محطات في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية الروسية

2022.07.04 | 04:45 دمشق

محطات في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية الروسية
+A
حجم الخط
-A

لطالما ارتبطت الكنيسة بالسلطة على مرّ التاريخ، شأنها شأن بقيّة المؤسسات الدينية والأديان، لكنّ مسيرة العلمنة - التي هي في جوهرها نزع القداسة عن جوانب متعددة من حياة البشر وفهمها وفق قوانينها الداخلية بعيداً عن التفسيرات الغيبية – أخرجت الأديان من ساحات كثيرة، كالعلوم التطبيقية والاجتماعية، وكذلك من الفنون والسياسة والقانون والعلاقات الدولية. مع ذلك لم يعنِ هذا بالضرورة إزاحة الدين تماماً من هذه المجالات، خاصّة ذات الطبيعة التفاعلية التي تمسّ شرائح بشرية واسعة، مثل السياسة والاجتماع. لقد كان الدينُ، وما زال، وسيبقى لآمادٍ طويلة صاحب أثرٍ كبيرٍ في تشكيل الأمم وبناء الهويات الوطنية للشعوب وفي التأثير بحياة الأفراد وشخصياتهم وسلوكهم.

جاء الإصلاح البروتستانتي مقدّمة دينية للعلمنة، فبدأ بنزع القداسة عن أفعال وتصرفات رجال الدين، وعمّم فكرة قدرة الإنسان، أيّ إنسانٍ، على التواصل مع الله، ففتح أمامه آفاقاً واسعة كانت مقصورة من قبل على فئة محددة من البشر القادرين على القراءة، مثل الكهنة والنبلاء والأمراء والملوك. لكنّ هذه العلمنة لم تُصب الكنيستين التقليديتين بنفس الدرجة، فقد تركّز الصراع بين البروتستانتية والكاثوليكية بالدرجة الأولى، وساعد على ذلك أنّ النهضة العلمية وقبلها عصر الأنوار كانا قد جاءا من المساحات الأوروبية التي شغلتها الكنيسة الكاثوليكية، وليس من روسيا حيث سادت الأرثوذكسية منذ العام 988 ميلادي.

ما قام به البلاشفة لم يكن علمنة بالمعنى التاريخي التطوري الطبيعي، بل عمليّة إقصاءٍ جبرية للدين من جميع مناحي الحياة، بما فيها السياسة والشأن العام والمجتمع وحتى الحياة الخاصّة بالأفراد

لا يعني هذا أنّ العلمنة لم تُصب المجتمعات الشرقية ومنها المجتمع الروسي، بل على العكس من ذلك، فقد مرّت الكنيسة الأرثوذكسية عموماً والروسية خصوصاً بأكبر محنة في تاريخها مع تسلم البلاشفة الحكم، فقد تعرّض المؤمنون المسيحيون لموجات إكراه متصاعدة مستمرة من تعميم الإلحاد، فالدولة السوفييتية كانت بالتعريف الدستوري ملحدة، وكانت تطبّق الإلحاد على مواطنيها، بل وتمتحنهم به عند التقدّم لشغل الوظائف العامّة المدنية والعسكرية أو لمتابعة التعليم وفي كثيرٍ من نواحي الحياة الأخرى. لكنّ ما قام به البلاشفة لم يكن علمنة بالمعنى التاريخي التطوري الطبيعي، بل عمليّة إقصاءٍ جبرية للدين من جميع مناحي الحياة، بما فيها السياسة والشأن العام والمجتمع وحتى الحياة الخاصّة بالأفراد. لكنّ هذا لم يدم إلا خلال فترة حكم الحزب الشيوعي، وقد اختلف الأمر مع سقوط الاتحاد السوفييتي.

عادت الكنيسة الأرثوذكسية لتلعب دورها التقليدي في المجتمع الروسي، بل أخذت أدواراً أقوى وأعمق في إعادة بناء الأمّة الروسية بعد أن أطلقت السلطات السياسية لها العنان. ولفهمٍ أكثر عمقاً للترابط الذي لا تنفكّ عُراه بين الكنيسة الأرثوذكسية والدولة، علينا أن نرجع إلى التباين في نظرة هذه الأخيرة عن نظرة الكنيسة الكاثوليكية، فالأولى تعتبر قسطنطين قدّيساً لأنه حوّل الدولة إلى حامٍ للعقيدة المسيحية بعد أن كانت مصدر اضطهادها، بعكس الكاثوليكية التي تعتبره مجرّد حاكمٍ استغلّ الدين الصاعد لإحكام قبضته على السلطة الدنيوية. وعلى مدار التاريخ المسيحي خاضت الكنيسة الكاثوليكية صراع السيطرة على المجتمعات التي تسودها مع السلطات السياسية، فكانت علاقتها بالسلطة والمُلك ندّية في الغالب خاصّة بعد أن استطاعت الحفاظ على المجتمعات الأوروبية إثر انهيار الإمبراطورية الرومانية على أيدي القبائل الجرمانية الغازية، على العكس مما كان يجري مع الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت تتماهى مع السلطة السياسية وتتبعها وتبجّل أعمالها على طول الخط ولم تدخل معها في صراعاتٍ بينيّة على حكم المجتمع إلا ما ندر.

تتبنّى الكنيسة الروسية الأرثوذكسية عقيدة واضحة تقوم على افتراض وجود علاقة بنيوية راسخة بينها وبين الأمّة، كما تؤمن بوجود دورٍ كبير للجيش في بناء الأمة الروسية

على العكس من الوضع في روسيا، نشأت الدولة الأميركية قبل مئتين وخمسين عاماً على أسس العلمانية الواضحة، فتمّ فصل السياسة عن الدين تماماً وتمّ منع الدولة من أن يكون لها كنيسة أو أن تتبنى إحدى الكنائس، فكانت البروتستانتيّة الهاربة من الحروب مع الكاثوليكية في أوروبا هي الرائجة بشكل كبير، حتى إنّ التعبير عن الفردانية الأميركية أثّر على ذلك فبات الانقسام في الكنيسة تعبيراً عن حرية الاعتقاد والفرادة والتميّز، باعتبار أنّ كل إنسان قادر على التواصل مباشرة مع الخالق، فكان بإمكان أيّ امرئ إنشاء كنيسته الخاصة.

أمّا في روسيا فالوضع معاكس تماماً، حيث تتبنّى الكنيسة الروسية الأرثوذكسية عقيدة واضحة تقوم على افتراض وجود علاقة بنيوية راسخة بينها وبين الأمّة، كما تؤمن بوجود دورٍ كبير للجيش في بناء الأمة الروسية وفي تكوين الهوية القومية الروسية. وهذا لم يأت من فراغ، بل هو التاريخ الذي يخبرنا أنّ روسيا تأسست وتوسعت نتيجة طموح حكامها وبفعل الحروب الدائمة التي خاضوها مع جيرانهم منذ نشأةِ مملكتهم في العاصمة القديمة روس كييف، التي هي بالمناسبة إحدى الحجج التي يستند إليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حربه على أوكرانيا الآن، حيث يعتبر أوكرانيا بمجملها جزءًا من روسيا وكنيستها جزءًا من الكنيسة الروسية، ولا بدّ للفرع من العودة للأصل.

من هنا يمكن قراءة المشاهد التي أبرزها الإعلام الروسي لرجال الدين الأرثوذكس وهم يباركون الطائرات والصواريخ والأسلحة وحتى الجنود والقادة، ويرشّونهم بالماء المقدّس قبل مشاركتهم في الحروب التي خاضوها في سوريا والقرم والشيشان وجورجيا. المشهد برمّته جزء من التكوين النفسي للكنيسة والقائمين عليها، وهذا الدور معترفُ به عن قناعة لدى الروس بشكل واضح، فأغلبية الشعب الروسي تعرّف نفسها باعتبارها من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية حتى وإن كان أفرادها غير مؤمنين أساساً.