محاصيل الحراك العربي بين الواقع والتحديات

تاريخ النشر: 09.06.2018 | 00:06 دمشق

ما الذي تغير لدى شعوب العالم العربي بعد ثورات الربيع العربي وهل حقا هذا الربيع هو خريف أعاد الشعوب العربية إلى الوراء أم أن هذا المخاض لم ينته؟ هذه الأسئلة التي تشغل تفكيرنا مع متابعتنا لكل ما حصل ويحصل كشعوب المنطقة منذ بدأت تلك الشعوب تتلمس طريقها إلى الشارع وتقول "الشعب يريد" وحتى هذه اللحظة!.

ومن أجل الموضوعية أظن أننا بحاجة لقراءة الواقع بتمعن، فهذا الواقع هو نقاط القياس للنتائج والمحصلة الآن أو في المستقبل إذا اعتبرنا أننا في مرحلة حصاد محصول ذلك الحراك، ولأجل هذه الموضوعية فإنه لا يمكن بأي حالة من الأحوال أن نضع كل البلاد العربية في نفس السلة فلكل بلد خصوصيته ولكل بلد واقع مختلف نتج عن مدى نضح المجتمع المدني قبل تلك الثورات ومدى تعاطي حكومات تلك البلدان بعقلانية مع حراك شارعها، فليس هناك شعب في العالم يريد تدمير البلاد والدولة بمؤسساتها، وكل الشعوب تريد إنجاز حلول بأقل فاتورة ممكنة، والفارق الذي يؤدي لنتائج إيجابية أو سلبية هو في كيفية تعاطي أنظمة تلك الدول مع حراك ومطالب الشارع ومدى احترام تلك الأنظمة لشعوبها من جهة ومدى نضج مؤسسات المجتمع المدني وسلمية الحراك وتنظيمه وعقلانيته من جهة أخرى.

تبدو الحالة التونسية الأنصع من حيث النتائج والخلاصات، وطبيعة الحراك الذي حصل وأدى إلى رحيل الرئيس التونسي بن علي كنتيجة مباشرة للحراك، وما حصل بعد ذلك حيث تختلف تلك النتائج عن سواها من البلدان، ويعود ذلك إلى قوى المجتمع المدني التونسي، وهامش الحريات المتاح للتعبير وخصوصيتها من حيث كونها الصدمة الأولى في المنطقة، وطبيعة رد فعل الجيش والأمن، والموقع الجغرافي  والسياسي، وتركيبة المجتمع أيضاً، ومن ثم الخطوات التي لحقت تلك الخطوات عبر انتخابات ديموقراطية وقبول الأطراف السياسية بنتائج الانتخابات في كل مرحلة سياسية عقبت التغيير، ومن ثمن تطوير المجتمع والقوانين وبالتالي تونس بالفعل تتقدم للأمام نحو دولة ديموقراطية مدنية متحضرة بقوانين عصرية تنصف المواطنين وتحقق المساواة بينهم، وهي النتائج التي يجب أن تنتج عن ثورة.

وتبدو الحالة السورية هي الأعقد والأكثر دموية فالحراك السلمي في سوريا تمت مواجهته بدموية وعنف منذ اليوم الأول من قبل نظام الأسد ومن ثم تحولت الثورة من حراك سلمي مذهل إلى حراك عسكري فوضوي.

وتبدو الحالة السورية هي الأعقد والأكثر دموية فالحراك السلمي في سوريا تمت مواجهته بدموية وعنف منذ اليوم الأول من قبل نظام الأسد ومن ثم تحولت الثورة من حراك سلمي مذهل إلى حراك عسكري فوضوي، وخلقت عسكرة الثورة وإجرام النظام وتدخل الدول الإقليمية حرب شعواء فتحت الباب على مصرعيه لدخول قوى متطرفة إلى الساحة السورية، طرف منها يدعم النظام وطرف آخر ضد النظام من جهة وضد الحراك السلمي وقيم التغيير التي أرداها السوريون من حراكهم وهي قيم الحرية والمدنية والديموقراطية والمواطنة من جهة أخرى ويمكن تسمية تلك القوى طرف ثالث،  واكتملت الكارثة عبر ارتهان الفصائل العسكرية لإرادات الجهات الممولة وعدم وجود استراتيجية وطنية لكل تلك الفصائل،  كما أن أداء المعارضة السياسية السورية بأشكالها العديدة تعكس تماما حالة التصحر السياسي، التي عاشتها سوريا خلال حكم الأسدين والتي أدت إلى عدم وجود تجربة معارضة ناضجة قادرة على أن تكون الحامل السياسي والممثل لحراك السوريين بالإضافة لسيطرة قوى الإسلام السياسي على معظم كل القوى وخنق الأصوات الديموقراطية والقوى الشابة التي كان من الممكن أن تخلق الفارق في أداء تلك القوى.

إن عدم وجود مجتمع مدني ناضج قبل الثورة  في سوريا متمثل في نقابات ومنظمات وجمعيات حيادية قادرة على أن تكون الحامل لحراك مدني يطالب بالتغيير الإيجابي في المجتمع ويمثل وجهة نظر ذلك المجتمع هي المطب الأخر الذي ألم بنا كسوريين ، وذلك بسبب منع النظام لترخيص أي جمعيات لا تنساق خلف أوامره وأجنداته،  أو سحب الترخيص من الجمعيات التي لا تنال رضى هذا النظام، بالإضافة لملاحقة نشطاء حقوق الإنسان وحقوق المرأة والمجتمع المدني عموماً ومنع ولادة وحراك الأحزاب السياسية وحتى الفكر النقدي والمعارض وضعف التنمية البشرية بالمجتمع السوري،  وهي سياسة مقصودة انتهجها نظام الأسد الديكتاتوري تجنباً لأي تغير في منظومة القمع والسيطرة ترسيخا لحكم متوارث ديكتاتوري أسس له حافظ الأسد واستمر به بشار الأسد من بعده.  وعلى الرغم من ولادة آلاف المنظمات والتجمعات والقوى مما يمكن تسميته المجتمع المدني الناشئ بعد الثورة إلا أنها إما كانت لا تحمل الخبرة والأدوات المطلوبة لتكون ذلك الحامل، أو كانت مدخل لجهات سياسية أرادت أن تستخدم المجتمع المدني ليكون بوابتها للتأثير على المسار السياسي أو لتكون على مستوى الأشخاص ضمن ذلك المشهد، ومنها من كانت غير قادرة فعليا على التأثير على الأرض بفعل الشتات السوري واستعار الحرب في سوريا من جهة وملاحقة النشطاء من قبل النظام من جهة والفصائل المتطرفة من جهة أخرى .بالإضافة لطبيعة الحرب بالعموم، على الرغم من أن الكثير من تلك المنظمات تملك الرؤى الصحيحة لكنها لا تملك أدوات تحقيقها، لقد أصبحت سوريا كنتيجة لكل ذلك ولفشل المجتمع الدولي في التعاطي مع الكارثة السورية و في وقف الحرب والضغط على الأطراف لتحقيق نجاح على مستوى المفاوضات ورقة ضغط بحد ذاتها تستخدمها القوى الكبرى في نزاعتها ضمن لعبة السيطرة التي تمارسها على سياسة العالم.

وتبدو المنظمات الحقوقية هي التجربة الأفضل بين تلك المنظمات فقد استطاعت توثيق الانتهاكات وتحريك ملفات قانونية لمحاكمة مجرمي الحرب في أوروبا مثلا، كما أنها استطاعت الحفاظ على مبادئها في كثير من الأحيان ضمن حالة الظلام التي نعيشها في واقعنا للأسف، وأظن أن تلك التجربة يجب التركيز عليها وتطويرها، والتعلم منها لأن ملف حقوق الإنسان من أهم الملفات التي يجب أن لا تضيع ضمن التجاذبات السياسية والمساومات التي تحصل في الحالة السورية .

والتحدي الحقيقي الآن يتمثل في تكاتف ونهوض القوى الوطنية الحاملة  لقيم التغيير الديموقراطي والمدني من أجل صياغة خارطة طريق والعمل من أجل مشروع وطني متكامل لإنجاز حل سياسي و وقف الحرب والترويج لهذا المشروع، وإحياء المجتمع السوري من جديد.