كان خبر رحيله أشبه بفاجعة، ليس فقط لأنه محمد البكري (1953) الفنان المخرج والممثل الفلسطيني، الجميل الشكل والروح، صاحب البصمة المميزة في السينما العالمية وليس فقط العربية والفلسطينية، بل لأن رحيله المفاجئ سيترك فراغا لا يمكن ملؤه على المدى القريب كفنان وكشاهد على العصر.
معرفتي بالبكري بدأت عبر الشاشة الكبيرة وأفلامه التي كانت ذات تأثير كبير على ذاكرتي ووجداني؛ منذ فيلمه (جنين جنين) 2002 الذي نقل من خلاله ما جرى من مجازر مصورا آثار الهجوم الإسرائيلي من خلال مقابلات أجراها مع العديد من الناجين، بالإضافة إلى لقاءات أجراها مع بعض الأطفال الذين سألهم عن أمنياتهم في المستقبل، وهو الفيلم الذي عرّض البكري لمحاكمات عديدة كانت نتيجتها حظر توزيع وعرض الفيلم في إسرائيل، ومصادرة جميع النسخ وإلزام البكري بتحمل المصاريف القضائية التي قدرت بمبلغ 50 ألف "شيكل".
لكن البكري كان شجاعا لدرجة أنه أعاد تصوير نسخة ثانية من الفيلم قبل أعوام، محاولا مقابلة جميع الشخصيات التي قابلها في الجزء الأول لمعرفة ما حصل معها بعد كل تلك السنوات. كان الفيلم بمثابة تحدٍّ وليس فقط مجرد إعادة إحياء للذاكرة ولمدينة جنين وسكانها.
فيلم (جنين جنين) بحد ذاته دفعني للعودة لأرشيف أعمال البكري، فشاهدت فيلمه الوثائقي المعنون (1948) الذي اخرجه في العام 1998بشكل متزامن مع مرور خمسين عاما على النكبة الفلسطينية. في هذا الفيلم كان البكري قد قابل ناجين من نكبة 48، بالإضافة لأشخاص فروا من مجازر دير ياسين والدوايمة ولاجئين من قرى مدمرة مثل صفورية، كما تضمن الفيلم مقابلات مع مؤلفين وشعراء فلسطينيين، وكان البكري قد اعتمد في أجزاء من فيلمه على مشاهد من مسرحيته مونودراما "المتشائل". حقق الفيلم نجاحا كبيرا لأن البكري لم يقتصر فيه على أصوات الفلسطينيين المنكوبين كما فعل في (جنين جنين) بل ضمنه محادثات مع العديد من الإسرائيليين ووضعه في سياقه التاريخي من خلال إجراء مقابلات مع صحفي إسرائيلي.
أما فيلم (عيد ميلاد ليلى) 2008 الذي أخرجه رشيد مشهراوي، فكان الفيلم الذي اخترق قلبي وجعلني أقع في حب البكري (أبو ليلى)، القاضي الذي أصبح سائق سيارة أجرة في رام الله. كان فيلم (عيد ميلاد ليلى) علامة بارزة أيضا في تاريخ مشهراوي كمخرج، ودارت أحداثه بشكل مكثف على مدار يوم واحد حيث سيواجه أبو ليلى شتى أنواع العراقيل قبل أن يصل إلى ابنته التي ستحتفل بعيد ميلادها، بداية من حركة المرور الصعبة مرورا بالعقبات البيروقراطية وفساد المسؤولين وصولا إلى عنف الفلسطينيين أنفسهم.
كان البكري يحب سوريا ويتمنى زيارتها، ولكن القدر كان أسرع منه ومني، رحل الرجل الذي عشق فلسطين ولم يغادرها، الرجل الذي قتله عشق فلسطين وحسرته عليها.
لكن قدري السعيد جعلني التقيه في الدورة 29 لمهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي عام 2013، كان حينها برفقة ليلى، زوجته ورفيقة دربه ووالدة كل من صالح وآدم وزياد ومحمود ويافا، الذين ورثوا عن والدهم حب الفن والتمثيل، فكان لهم حضورهم أيضا على شاشات السينما وربما وصلوا لجيل الشباب بطريقة أسرع من الطريقة التي وصل فيها عرابهم الأب، محمد البكري.
في الإسكندرية، وبعد ذلك اللقاء الذي دام لأسبوع تقريبا، لم يعد البكري مجرد ممثل أو مخرج ولم أبق مجرد ناقدة تكتب عن أعماله وتعجب بأدائه، بل تحولت العلاقة لودية وعائلية، ومنذ ذلك التاريخ لم ننقطع عن التواصل ولو كان بشكل متقطع، إلى أن جاءت إحدى دورات أيام قرطاج السينمائي الدولي، وكنت أقيم في الفندق المخصص للنقاد، وكان لزاماً عليّ يوميا أن أنتقل من فندق المهرجان إلى فندقي في وقت متأخر، ولأن الطريق موحشٌ ليلا، كان البكري يرافقني مشكورا أغلب الوقت إلى الفندق، وكنا أثناء الطريق نراجع المشاهدات للأفلام، ونعلق ونختلف ونتفق، كان فنانا متواضعا جدا، غير متكلف، اجتماعيا وخجولا، رغم أن مظهره يدل على غير ذلك.
في عام 2017، كنت حينها قد انتقلت للكتابة في صحيفة عربية جديدة وكان لا بد لي من موضوع "حارق خارق" أفتتح فيه عملي، فكان حواري مع البكري حول فيلمه (الواجب) أحد أجمل أفلام المخرجة آن-ماري جاسر، تحدث فيه عن تجربة عمله في فيلم يجمعه مع صالح ابنه البكر والذي يلعب في الفيلم أيضا دور ابنه، في رحلة كلاسيكية لدعوة الأقارب لحضور زفاف الابن كتقليد متعارف عليه. كاد الفيلم أن يكون كوميديا تماما لولا الرسائل المبطنة التي تضمنها وجسارة محمد البكري، الذي يضحكك رغم أنه لا يبتسم طيلة الفيلم. نجح الفيلم نجاحا كبيرا واعتقد أنه كان السبب في معرفتي بالمخرجة الموهوبة آن ماري جاسر.
في سجل البكري عشرات الأفلام سواء التي لعب فيها كممثل أو التي أخرجها، بالإضافة إلى تجربة مسرحية محدودة نسبيا، كما لديه فيلم روائي قصير من إخراجه بعنوان (الدنيا) لم يُعرض بعد عن قصة كتبتها ابنته يافا، لعب بطولته وكنت محظوظة أنه خصني بمشاهدته قبل أيام فقط من رحيله إلى جانب أحدث أعماله، فيلم المخرجة شيرين دعيبس (اللي باقي منك) الذي وصل برفقة فيلم آن- ماري جاسر (فلسطين 36) إلى القائمة القصيرة للأوسكار، وهو فيلم تدور أحداثه بداية من نكبة 1948 وتنتهي في العام 2022؛ إنه تاريخ فلسطين الذي تختزله الكاتبة المخرجة بعائلة فلسطينية عبر ثلاثة أجيال، كنت متحمسة للكتابة عن الفيلم وعن حضوره الآسر فيه، وكنا نتحدث مطولا حوله، إلى أن طرح فكرة عرضه في دمشق على أن يكون حاضرا معه في العام القادم.
كان البكري يحب سوريا ويتمنى زيارتها، ولكن القدر كان أسرع منه ومني، رحل الرجل الذي عشق فلسطين ولم يغادرها، الرجل الذي قتله عشق فلسطين وحسرته عليها.