مجهولو النسب.. ظلم المجتمع وقصور القوانين

تاريخ النشر: 13.11.2018 | 15:11 دمشق

تلفزيون سوريا - نور سعيد - دمشق

على خلفية مناقشات مجلس الشعب التابع للنظام لمشروع قانون "مجهولي النسب" قبل إقراره، والذي أعدته وزارة الشؤن الاجتماعية والعمل بالتعاون مع وزارة الأوقاف ووزارة العدل في حكومة النظام، وما أثاره من نقاش ضمن المجلس وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، ظهرت تسميات إعلامية جديدة لمجهولي النسب أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها مهينة ومنحطة وتعكس أثار التجييش الإعلامي الذي تعرض له السوريون.

إثر ذلك وصف بعض أعضاء مجلس الشعب هؤلاء الأطفال بأنهم «أولاد داعش» أو «أولاد جهاد النكاح» بكل ما تثيره هذه التسميات من إهدار لحقوق الطفل ومخالفة للاتفاقيات الدولية والقوانين المحلية المتعلقة بحماية حقوق الطفل.

وكلمة «مجهولي النسب» هي الكلمة البديلة التي اقترحها مشروع القانون الجديد الذي لم يقره المجلس بعد، بدلاً من كلمة «لقطاء» المستخدمة في المرسوم التشريعي رقم 107 الصادر بتاريخ 04/05/1970 والذي مازال -بالإضافة إلى قانون الأحوال المدنية رقم 26 لعام 2007 وتعديلاته- هو التشريع الناظم لحالات مجهولي النسب إلى يومنا هذا.

وصف بعض أعضاء مجلس الشعب هؤلاء الأطفال بأنهم «أولاد داعش» أو «أولاد جهاد النكاح» بكل ما تثيره هذه التسميات من إهدار لحقوق الطفل ومخالفة للاتفاقيات الدولية والقوانين المحلية

عكس هذا النقاش وما رافقه من آراء، مدى الخطر الذي يحيق بالأطفال «مجهولي النسب» في الفترة القادمة والنظرة الاجتماعية الدونية لهم، وهو ما يلقي على عاتق منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية الدولية مهمة التصدي لهذه الظاهرة، خاصة في ظل تخلي الدولة عن دورها الرعائي ومسايرتها الواقع المتخلف مرة بحجة العادات ومرة بحجة الدين، وعدم إقرار مشروع القانون الجديد وتوقف نقاشه في مجلس الشعب بعد الخلاف الذي أثير حوله، خير دليل على استهتار الدولة في حماية هؤلاء الأطفال.

ومما لا شك فيه بأن أعداد مجهولي النسب قد ارتفعت في سوريا عما كانت عليه قبل عام 2011 بسبب ظروف الحرب وما يرافقها من ارتفاع نسب الفقر، والتشرد، والنزوح، وموت الوالدين أو أحدهما، والفقدان، والاغتصاب، ورغم ذلك تستمر الجهات الرسمية التابعة للنظام في محاولة التستر على الأعداد الحقيقية لمجهولي النسب وترفض الاعتراف بها كقضية ملحة، ففي آخر تصريح من مصدر قضائي لصحيفة «الوطن» السورية الموالية للنظام في عددها 2859 تاريخ 19 آذار 2018 بأن: " عدد مجهولي النسب خلال الأزمة المسجلين بلغ نحو 300 طفل"، "وأن عدلية دمشق تستقبل حالة كل شهرين".

بينما يشير الواقع وتقارير المنظمات الحقوقية غير الحكومية إلى أن أعداد "مجهولي النسب" أعلى بكثير. وتختلف الإحصائيات تبعاً للمقصود بمجهول النسب.

 

من هم مجهولو النسب؟

النسب في اللغة؛ هو الصلة والقرابة والأصل عند العرب أن ينسب الشخص إلى أبيه وجده لأبيه.

والنسبة في القانون السوري هو: «اسم الأسرة أو ما يقوم مقامها من أسماء السلف» (المادة الأولى من قانون الأحوال المدنية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 26 لعام 2007 المعدل بالقانون رقم 20 لعام 2011) والأسرة بحسب المادة ذاتها هي «المجموعة المؤلفة من الأب والأم والأولاد»

وقد عرفت المادة الأولى من المرسوم التشريعي رقم 107 لعام 1970 «اللقيط» -وهي التسمية التي اعتمدها هذا المرسوم للدلالة على «مجهول النسب» -بأنه: «الوليد الذي يعثر عليه ولم يعرف والداه» وألحق بهم في المادة 18:

أ-الأطفال مجهولو النسب الذين لا يوجد من هو مكلف بإعالتهم شرعاً.

ب-الأطفال الذين يضلون الطريق ولا يملكون المقدرة للإرشاد عن ذويهم لصغر سنهم أو لضعفهم العقلي أو لأنهم صم بكم ولا يحاول أهلهم استردادهم.

ليكون بذلك مجهول النسب وفق التشريع السوري هو الوليد أو الطفل الذي لا يعرف والديه، فلم يشمل الطفل الذي يُجهل أحد والديه، وهو غالباً الأب، ولا المولود من زواج عرفي غير مسجل

ليكون بذلك مجهول النسب وفق التشريع السوري هو الوليد أو الطفل الذي لا يعرف والديه، فلم يشمل الطفل الذي يُجهل أحد والديه، وهو غالباً الأب، ولا المولود من زواج عرفي غير مسجل. وبصرف النظر عن رأي القانون وتعريفاته فإننا أمام حالات متعددة ومتنوعة لأطفال يجهلون والديهم أو أحدهما فعلاً أو أطفال معروفي النسب ولكنهم غير مسجلين في سجلات الأحوال المدنية ولا يحملون أية وثائق تثبت هويتهم ونسبهم، وهم من اعتبرهم القانون مكتومي القيد. وهذا الواقع يضعنا أمام معضلة تستوجب الحل على المستويين الاجتماعي والقانوني.

المشكلة الأولى التي تواجهنا هي نظرة المجتمع لمجهول النسب حيث يتبادر إلى الذهن فور سماع كلمة «مجهول النسب» أنه ابن أو بنت زنى وثمرة علاقة غير شرعية على الرغم من أن واقع الحال يشير إلى أن الكثير من حالات جهالة النسب –خاصة في ظروف الحرب- تنجم عن فقدان الطفل لأسباب لا علاقة للوالدين بها فتشرد العائلة والنزوح ووفاة الوالدين أو الخطف أو الاعتقال يترك أطفالاً مشردين لا يعرف نسبهم. كما أن الفقر والعوز كثيراً ما يدفع بعض الأسر للتخلي عن طفلها وتركه في العراء ليواجه مصيره، مبررين فعلتهم بأنهم يمنحونه فرصة للنجاة بدلاً من قدره المحتوم -الموت جوعاً- في رعايتهم، فإذا أنقذه أحد المارة كتبت له الحياة ولكن بدأت رحلته كمجهول نسب.

 

الاغتصاب والزواج العرفي

هذا بالإضافة إلى حالات الاغتصاب والزواج العرفي القسري، وهي ظاهرة استفحلت في مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بشكل خاص، لتجد الأم نفسها وحيدة مع طفل تجهل هي نفسها والده، مما يدفعها للتخلي عنه ونكرانه. ومن جهة أخرى فإن الزواج العرفي الذي يعترف به المجتمع ويحميه قد يكون سبباً إضافياً من أسباب جهالة النسب، وهو منتشر بكثرة في المجتمع السوري وخاصة في الأرياف حيث يكتفى لعقد القران بإيجاب وقبول الطرفين وشهادة الشهود لينعقد الزواج دون تسجيله في الدوائر الرسمية، وفي ظروف الحرب وما نجم عنها من فقد الزوج بسبب الوفاة أو الاعتقال أو الهجرة أو الطلاق وأحياناً بسبب ضياع الأوراق الثبوتية تغدو الأم وحيدة مع طفل لا يمكنها إثبات نسبه من أبيه. ومع النظرة الظالمة للمرأة في مجتمعاتنا وضعف إمكانياتها الاقتصادية ستكون وطفلها ضحية هذا الزواج.

أفاد عدد من المحامين بأن حالات تثبيت الزواج والنسب شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في عامي 2017 و2018

وقد أفاد عدد من المحامين بأن حالات تثبيت الزواج والنسب شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في عامي 2017 و2018 وأن الكثير من حالات تثبيت الزواج كانت دعاوى تثبيت زواج وطلاق ونسب في آن معاً، بينما أفادت ناشطة حقوقية في دمشق بأنه من بين النساء اللاتي راجعنها لتقديم استشارة قانونية خلال النصف الأول من عام 2018 أقرت أكثر من 500 سيدة بأنهن أمهات لأطفال مولودين من زواج عرفي غير مسجل أو من اغتصاب أو سفاح.

وعلى الرغم من أن المحاكم الشرعية في دعاوى الإقرار بالنسب لا تسأل الزوجين عن عقد الزواج - في حال إقرارهما بالنسب - إلا أنه إذا تبين للقاضي بأن الزواج باطل أو أقر الزوجيين بأن المولود من زنا، امتنع تثبيت نسبه لأبيه وثبت نسبه لأمه على أن ينتحل أمين السجل المدني نسبة واسم أب له. أما مجهول النسب من زواج صحيح أو فاسد فيثبت نسبه بإقرار الوالدين أو ورثتهما أو بالبينة.

 وهذا النوع من الدعاوى ليس بمتناول الجميع لما تنطوي عليه من تعقيدات وللابتزاز المادي الذي يرافقها من بعض المحامين والموظفين. بالإضافة إلى انقطاع الصلة بين الوالدين وفقدان أحدهما أو كليهما وضياع الأوراق الثبوتية.

 

حرمان من الحياة

وبالعودة إلى مشروع قانون مجهولي النسب الجديد والذي لم يقره مجلس الشعب بعد، فعلى الرغم من بعض إيجابياته، فإنه لم يقدم الحلول الكفيلة بتخفيف معاناة مجهولي النسب وإدماجهم في المجتمع، فقد جاء في مجمله مكرراً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 107 لعام 1970 الخاص برعاية اللقطاء، إلا أنه أكثر دقة وتفصيلاً في بعض النواحي، فلم يأت بجديد لجهة اعتبار مجهول النسب عربياً سورياً دينه الإسلام ما لم يثبت خلاف ذلك، وكان جديده اعتبار المولود من علاقة غير شرعية والثابت نسبه لأمه مستفيداً من كافة أحكامه إذا كانت أمه متوفية أو مختفية، أما إذا كانت على قيد الحياة فإنه يستفيد من أحكامه الخاصة بالتسجيل والتسهيلات في كافة الجهات. وأقر الرعاية من الأسر البديلة دون أن تتحول هذه الرعاية إلى نظام للتبني، فأجاز أن تضاف نسبة العائلة الراعية إلى اسم الطفل الملحق دون اسم الأب أو الأم الراعيين، وعدم جواز التوارث بينه وبينهم، وأجاز مشروع القانون الجديد الترخيص للمنظمات غير الحكومية تأسيس دور لرعاية مجهولي النسب تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بالإضافة إلى دور الرعاية الحكومية المنصوص عليها في التشريع الحالي.

النتيجة بقاء أكثر من 40 ألف طفل مجهول النسب، إما بسبب عدم معرفة أبويهم أو بسبب فقدان الأوراق الثبوتية وإمكانية تسجيلهم في سجلات الأحوال المدنية

أما الواقع العملي فقد أثبت عدم جدية مؤسسات النظام في حماية مجهولي النسب، فقد استبقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إقرار قانون حماية مجهولي النسب، وأصدرت تعميماً يمنع كافة المنظمات غير الحكومية من تقديم خدمات الدعم القانوني وحصرته في الأمانة السورية للتنمية، فضلاً عن تأجيل إقرار القانون الجديد وتوقف نقاشه في مجلس الشعب. وضعف إمكانيات دور الرعاية المخصصة وقلة عددها وسوء الخدمات التي تقدمها.

لتكون النتيجة بقاء أكثر من 40 ألف طفل مجهول النسب، إما بسبب عدم معرفة أبويهم أو بسبب فقدان الأوراق الثبوتية وإمكانية تسجيلهم في سجلات الأحوال المدنية، حسب تقديرات منظمات غير حكومية، عرضة للتشرد والتحرش والاستغلال محرومين من حقهم في العيش ضمن منزل يأويهم وأسرة تعتني بهم، ليفترشوا الشوارع والحدائق ويمتهنوا التسول ويعانوا من أنواع الاستغلال والتمييز والتهميش، فضلاً عن حرمانهم من حق التعليم وكافة حقوقهم المدنية، هذا إذا أسعفهم الحظ للبقاء على قيد الحياة.

كلمات مفتاحية