icon
التغطية الحية

مجزرةٌ ترفض أن تصبح ذكرى.. 13 عاماً في قبو "آب" المظلم

2026.09.11 | 06:42 دمشق

آخر تحديث: 2026.09.11 | 06:45 دمشق

أكفان رمزية تستعيد ذكرى ضحايا مجزرة الكيماوي في الغوطة داخل مستشفى كفر بطنا (رويترز)
أكفان رمزية تستعيد ذكرى ضحايا مجزرة الكيماوي في الغوطة داخل مستشفى كفر بطنا (رويترز)
إسطنبول - حسام صفصف
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- التجربة الشخصية والذاكرة المؤلمة: يصف الكاتب معاناته مع ذكرى مجزرة الكيماوي، حيث فقد صوته وعجز عن التعبير، ويكتب عن الأحداث رغم الألم المستمر.

- التواصل مع الناجين الآخرين: يتحدث عن تواصله مع "عامر الشامي"، وكيف يحاول الناجون الهروب من الذكريات عبر العمل، مشيراً إلى أن الألم المشترك يشكل لغة خاصة.

- التفسير الطبي للصدمة والذاكرة: يوضح الكاتب من خلال الطبيب إسماعيل الزلق أن الصدمة تؤدي إلى "التجمد"، وأن الذكريات الصادمة تُخزن كألغام، مؤكداً أن الأعراض دليل على إنسانية الناجين.

حتى كتابة هذه السطور، كانت معركةً بحد ذاتها. لأكثر من أسبوع، بقيتُ أراوغ الفكرة؛ أفتح باب الذاكرة مواربةً ثم ألوذ بالفرار، باحثاً عن أي ذريعة تقصيني عن تفاصيل أعرف يقيناً إلى أي هاوية وتجرني. ولعل هذا الرعب الخفي هو ما أرجأ خروج هذا النص إلى النور حتى اللحظة.

وقفتُ عاجزاً حتى عن التواصل مع رفاق قاسموني جحيم ذلك اليوم. كيف تنكأ جرحاً تعرف أنه لم يبرأ قط؟ وكيف تطلب من أحدهم أن يشرع باباً أمضى سنوات يستميت لإبقائه موصداً؟ كنت أكتب السؤال ثم أمحوه، لا جهلاً بما سأسأل عنه، بل لمعرفتي العميقة بحجم الخراب الذي سيوقظه تلك الحروف في دواخلهم، وفي داخلي.

 لكن وحشاً آخر كان يتربص بي، أشد فتكاً من ألم التذكر: رعبُ الصمت. خشيتُ أن نطيل الصمت إلى الحد الذي يغدو فيه النسيان هو الرواية الوحيدة المتبقية. فالزمن، مهما تظاهر بالرحمة، قادرٌ على طمس الملامح؛ ابتلاع الأصوات، الروائح، الوجوه، وتلك التفاصيل الصغيرة الدامية التي لا تكترث لها لغة الأرقام ولا تحفظها التقارير الرسمية. إن لم ننطق نحن بما تبقى فينا، سيأتي يوم تستحيل فيه المجزرة مجرد حبرٍ بارد على ورق التاريخ، في حين يندثر أثرها الحقيقي في أرواح من عاشوها.

من جوف هذا الخوف، قررتُ أن أكتب. لا لأنني نجوت من ذلك اليوم وتجاوزته، بل على العكس تماماً.. لأنني لم أتجاوز بعد.

شاهدٌ منزوع الشهادة

 فقد مرت أيام قلائل على ذكرى الكيماوي، وانطوت ثلاثة عشر عاماً على ذلك اليوم الذي وقفت فيه شاهداً منزوع الشهادة. منذ اندلاع الثورة، كنت ذلك الصوت الذي يحمل أوجاع الناس إلى العالم؛ أهتف بصراخهم، وأنقل استغاثتهم وذعرهم . لكنني، وفي ذلك الصباح تحديداً، ووسط ذلك الضجيج الماحق، فقدت صوتي.. أنا.

كنت هناك؛ سيارات الإسعاف تنهش الطريق، الناس تصرخ، الأمهات يندبن، والاستغاثات تتقاطع في كل اتجاه كشظايا. وقد وقفتُ أنا مسلوب الصوت، مقطوع الدمع، ومجرداً من أي ردة فعل. كأن جسدي تسمّر في مسرح الكارثة، في حين انسحبت روحي لتراقب الموت من سديم بعيد.

حينها، توهمتُ في جمودي شجاعة. قلتُ في سري: "أنت رجل، والرجل لا ينحني.. لا تبكِ". كنت أبصر من حولي يتساقطون انهياراً، في حين بقيت واقفاً كجذع يابس؛ لم تخنّي دمعة، ولم تفلت مني صرخة. خلتُ، في غمرة الجهل، أن تلك القسوة الباردة صلابة، وأن العجز عن ذرف الدمع ضربٌ من البطولة.

قبو "آب" المظلم

ثم تمضي الأشهر، أو هكذا أوهم نفسي، حتى ينتصف "آب". هناك يبدأ كل شيء من جديد. لا أستعيد الذكرى، بل تستعيدني هي. يعود السمع الذي فقدته يومها، كأن سلكاً انقطع منذ ثلاثة عشر عاماً، ثم عاد ليلتحم فجأة، وعلى الطرف الآخر يتردد الصدى ذاته: حشرجة الضحايا، صفارات الإسعاف، نحيب الأمهات، ومناشدات لم تجد من يلبيها.

لا تعود الأصوات يتيمة؛ يعود معها الطنين، وارتجاف الأطراف، وتلك الرائحة القابضة للخل والبصل. يعود الزمان والمكان، لا كذكرى باهتة، بل كواقعٍ أقف في منتصفه الآن.

هنا فقط تتكشف لي الحقيقة: لم أكن يوماً ذلك الصنديد الذي تخيلته. لم أكن أقوى من الدموع، بل كنت أضعف من أن أذرفها. أدركت حينها: "أن ما لم أبكه يومها، ظلّ محفوظاً في قبوٍ مظلمٍ داخلي، ينتظر آب من كل عام، كي يعود ويطالبني به".

لغة الندوب المشتركة

"أهلاً وسيمو.. ما بعرف شو قلك.. نسيان كل شي، مبلك على مشاعري هالأيام".

بهذه الكلمات المنهكة، والعارية من أي ادعاء، استقبلني "عامر الشامي"، مصور وكالة "فرانس برس". الشاهد الذي حفظت عدسته ما عجز القلب عن احتماله، والرجل الذي حمل في صدره من ذلك الصباح ما حملته أنا، وإن تباعدت بنا القارات.

إليه تحديداً يمّمتُ وجهي حين انفرد بي قبو "آب" المظلم، وبدأ شكٌّ قاسٍ ينهشني: "هل أنا وحدي من يعاني هذا العطب؟ هل عجزي عن النسيان دليلٌ على هشاشتي في حين مضى الآخرون وتجاوزوا؟ أم أننا جميعاً نتقاسم هذا الخراب في السر، وندّعي النجاة؟".

مدفوعاً بهذا الرعب، فتشت عن عامر. لم يكن بيني وبينه بحر يُعبر، بل ثلاثة عشر عاماً كان يُفترض أن تفصلنا عن ذلك اليوم. لكن بعض الأيام لا تمضي، بل تمضي بنا؛ تقتلعنا من جذورنا لتهاجر معنا حيث ارتحلنا. كان عامر يقيم في الضفة الأخرى من العالم، لكن عدسته بقيت هناك، تماماً كما بقيت عيناي. اختلفت الجغرافيا والوجوه، إلا أن اللغة التي حفرها ذلك الصباح في أرواحنا بقيت واحدة؛ لغة لا تُكتب بالحروف، بل بالندوب.

حين راسلته، لم أكن أبعث برسالة لزميل قديم، بل كنت ألقي بحجر في بئر أعرف عمقها؛ لأنني سقطت فيها يوماً، وسقط معي. لم أسأله ماذا يتذكر، بل كنت أبحث عن إجابة لسؤالي الأشد قسوة: "هل يداوي الزمن الذاكرة، أم يعلّمها فقط كيف تخفي ألمها؟".

الفراغ.. وحيلة المنهكين

لم يحدّثني عامر عن المجزرة، بل حدّثني عن الحياة التي يحاول افتعالها فوق أنقاضها. أخبرني كيف يثقل جسده بالعمل حتى ينهار، لأن النوم لا يأتيه إلا مسبوقاً بالهزيمة الجسدية، هرباً من صدمات الماضي. قال لي بوضوح موجع: "مجرد يصير عندي وقت، برجع بحزن بشكل فظيع".

عندها أدركت أن أكثر ما يخشاه الناجون ليس الذكرى، بل "الفراغ" الذي يشرع لها الأبواب. اختلفت تفاصيلنا، لكن الحيلة واحدة: أن تستهلك يومك بالكامل، كي لا يتبقى للذاكرة مقعد فارغ في آخر الليل.

في ختام حديثنا، كتب لي عامر: "بتحب نحكي تلفون أحسن يمكن؟".

أجبته بأنني سأتصل به المساء. لكن المساء جاء، وانقضى، ولم أتصل. وللمرة الأولى أعترف بذلك. لم يمنعني ضيق الوقت، ولم تشغلني الحياة، بل منعني الرعب. خفت أن تتحول تلك المكالمة إلى باب يُفتح دفعة واحدة على جحيم قضينا ثلاثة عشر عاماً نوهم أنفسنا أنه أصبح ماضياً.

ولعله هو الآخر كان يحمل الخوف ذاته؛ فبعض المكالمات لا تبدأ برنين الهاتف، بل تبدأ حين تستيقظ الذاكرة وتستردنا بالكامل.

وهكذا، أعود إلى خوفي الأول، وإلى قبو "آب" المظلم، متيقناً أنه لا بطولة في الصمت، ولا نجاة في الهرب، بل هي مجرد محاولة متعثرة.. لعيش يومٍ إضافي.

جمرةٌ تحت الرماد

في تلك الحياة التي تستمر في ظاهرها، في حين يربض شيء من ذلك الصباح في قاع الجسد؛ يتوارى لسنوات، ثم يطفو فجأة في أكثر المواضع خصوصية وأشدها وجعاً.

مع عامر، كان الوجع يُسَكَّن بالتعب؛ نهرب منه إلى العمل، ونستنزف أجسادنا حتى لا نترك في آخر الليل متسعاً لذاكرة أخرى. أما الوجهة نحو "أنس الخولي"، أحد أبرز ناشطي الغوطة وصاحب البشاشة التي طالما قاومت قسوة السنوات، فكانت انحداراً نحو طبقة أخرى، أشد قسوة، من المأساة.

كان أنس يومها في قلب الجحيم؛ شاهداً، وموثقاً، ومشاركاً في الإسعاف. يجري بين المصابين كما جرى كثيرون منا، لا يملك ترف التوقف ليسأل جسده عمّا ألمّ به. في تلك الساعات المكتظة بالهلع، لم يكن ثمة متسع للألم الفردي؛ كان الموت أضخم من أن يترك لأحدنا فسحة ليتفقد نفسه. نُسعف الأول، نحمله، نبحث له عن رمق، ثم نمضي لاهثين إلى الذي يليه.

غير أن لبعض الإصابات صمتاً مرعباً؛ لا ترفع صوتها ساعة وقوعها. بعضها يخرس تماماً. يختبئ في خلايا الجسد، كما تختبئ جمرةٌ خبيثة تحت الرماد، حتى يجيء زمن آخر، ومشهد آخر، وحياة أخرى، فيكتشف الإنسان أن ما توهم انقضاءه.. لم ينقضِ أبداً.

الزمن العاجز

بحسب ما عرفته من أنس عن رحلته الطبية، فإن سموم ذلك الصباح لم تُقرأ كاملة يوم المجزرة، بل تكشفت تبعاتها لاحقاً في صميم حياته الأسرية. ارتبطت، وفق ما نُقل له طبياً، بمشكلات طالت الإنجاب، ثم امتدت لتطول صحة أحد أطفاله.

من هنا، بدأت رحلة من نوع آخر؛ لم تعد فيها المجزرة صورةً حبيسة في الذاكرة، بل غدت مواعيد أطباء، وفحوصات مخبرية، وأسئلة لا تنتهي، وانتقالاً إلى قارة أخرى بحثاً عن ترياق لطفل لا ذنب له في صباحٍ كارثي سبق مولده بسنوات.

هنا، يصبح الزمن نفسه عاجزاً عن أداء وظيفته في النسيان.

نحن نقيس المسافة عن المجزرة بثلاثة عشر عاماً، لكن بأي مقياس زمني يقيسها أبٌ يحمل طفله إلى غرفة العلاج، ليسمع بين جدرانها صدى يومٍ ظن أنه تركه خلفه؟

أنا وعامر قد نفلح، ولو مؤقتاً، في خداع الذاكرة. نغرق في العمل، نُنهك الجسد، ونُطيل نهارنا حتى يسقط الليل علينا كجثة هامدة من فرط التعب. أما أنس، فكان يحمل إنذاراً من نوع آخر؛ إنذاراً لا يحتاج إلى "آب" كي يستيقظ، ولا إلى ذكرى سنوية كي يقرع الباب. لقد امتد أثر ذلك اليوم عنده إلى الحياة التي نبتت بعده.

وهنا تجلى لي الفارق مرعباً: بالنسبة لبعضنا، كانت المجزرة يوماً نعود إليه. أما بالنسبة لأنس، فكانت في جانب من حياته، يوماً لا ينفك يجيء إليه.

شهادة الصمت

أرسلتُ إليه الأسئلة ذاتها التي أعددتها لهذه المادة. أسئلة أدرك يقيناً أن وراء كل واحدة منها باباً موصداً على الخراب، وأعرف شيئاً مما يقبع خلف تلك الأبواب. انتظرت إجابته طويلاً.. ولم تأتِ.

ولم أعد إليه بالسؤال.

كان بوسعي أن أكتب: "أنس، هل قرأت رسالتي؟" أو أن أتصل به، أو أُلحّ عليه كما يفعل أي صحفي ينتظر شهادة تسند نصه. لكنني عجزت. لم يكن ذلك تقليلاً من شأن شهادته، بل ربما كانت الأثقل والأكثر إيلاماً بين كل ما كنت أبحث عنه. لكنني شعرت، للمرة الثانية خلال كتابة هذا النص، أنني أقف أمام إنسان، وأطلب منه أن يشرط جرحاً أعرف موضعه قبل أن يدلني عليه.

وأنا، الذي أحفظ تفاصيل رحلته، كيف لي أن أطلب منه أن يرتب ألمه في إجابات منسقة؟

كيف أسأله: "ماذا بقي معك من ذلك اليوم؟" وأنا أعرف أن بعض ما بقي معه لم يسكن ذاكرته وحدها، بل سكن دمه؟

كيف أسأله: "هل تعود المجزرة إليك في آب؟" في حين تحمل تفاصيل حياته آثاراً لم تنتظر "آب" أصلاً لتظهر؟

لهذا، بقيت رسالتي معلقة في مكانها، وبقي صمته النبيل في مكانه أيضاً. وللمرة الثانية، وجدت نفسي أمام شهادة لم تُنطق، لكنها كانت حاضرة بكامل ثقلها.

ربما كان هذا الصمت هو الشهادة الأبلغ. فثمة مآسٍ نستطيع أن نرويها بعد سنوات، وثمة مآسٍ تستمر في رواية نفسها داخل حياة أصحابها، من دون أن تتوسل الكلمات.

وعند أنس تحديداً، بدا لي أن السؤال لم يعد: كيف يتذكر الإنسان المجزرة بعد ثلاثة عشر عاماً؟ بل صار: "ماذا لو لم تمنحه المجزرة فرصةً كي تصبح ذكرى من الأساس؟".

تشريح الخراب.. حين يُسمّي الطب أوجاعنا

 أمام هذا الثقل الذي نتقاسمه في السر، كان لا بد من البحث عن تفسير. هل نحن مرضى بالذاكرة؟ أم أن ما عشناه أكبر من قدرة العقل على ابتلاعه؟ حملتُ هذه الأسئلة المنهكة إلى الطبيب والمعالج النفسي، إسماعيل الزلق، لعله يملك في قواميس الطب اسماً لهذا الخراب.

وحين بدأ الحديث، شعرتُ وكأنه يقرأ من كتابِ أرواحنا المفتوح؛ يفسر صمتي، ويشرح هرب عامر، ويضع يده على جمرة أنس الخفية.

بالنسبة لذلك الصباح الذي فقدتُ فيه صوتي وعجزت عن البكاء، ينسف الطب كل أوهامي حول "البطولة" و"الصلابة". يسمي الدكتور الزلق تلك الحالة بـ "التجمد" أو "الانفصال عن الواقع". فالإنسان أمام هول الصدمة قد يواجه، أو يهرب، أو يتجمد تماماً؛ يقف مسمّراً بلا أي انفعال أو سلوك حركي. لم تكن قسوةً مني إذن.. بل كانت لحظة انقطاعٍ في تيار الروح حين تجاوز الألم قدرة الجسد على احتماله. واليوم، يؤكد الطبيب أن أولى خطوات النجاة هي التوقف عن جلد الذات، وأن أسمح لنفسي بالتصالح مع عجزي يومها، ومع حزني اليوم.

فخ النجاة.. ومسكنات التعب

أما عامر، الذي يجلد جسده بالعمل هرباً من الفراغ، فقد وضع الدكتور الزلق يده على جرحه بدقةٍ جارحة. هذا الانهماك المحموم، وادعاء القوة، ومحاولة إنقاذ الجميع، ليس سوى "آلية تكيفية سلبية" يتوسلها العقل الباطن للهروب من مواجهة الصدمة.

يغوص الطبيب أعمق، ليسمي هذا الهروب بـ "عقدة الناجي". نحن نُثقل كواهلنا بالتعب إحساساً بالذنب لأننا بقينا على قيد الحياة في حين ابتلع الموت الآخرين. نحاول، بلا وعي، دفع ضريبة بقائنا، متناسين الحقيقة الأهم: أننا مجرد ناجين، وأن هناك "مجرماً" واحداً هو المسؤول عن قتل من رحلوا، وليس نجاتنا هي السبب. وهذا الهروب المستمر نحو العمل، كما يحذر الزلق، هو قنبلة موقوتة لن تنفجر إلا على شكل احتراق نفسي، واكتئاب، واضطرابات جسدية مبهمة، حين ينهار الجسد الذي استُنزف حتى آخر قطرة.

الذاكرة الملغمة.. اضطراب الشدة المتأخر

وهنا نصل إلى التفسير الأشد رعباً، التفسير الذي يبرر لماذا يعود كل شيء في "آب"، ولماذا تستمر آثار المجزرة في جسد أنس.

يؤكد الدكتور الزلق أن الدماغ البشري يمتلك طريقة مغايرة تماماً في تخزين "الذكريات الصادمة". هي لا تُعالج كأحداث الماضي، بل تُحفظ كألغام قابلة للانفجار. في كثير من الأحيان، وكما هو موثق طبياً، قد تتأخر أعراض "اضطراب كرب ما بعد الصدمة" (PTSD) لسنوات. تختبئ، تكمن في الظلام، ثم تستيقظ فجأة بفعل محفزٍ ما؛ قد يكون ذكرى سنوية، أو رائحة عابرة، أو صوتاً عالياً، أو حتى ضغوطاً حياتية لا علاقة لها بالحدث الأصلي.

عندها، لا يتذكر الإنسان الحدث، بل "يعيد معايشته". يعود كما وصفتُه تماماً؛ جاهزاً للأسوأ، مستنفراً، يعيش الرعب ذاته، ويشم الرائحة ذاتها، وكأن الكارثة تقع الآن من جديد.

وهكذا، يمنح الطب أسماءً علمية دقيقة لما نكابده. لكن، ورغم قسوة التشخيص، كان فيه شيء من المواساة. لقد أخبرنا الطب، بطريقته الباردة والمحايدة، أننا لسنا مجانين، وأن عجزنا عن النسيان ليس ضعفاً. بل هو الدليل القاطع على أننا بشرٌ أسوياء، نردّ نيابةً عن هذا العالم بأسره.. على حدثٍ في غاية الجنون.