محكومون بالألم

تاريخ النشر: 08.09.2021 | 06:54 دمشق

لطالما شكّلت الحرب، بوصفها مصدراً للعنف الجسدي والنفسي والبصري، الموضوع الأكثر تحريضاً لمخيلة الفنان، ولعدسة المصور، فقد طفح دمنا في الوادي، ولأن الأطفال هم أول ضحايا الحرب المجنونة، فإن بلاغة الصورة بألف كلمة، فإلى أي درجة يستعير الفنان من صدمة الواقع، من تراجيديا تلون المكان بالدم والرماد، وتلك الصرخة التي تفوق صرخة الفنان النرويجي إدفار مونك، الذي كتب على زاوية اللوحة عبارة "لا يمكن إلا لرجل مجنون رسمها".

تلك العبارة التي تعتبر رمزًا للقلق الوجودي، فالغضب يدفعنا إما إلى الجنون أو إلى تسجيل اللحظة، سواء من خلال الصورة، أو الرسم، ولكن ماذا لو استعار الفنان من صورة الواقع؟

استفزني المشهد، فوجدت نفسي أحمل الريشة، وأرسم الصورة ببعد تعبيري، لم أترك العيون مغمضة، أردت من نظرة العيون أن أسجل لحظة عتاب للعالم كل العالم

"الثورة غيّرت حياتنا وأعادت تشكيل ملامحنا"، هو ما قاله لي الفنان أسعد فرزات، بعد أن رسم لوحة طفل إدلبي تحت سماء الحرب، فالصورة أثارت روحه، وجعلته يشعر بالغثيان، بعد أن انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، الطفل الذي أصيب بجروح بليغة نتيجة براميل النظام والطيران الروسي، لدى خرقه اتفاق إدلب في مارس 2019، وقصف أماكن منزوعة السلاح.

"استفزني المشهد، فوجدت نفسي أحمل الريشة، وأرسم الصورة ببعد تعبيري، لم أترك العيون مغمضة، أردت من نظرة العيون أن أسجل لحظة عتاب للعالم كل العالم، وتسجيل نظرة العين حكاية وحدها، فيها العتب والإدانة والأمل، فيها كلّ شيء، أحسست أن الطفل رجل كبير، ونحن أطفال أمامه". وبالتأكيد فإن الوصول إلى الحالات التعبيرية، التي تنبع من الداخل، تبلغ قوتها حين تتساوى الوجوه في شدة الخوف، واليأس، والانتظار.

والفن تجسيد تعبيري لحالة موجودة لم يرد الفنان أن يطلق أي اسم على اللوحة، فهي تعبر عن كل طفل سوري، الضحية الأولى في هذه الحرب المجنونة، والواقع السوري أغنى من أي احتمال يتصوره الكاتب أو الفنان، أو أي إنسان يمتلك حساسية خاصة، وطبيعي أن يكون لدى الفنان مشروع ثقافي بصري يحمل هموم الإنسان، لاسيما في ظل واقع دموي يكون فيه الإنسان في أدنى درجة من درجات الحياة.

ولأن الفن رسالة، فقد قال الفنان تمّام عزام: "حين لا يأتي العالم إلى سوريا تذهب سوريا إلى العالم"، الفنان الذي لجأ إلى صور الحرب ودمار البيوت والمدن، كل شيء بات مهشما، لهذا قرر تلوين صور الخراب، ليقول للعالم، هذه الأبنية كانت مشعة باللون، والحياة ربما ينتبه العالم لوجع الإنسان السوري، الحرية غالية وحقيقية وقد دفع الإنسان أغلى ما يملك ولا يزال المشهد قاتما، قال عزام في إحدى لقاءاته: " صور الفوتوغراف التي ترد في الأخبار، ألوّنها، فهذه البيوت والأبنية كانت ملونة، وهو ما أردت أن أنقله لأطفال سوريا وللعالم".

اختار عزام الفن كمعيار جمالي، مقابل كل أدوات الحرب، يكفي أن يعود إلى قبلة غوستاف كليميت، وابتسامة الموناليزا، ولوحات عالمية أخرى، ليزاوج بينها وبين الدمار في سوريا، وأن يسمي لوحة القبلة التي انتشرت على التويتر، والتي عرفت في أنحاء العالم "بغرافيتي الحرية". واستطاع بحساسية عالية، أن يناضل بطريقة حضارية، كي ينتبه العالم لموتنا، وهكذا يلتقي المشهد في أقصى درجات الدمار، بأقصى درجات الفن والجمال والحب، أراد أن يلون دمار البراميل بألوان قوس قزح، لون الحب والأمل، وهو الفنان الرقمي الذي لم يجد أمامه سوى الفن ليوقع معارضه بعبارة "أنا السوري"..

هكذا يقف الفنان مقابل "الأنا" السلطوي القامع المدمر المتمثل بالديكتاتورية العسكرية والأمنية، مدركا خطورة ما يمارس علينا، وكل رسم أو صورة هو تأكيد على الأنا الحر، والتحرر مما يسلبنا وجودنا، وهذا يخلق وعيا خاصا قادرا على التحوّل إلى سلوك، فحجم الهدم الذي نراه يُنذر بالجديد، وهو ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي التي أظهرت الأنا الحر وفرزت أدوات القتل والكراهية، عن أدوات الوطنية النابعة من الحب والعمران وصورة الإنسان الذي هُجِّر غصبا ومورس عليه كل أنواع العنف.

في هذا السياق أردد ما قاله لي أحد الفنانين: "الأطفال همي ونحن محكومون بالألم"، فكيف للوحة أن تصور المستحيل؟ أمام مجازرَ لا تتوقف، وانتهاكاتٍ يُشكل الطفلُ فيها الضحية الأولى، الصور وما تحمله من ألم، وخوف، وصدمة، دفعت الفنان التشكيلي عبد الكريم الحسن ابن مدينة الرقة لإنجاز معرضٍ في ألمانيا حمل عنوان"أطفال سوريا العائدون من الحرب"، وفيه رسم لوجوه أطفال تعرضوا لانتهاكات دامية.

الصورة دليل، مع أنها تعبر خلال ثانية، في مشهد يعادل دهرا، صور عن أطفال حلب، وإدلب، ودرعا، وحمص، والقامشلي، ودير الزور، طفل يسيل الدم من جبينه، طفل يحمي أخته، وقد تحوّل إلى رجل قبل الآوان، هذه الصور، جعلت الفنان يرى الأطفال كل الأطفال، يعيشون كوابيس الحرب، "فما كان أمامي إلا أن أسجل اللحظة الصادمة باللون والخطوط، لأؤكد على الجرح الذي يواجهه الأطفال، شعرت أن الطفل للمرة الأولى يشاهد لون الدماء، ويداه الصغيرتان اللتان حاول بهما أن يمسح رأسه النازف، وحين انتهيت من رسم اللوحة نظرت إلى يدي رأيت بقايا دمٍ على أصابعي، فبكيت لشعوري أننا محكومون بالألم".

كم هو متخم هذا الزمن برائحة الموت والخراب، مزدحمٌ بصور العنف والدم، مدنٌ ركام، وبشرٌ ضحايا

حين عرضت هذه الأعمال في معرض بألمانيا، كان ذهول الجمهور من هول المشهد، حزنهم وعجزهم أمام إصرار هذا الطفل على البقاء على قيد الحياة.

وكما يقول رولان بارت: "الرسم مهيأ للدلالة أكثر من التصوير والمحاكاة أكثر من الأصل"، وكم هو متخم هذا الزمن برائحة الموت والخراب، مزدحمٌ بصور العنف والدم، مدنٌ ركام، وبشرٌ ضحايا، ولأن الصورة وجهُ الإدانة وصوتُها الصارخ فقد جعلت صورة المرأة الحلبية الخارجة من تحت الركام، الفنان الشاب حسام علوّم ابن السويداء بحالة انفعال وتوتر، لتبدأ حكايته مع لوحته "السورياليزا"، وبدل أن تصنع الصورة الحدث، صارت هي نفسها الحدث، واللوحة صورة استفزت الفنان وجعلته يدور حول نفسه، كان هذا في بداية شهر أيار 2016 مع بداية حملة النظام الشرسة على حلب يقول علوّم: "المشهد استفزني فهناك حقيقة لا تستطيع الكاميرات التقاطها، حقيقة ليست رمادية، حقيقة واضحة كلون الدم الذي غطى جبينها".

فهل العنف خاصية المجتمعات المعاصرة، وهل هو لصيق بوسائل الاتصال الحديثة، بالسوشيال ميديا، بالحياة بالزمن، وبكل ما يحيط بنا؟

الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين