن وزارة الداخلية تباعًا عن ضبط مخازن وتفكيك مصانع وإتلاف شحنات ضخمة من المواد المخدرة، كان آخرها في درعا، حيث أعلنت إدارة مكافحة المخدرات قبل أسبوع إحباط محاولة تهريب تتجاوز 800 ألف حبة.
ويطرح استمرار هذه العمليات تساؤلات حول أسباب بقاء تجارة المخدرات فعالة رغم زوال الغطاء السياسي الذي وفّره النظام السوري، وحول المدة الزمنية المطلوبة لاجتثاث هذه الظاهرة من البلاد.
مصادر في دمشق عزت استمرار تجارة المخدرات إلى "تجذر الصناعة والتجارة في البلاد بفعل عقد أو أكثر من الرعاية الرسمية لها"، مؤكدة أن "الانتهاء من هذه الآفة يحتاج وقتًا، خصوصًا بعد البدء بتشديد السيطرة على الحدود السورية-اللبنانية، التي كانت الشريان الرئيسي لتهريب وتصنيع المواد المخدرة".
ويتفق المستشار الاقتصادي في مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا، والزميل في معهد "نيو لاينز"، كرم شعار، مع هذا الرأي، ويكشف لتلفزيون سوريا أن معهد "نيو لاينز" بصدد إصدار تقرير يتناول أسباب استمرار تجارة المخدرات بعد سقوط النظام.
يقول شعار: "في الأشهر الأربعة التي تلت سقوط النظام، ضُبطت كميات من المواد المخدرة في الداخل السوري تفوق بـ20 ضعفًا ما تم ضبطه خلال عام 2024 بأكمله". ويضيف: "اللافت هو استمرار عمليات التهريب رغم مصادرة كميات كبيرة، وهذا يشير إلى أن سوريا ما تزال بحاجة إلى وقت لفهم آلية الاستجابة الكاملة لظاهرة المخدرات".
تفكيك المخازن مستمر.. لكن المهمة لم تنته
في الفترة التي تلت سقوط النظام، أعلنت الحكومة السورية ضبط مخازن ومختبرات تصنيع في محافظات منها دمشق واللاذقية وحمص، وكان أكبرها في مقار "الفرقة الرابعة" بريف دمشق. لكن ذلك لا يعني أن جميع المستودعات والمختبرات قد أُزيلت.
كرم شعار يوضح أن "مخازن المخدرات بدأت تنضب"، ويشير إلى أن زمن إنتاج المخدرات بكميات ضخمة في سوريا انتهى، وما يجري الآن هو تصفية لبقايا المخزون السابق.
ويرى أن الشحنات التي ما تزال تُهرّب هي مخزون قديم، تعود إلى ما قبل انهيار المنظومة السابقة، ولا يمكن القول إن الصناعة انتهت فعليًا حتى يتم تفكيك كامل البنية التي أقامها النظام السابق.
العملية ليست سهلة، إذ تواجه الدولة تحديات كبيرة بسبب حجم الشبكات ونطاق انتشارها، إضافة إلى العائدات الضخمة لهذه التجارة، التي تموّل أنشطة متعددة داخل البلاد وخارجها.
عملية شاقة ومناطق خارجة عن السيطرة
يقول الباحث في الشأن الأمني، المقدم عبد الله النجار، إن مكافحة المخدرات تُعد من أصعب المهام في أجهزة الشرطة، حتى في الدول المستقرة، "فكيف ببلد مثل سوريا خرج للتو من حرب ضروس؟". ويضيف: "النظام البائد أسّس بنية تحتية متكاملة لإنتاج وتوزيع المواد المخدرة، من معامل ومكابس ومواد أولية موزعة على جميع المناطق، وما يزال بعض الفلول يعملون على استمرار هذه الصناعة بهدف الربح أو تمويل نشاطاتهم".
ويؤكد النجار أن تدمير هذه البنية يتطلب سنوات، بالإضافة إلى طواقم محترفة من المهنيين والاختصاصيين الذين لا تحيطهم شبهات. ويشير إلى أن القضاء على العصابات وتدمير السوق يحتاج إلى وقت طويل، وملاحقة مستمرة في كل المناطق.
وتزداد المهمة تعقيدًا بسبب وجود مناطق خارجة عن سيطرة الدولة السورية، مثل شمال شرقي البلاد الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والسويداء التي ما تزال التفاهمات بخصوصها غير مكتملة.
تحدثت تقارير صحفية عن نشاط شبكات تجارة وتهريب المخدرات في مناطق قسد، وأحبطت فصائل من "الجيش الوطني" محاولات تهريب من تلك المناطق. وتؤكد وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة سابقًا ضبط نحو 1.5 مليون حبة كبتاغون كانت معدة للتهريب إلى الشمال السوري في عام 2023.
أما في الجنوب، فتستغل بعض الشبكات حالة الفوضى في السويداء وأجزاء من درعا لمواصلة نشاطها، وسط معلومات عن نقل كميات كبيرة من المواد المخدرة إلى هذه المناطق خلال الفترة الأخيرة باعتبارها "مناطق آمنة" من الملاحقة.
ورغم هذه التحديات، فإن استمرار عمليات المداهمة وضبط الحدود والتنسيق مع دول الجوار، يشير إلى أن الدولة السورية قطعت شوطًا مهمًا نحو إنهاء تجارة المخدرات، لكن لا يمكن الجزم بموعد نهائي لاجتثاث هذه الظاهرة.