مجزرة الحولة في ذكراها السابعة... ما زالت مستمرة

مجزرة الحولة في ذكراها السابعة... ما زالت مستمرة

الصورة
جثث ضحايا مجزرة الحولة بريف حمص الشمالي (إنترنت)
25 أيار 2019
تلفزيون سوريا - خاص

انتفضت بلدات وقرى ريف حمص الشمالي كما مدينتها منذ بداية الثورة السورية للمطالبة بإسقاط نظام الأسد، إلا أن رقاب أطفال بلدة تلدو ونسائها في سهل الحولة كانت في الخامس والعشرين من عام 2012، على موعد مع سكاكين الحقد الطائفي الذي ضخه الأسد في قلوب شبيحته. ليُدفن في اليوم التالي وأمام أعين المراقبين الدوليين 117 شخصاً في مقبرة جماعية، بينهم 50 طفلاً دون العاشرة من العمر، و32 امرأة.

خرجت بلدة تلدو الواقعة في سهل الحولة بريف حمص الشمالي في 25 من نيسان من عام 2012، في مظاهرة جمعة "دمشق موعدنا القريب"، لتفتح قوات النظام المحيطة بالبلدة نيران رشاشاتها الثقيلة على بيوت المدنيين، ومن ثم قصفت قوات النظام وشبيحته البلدة بعشرات الصواريخ وقذائف المدفعية الثقيلة.

 

 

يروي الناشط عمرو موسى لموقع تلفزيون سوريا أحداث هذا اليوم الذي "لن ينساه الأهالي ما بقوا أحياء"، وقال موسى بأن قوات النظام وشبيحته بدأت في الساعة الواحدة ظهراً بقصف بلدة تلدو، لتزداد وتيرة القصف المدفعي والصاروخي على البلدة حتى نهاية الليل، وسط حالة هول ورعب شديدين.

وتابع موسى "في الساعة السادسة والنصف مساءً، وصلنا خبرٌ بأن ميليشيات النظام من القرى العلوية والشيعة المحيطة بالمنطقة قد ارتكبوا مجزرة مروعة بحق مدنيين في الجهة الجنوبية والغربية المتطرفة عن مدينة تلدو، وعندما أسرع شبان البلدة وتسللوا إلى هذه المنطقة ليتأكدوا من صحة الخبر، وسط القصف العنيف الذي لم يهدأ، فوجئوا بعشرات الجثث لأطفال ونساء مزّق الرصاص أجسادهم ورؤوسهم، كما عُثر على جثث أطفال ونساء ورجال مذبوحين بالسكاكين".

 

 

المشاهد المروعة التي بثها الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت عوائل مذبوحة أو معدومة ميدانياً بالكامل، غارقة بالدماء داخل منازلهم.

 

 

وذكر موسى أنه "عندما سارع الثوار بالذهاب لإجلاء الجثث من المنطقة المرصودة نارياً من حاجز قوات النظام في مؤسسة المياه والمرصودة أيضاً من قريتي فلة والقبو العلويتين وقرية العوصية، عثرنا على طفل ناج من المجزرة كان مختبئاً في سقيفة المنزل وقد روى لنا وهو بحالة صدمة كيف شاهد أهله يُقتلون بدم بارد وهو لا يستطيع إلا التزام الصمت لكي ينجو".

علي السيد، طفل آخر نجا بأعجوبة وشاهد إعدام وذبح والدته وإخوته أمام عينيه، روى شهادته لمركز حلب الإعلامي في الذكرى الخامسة للثورة، حول أهوال ذلك اليوم وتلك اللحظات تحديداً. واختصر ذلك بقوله "كلمة أمي صرلي ما قلتها خمس سنين". ليكون هذا العام السابع لعلي دون أن ينطق بكلمة "أمي".

 

 

اتفق الأهالي على أن لا تُدفن الجثث حتى دخول وفد الأمم المتحدة ليكونوا شاهدين على "أبشع جريمة عرفتها الإنسانية"، على حد وصف موسى.

 

 

أكّد كل شهود العيان على المجزرة من الذين قدموا شهاداتهم بعد أيام من وقوعها، أو أولئك الذين قدموها بعد سنوات لاحقة، أن من ارتكب هذه الجريمة البشعة هم من أبناء القرى المجاورة ذات الأغلبية العلوية، والتي جنّد النظام معظم شبانها في صفوف الشبيحة.

 

 

سلسلة مجازر متتالية.. ما الهدف منها؟

لم تكن المجزرة الأولى من نوعها، ففي الـ ٢٩ من شباط ٢٠١٢ في الفترة الذهبية للمظاهرات السلمية التي خرجت بها مئات المدن والقرى، دخل شبيحة الأسد وجنده إلى حي بابا عمرو الحمصي وذبحوا ٩٠ عائلة بنفس الطريقة الهمجية.
بعد ١٣ يوما من مجزرة بابا عمرو، تكررت الحادثة بنفس المجرم ونفس الضحايا في أحياء كرم الزيتون وعشيرة الحمصيين، لكن هذه المرة كان الأسلوب مختلفا، فقد حرقت قوات النظام جثث ال ٦٠ شخصا الذين قتلوهم ذبحا بالسكاكين.
بعد مجزرة تلدو، تكررت المجزرة أيضا في السادس من حزيران من العام نفسه في قرية القبير بريف حماة الجنوبي، أحصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ٥٠ قتيلا بينما بلغ العدد حسب ناشطين ضعف ذلك.

وفي حديثه لموقع تلفزيون سوريا، يرى الناشط السياسي والإعلامي خالد أبو صلاح والذي شهد على معظم مجازر النظام في حمص، أنّ هذه السلسلة من المجازر ممنهجة بهدف بث الرعب في قلوب السوريين الذين كانوا في أوج انتفاضتهم، ودفعهم للتهجير، في حمص تحديدا.
وأوضح أبو صلاح أن في تلك الفترة لم يكن هنالك تنظيمات جهادية على الإطلاق كي يلقي النظام بالتهمة عليهم، حتى إن المجموعات التي حملت السلاح حينها كانت في بدايتها.
ويريد النظام، بجسب أبو صلاح، من هذه الأفعال أيضا أن يوصل رسالة لمؤيديه بأنني أستطيع أن أفعل ما أريد بالطريقة التي أريد، دون أن يحاسبني أحد، خاصة وأن مجزرة الحولة وقعت أثناء وجود المراقبين الدوليين في المنطقة.

ما زالت مستمرة..

كوّنت هذه المجزرة المروعة انطباعاً شاملاً لدى أهالي القرى والمدن السنية بريف حمص الشمالي، بأنه لا بديل عن حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، ومع مرور السنوات شهدت المنطقة معارك عدة، لحين استقرت خريطة السيطرة وبات ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي محاصراً بالكامل.

منتصف شهر أيار من العام الماضي، أعلنت قوات "نظام الأسد" السيطرة - بشكل كامل - على ما تبقى مِن ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، بعد خروج آخر دفعة مِن المهجّرين، ضمن اتفاق "تهجير" فرضه النظام وروسيا على "لجنة التفاوض عن شمال حمص وجنوب حماة"، جاءت بعد حملة عسكرية "شرسة" على المنطقة.

وجاءت حملة "نظام الأسد" المسعورة على ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي - التي تخلّلها قصف بمختلف أنواع الأسلحة -، رغم سريان اتفاق "تخفيف التصعيد" الذي أعلنته روسيا في المنطقة مطلع شهر آب عام 2017.

ووصل آلاف المهجّرين من مدن وبلدات شمال حمص وجنوب حماة، إلى الشمال السوري (شمال وشرق حلب، محافظة إدلب) بعد توصل "هيئة التفاوض" عن الريفين و"الوفد الروسي" إلى اتفاق ينصّ على إيقاف إطلاق النار وتهجير الرافضين لـ "التسوية" مع قوات النظام، بعد تسليم الفصائل العسكرية سلاحها الثقيل والمتوسط.

 

 

مجزرة الحولة عام 2012، خلقت في تصوّر الأهالي حقيقة مسلمة بأنه من الممكن أن تتكرّر المجزرة، وجاءت الشروط التي فرضتها روسيا على أهل المنطقة وأبرزها أن تسلم الفصائل سلاحها، كي لا تترك مجالاً للأهالي بالبقاء في قراهم، ليكون قرار النزوح إلى الشمال الخيار الوحيد المتبقي لديهم.

الآن وكما كل المناطق التي هجّرها النظام وروسيا وإيران قسرياً، يعيش من نجا من مجزرة الحولة، ومجازر أخرى -وإن اختلف السلاح المستعمل-؛ في ظروف إنسانية قاهرة، ذاقوا فيها برد الشتاء القارص الذي استقبلهم فور وصولهم إلى الشمالي السوري، ومن ثم سيول الأمطار التي استمرت أياماً في المنطقة، وجرفت كل ما لديهم. كل ما لديهم هو خيمة ولباس وسلة إغاثية لا تسمن ولا تغني من جوع.. وهكذا تكون المجزرة مستمرة.

 

 

شارك برأيك