icon
التغطية الحية

مجالس الأعمال المشتركة... كيف يمكن أن تؤثر على الاقتصاد السوري؟

2025.11.26 | 07:46 دمشق

آخر تحديث: 26.11.2025 | 07:51 دمشق

الرئيس أحمد الشرع في لقاء مع رئيس مجلس الأعمال السعودي-السوري محمد أبو نيان بحضور وزراء الخارجية والاقتصاد والمالية، الرياض، 29 تشرين الأول 2025 (الخارجية السورية ـ تلغرام)
الرئيس أحمد الشرع في لقاء مع رئيس مجلس الأعمال السعودي-السوري محمد أبو نيان بحضور وزراء الخارجية والاقتصاد والمالية، الرياض، 29 تشرين الأول 2025 (الخارجية السورية ـ تلغرام)
تلفزيون سوريا - عبد العظيم المغربل
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- بعد سقوط نظام الأسد، واجهت سوريا تحديات في إعادة بناء اقتصادها، حيث تم حلّ مجالس الأعمال السورية المشتركة لإعادة صياغة القواعد الاقتصادية بشكل أكثر عدالة وشفافية.
- تأسست مجالس أعمال جديدة مع دول مثل السعودية وتركيا وكندا والصين، بهدف تعزيز التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، مع نظام موحّد يحدد طبيعتها القانونية وكيفية اختيار أعضائها.
- لتحقيق الأثر الفعلي، يجب توافر الحوكمة الشفافة والتكامل مع السياسات الوطنية، وإشراك الجاليات السورية ورأس المال المغترب لجذب الاستثمارات وتنشيط التجارة.

شكّل سقوط نظام الأسد لحظةً مفصلية في التاريخ السياسي والاقتصادي لسوريا، ليس فقط لأنه أنهى حقبة من الاستبداد، بل لأنه فتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف يمكن إعادة بناء منظومة اقتصادية أُنهكت بالحرب والفساد والاحتكار، وتحويلها إلى اقتصاد أكثر عدالة وشفافية وانفتاحاً؟

في الأسابيع الأولى من بعد السقوط، بدا واضحاً أن التحدي ليس في ضخ أموال جديدة فحسب، بل في تفكيك البُنى المؤسسية التي كرّست لعقود سيطرة أقلية من رجال الأعمال المقرّبين على مفاصل التجارة والاستثمار، وإعادة صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية من جديد.

ضمن هذا السياق، برز قرار الحكومة الانتقالية الصادر عبر وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية آنذاك بحلّ جميع مجالس الأعمال السورية المشتركة مع الدول العربية والأجنبية كأحد أوّل وأهم القرارات ذات الطابع الرمزي والعملي في آن واحد. فهذا القرار لم يتعامل مع مجالس الأعمال بوصفها أطر تعاون اقتصادي محايدة، بل كأدوات ارتبطت في الوعي العام بشبكات النفوذ والمحسوبيات، وباستبعاد كثير من الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين داخل سوريا وخارجها.

ولذلك جاء قرار الحل شاملاً، ليُنهي الدورة القانونية والمالية للمجالس القديمة، ويجمّد أرصدتها، ويفتح الباب أمام إعادة هيكلتها في إطار جديد. ورغم أن التفاصيل الفنية للقرار من رقمٍ وتاريخٍ وصياغة قانونية تخصّصية تُركت للنصوص الرسمية، فإن مضمونه العام كان واضحاً: طيّ صفحة منظومة مجالس الأعمال القديمة بالكامل.

لكن المهم في هذا القرار أنه لم يكن إعلاناً عن موت فكرة مجالس الأعمال، بل تمهيداً لولادة جديدة لها. فسرعان ما أعقب قرار الحل صدور سلسلة من قرارات التأسيس لمجالس أعمال مشتركة بصيغتها الجديدة، مع عدد من الدول العربية والأجنبية، وبالاستناد إلى نظام أساسي موحّد يُعيد تعريف مهام هذه المجالس وطبيعتها وحدود علاقتها بالدولة والقطاع الخاص. هكذا ظهرت مجالس أعمال سورية جديدة مع دول مثل كندا، والسعودية، وتركيا، والصين، والولايات المتحدة، وفرنسا، وغيرها، في محاولة لتحويل هذه الأطر من منصّات نفوذ مغلقة إلى جسور حقيقية للتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار.

أولاً: خريطة مجالس الأعمال الجديدة وأسباب إعادة هيكلتها

بعد سقوط النظام وبداية عمل الحكومة الانتقالية، جاء قرار وزارة الاقتصاد بحلّ مجالس الأعمال السورية المشتركة كأول إشارة عملية إلى أن الدولة لا تريد الاكتفاء بتغيير الأسماء في رأس السلطة، بل تتجه إلى تفكيك البُنى التي شكّلت عماد الاقتصاد السياسي القديم. قرار الحل، بما تضمّنه من إنهاء قانوني ومالي لجميع المجالس القائمة وتحويل أرصدتها إلى حساب خاضع لإشراف الدولة، كان بمنزلة إعلان صريح بأن تلك المجالس لم تعد تُعدّ أدوات صالحة لتمثيل الاقتصاد السوري في الخارج، لأنها كانت مرتبطة في الوعي العام بشبكات احتكار ونفوذ أكثر مما كانت تعبّر عن مجتمع أعمال حقيقي ومتنوّع.

في هذا الإطار يقول الخبير الاقتصادي الدكتور خالد تركاوي: "سابقاً كان دور مجالس الأعمال وجاهي أكثر من كونه دور حقيقي لكون لم تلعب دور حقيقي على أرض الواقع حالياً؛ حيث أنه لم تنشر تقارير أو مؤشرات أهداف وأعمال حقيقية سابقاً". 
لكن هذا القرار لم يُغلق الباب أمام فكرة مجالس الأعمال ذاتها، بل مهّد لإعادة بنائها على أسس جديدة. ففي الأشهر التالية، بدأنا نرى خريطة مختلفة لمجالس الأعمال السورية تتشكّل تدريجياً. على المستوى الإقليمي، أُعيد تأسيس مجالس مع دول الجوار والمحيط العربي، مثل مجلس الأعمال السوري–السعودي، والسوري–التركي، والسوري–الأردني، في محاولة لاستعادة موقع سوريا في شبكة التجارة والاستثمار الإقليمية، وربط إعادة الإعمار بالممرات اللوجستية، وأسواق الخليج، وتركيا، والأردن. وعلى الضفة الأخرى، ظهر جيل جديد من المجالس مع شركاء غربيين كفرنسا وألمانيا وكندا والولايات المتحدة، ومع قوى صاعدة كالصين، بما يعكس توجهاً واضحاً لتنويع الشركاء وعدم حصر علاقات سوريا الاقتصادية بمحاور محدودة كما كان الحال في السابق.

هذه المجالس الجديدة لم تُنشأ بقرارات متفرقة بلا إطار، بل رُبطت بنظام أساسي موحّد ينظّم عمل مجالس الأعمال السورية المشتركة، يحدّد طبيعتها القانونية، وكيفية اختيار أعضائها، ومدة ولايتها، وآليات علاقتها بوزارات الاقتصاد والاستثمار والغرف التجارية. بهذا المعنى، انتقلت المجالس من كونها في كثير من الأحيان "نادياً مغلقاً" لرجال أعمال مقرّبين من السلطة، إلى بنية تخضع لمعايير أكثر وضوحاً وشفافية في التمثيل والإدارة والرقابة.

ومن ناحية أسباب إعادة الهيكلة يمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد متداخلة. أولاً، بُعد سياسي- رمزي يتمثل في قطع الصلة مع نموذج رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، مع الإبقاء على الفكرة ذاتها كأداة من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية. ثانياً، بُعد اقتصادي-عملي يقوم على الحاجة إلى منصّات متخصّصة قادرة على جذب الاستثمارات الخارجية، والتفاوض على الفرص، وتسهيل الشراكات بين الشركات السورية ونظيراتها في الدول الشريكة. وثالثاً، بُعد مؤسسي-حوكمي يطمح إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الطبقات الاقتصادية السورية، وإدخال لاعبين جدد من الداخل والمهجر، بحيث تتحول المجالس إلى شبكة أوسع تمثيلاً وأكثر التصاقاً بمصالح الاقتصاد الوطني، لا بمصالح مجموعة ضيقة مهما كانت قوتها. بهذه الخلفية، يمكن فهم ما سيأتي لاحقاً من تحليل للإطار النظري لمجالس الأعمال، ثم تقييم أثرها الفعلي على مسار تعافي الاقتصاد السوري.

ثانياً: الإطار النظري لمجالس الأعمال

لكي نفهم الدور المتوقع من مجالس الأعمال السورية الجديدة، لا بد أولاً من وضع هذه المجالس في إطارها النظري والعملي العام. فمجلس الأعمال المشترك، في جوهره، هو منصة مؤسسية تجمع ممثلين عن مجتمع الأعمال في بلدين أو أكثر، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما، من تجارة واستثمار وخدمات وتعاون تقني. هو ليس مؤسسة حكومية بالكامل، ولا كياناً خاصاً حراً بلا ضوابط، بل كيان هجين يقف عند تقاطع القطاعين العام والخاص؛ حيث يستند إلى مظلة رسمية تمنحه الاعتراف والقدرة على التواصل مع الحكومات، لكنه يعتمد في فعاليته على دينامية رجال الأعمال وخبراتهم وشبكاتهم.

عند المقارنة مع مؤسسات اقتصادية أخرى، يتبيّن موقع مجالس الأعمال بوضوح أكبر. فالغرف التجارية والصناعية هي مؤسسات تمثيلية واسعة القاعدة داخل كل بلد، تعنى بشؤون أعضائها في السوق المحلي وتنظيم المهن والتنسيق مع الدولة. أما الملحقيات التجارية في السفارات، فهي ذراع رسمية بحتة تعمل وفق أجندة الحكومة وأولوياتها. في المقابل، يأتي مجلس الأعمال المشترك كأداة أكثر تركيزاً ومرونة، فعضويته أقل عدداً وأكثر انتقائية، واهتمامه منصبّ على العلاقة مع بلد محدد أو مجموعة محددة من الدول، مع مساحة أوسع للحركة غير البيروقراطية ولصياغة المبادرات المشتركة بين الشركات من الجانبين.

من الناحية الوظيفية، تؤدي مجالس الأعمال أدواراً يمكن تلخيصها في ثلاث مجموعات أساسية وهي:

  • دور ترويجي–تعريفي يتمثل في تقديم صورة منظمة عن البيئة الاستثمارية والتجارية في كل بلد، وتجميع الفرص في سلاسل واضحة، وترجمتها إلى ملفات قابلة للعرض على المستثمرين والشركاء.
  • دور تواصلي-تيسيري، يقوم على تنظيم لقاءات الأعمال والمنتديات والزيارات المتبادلة، وتوفير قناة مباشرة بين الشركات والجهات الرسمية في كلا البلدين لحل الإشكالات العملية، من إجراءات وترخيص وتمويل، ونقل وتخليص جمركي وغيرها.
  • دور تفاوضي–تمثيلي غير رسمي، حيث يستطيع المجلس أن ينقل للحكومات انطباعات ومطالب مجتمع الأعمال، وأن يسهم في صياغة تفاهمات ثنائية تسهّل التجارة والاستثمار، من دون أن يحل محل القنوات الحكومية الرسمية.

كما يمكن النظر إلى مجالس الأعمال من زاوية تصنيفها إلى مستويات وأنماط مختلفة. فهناك المجالس الثنائية التقليدية التي تربط سوريا بدولة واحدة محددة، مثل المجلس السوري–السعودي أو السوري–الفرنسي، وهذه تركّز على تعميق العلاقة مع شريك بعينه. وهناك إمكانية لتطوير صيغ أوسع مستقبلاً، كأن تتشكل مجالس إقليمية أو متعددة الأطراف تربط سوريا بمجموعة من الدول ضمن إطار واحد (مجلس سوري–أوروبي، أو سوري–آسيوي مثلاً)، بما يسمح بالتعامل مع كتل اقتصادية كبرى. وداخل كل مجلس ثنائي أو إقليمي، يمكن أن تنشأ لجان قطاعية متخصصة في مجالات بعينها، كقطاع الطاقة، أو الزراعة، أو التكنولوجيا، أو الخدمات المالية، بحيث لا تبقى العلاقة الاقتصادية في مستوى العموميات، بل تُدار وفق احتياجات كل قطاع وفرصه.

انطلاقاً من هذا الإطار النظري، يتضح أن مجالس الأعمال لا تعتبر مجرد واجهات بروتوكولية أو عناوين عامة في نشرات الأخبار، بل يمكن - إذا صممت وأديرت بشكل سليم – أن تتحول إلى أدوات عملية مؤثرة في رسم ملامح السياسة الاقتصادية الخارجية لسوريا، وفي إعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي والدولي. وهذه النقطة بالتحديد هي ما يجعل تقييم أثر هذه المجالس على الاقتصاد السوري، في المرحلة الراهنة، مسألة محورية سننتقل إليها في المحور الثالث من هذا المقال.

يضيف الدكتور خالد التركاوي: "تحتاج المجالس الحالية لحوكمة احترافية بأن يكون لها أمانة عامة وهذه الأمانة تعمل على مخطط للمجالس ووضع مؤشرات للنجاح لمعرفة حجم الاستثمارات أو التجارة التي جذبتها هذه المجالس إضافة لعدد الفعاليات والمعارض التي قامت بها والتوسيع في عدد المنضمين إلى هذه المجالس بحيث تؤثر فعلياً في البلد".

ثالثاً: أثر مجالس الأعمال على الاقتصاد السوري

أثر مجالس الأعمال في الاقتصاد السوري يمكن اختصاره في ثلاثة مسارات رئيسية، وهي الاستثمار، والتجارة، وإعادة الإعمار بما يرافقها من فرص عمل ونقل للمعرفة. على مستوى الاستثمار، تشكّل هذه المجالس بوابة منظَّمة بين رأس المال الأجنبي والبيئة الاقتصادية في سوريا، فهي تقلّل فجوة عدم اليقين لدى المستثمر، عبر تقديم معلومات أوضح عن القوانين والفرص والشركاء المحليين، وعبر تنظيم لقاءات الأعمال والمنتديات التي تتحول فيها المشاريع من أفكار عامة إلى ملفات جاهزة للتفاوض والتنفيذ. وكلما كانت المجالس أكثر مهنية وفاعلية، زادت قدرتها على تحويل الاهتمام النظري بسوريا إلى تعاقدات واستثمارات فعلية.

في التجارة الخارجية، تساعد مجالس الأعمال على تسهيل دخول السلع والخدمات السورية إلى أسواق الدول الشريكة، من خلال تيسير التواصل بين المصدّرين والمستوردين، ورفع المشكلات الإجرائية والجمركية إلى الجهات الرسمية في البلدين، والدفع نحو حلول عملية كتسهيل التأشيرات، وتنظيم المعارض، وتشجيع اتفاقيات ثنائية تخفف العوائق أمام بعض القطاعات. وهذا الدور ينعكس مباشرة على تنويع الأسواق وزيادة الصادرات، وهو أمر حيوي لاقتصاد يسعى للخروج من أزمته وتقليل اعتماده على عدد محدود من المنافذ.

أما في ملف إعادة الإعمار، فإن القيمة المضافة لمجالس الأعمال تظهر في قدرتها على بناء شراكات متوازنة بين الشركات السورية والأجنبية في مشاريع البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والخدمات. فبدلاً من عقود عابرة ومجزأة، يمكن للمجالس أن تسهم في هندسة مشاريع مشتركة طويلة الأمد، وتنسيق احتياجات الدولة مع عروض الشركات، وربط التمويل بالتنفيذ والتشغيل، ومع كل مشروع من هذا النوع تتولد فرص عمل جديدة، وتتدفق تقنيات وخبرات إدارية حديثة إلى السوق السورية. وعندما تُحسن هذه المجالس استثمار علاقاتها مع الدول الأكثر تقدماً، يمكن أن تتحول إلى قناة مهمة لنقل المعرفة والتكنولوجيا، لا إلى مجرد وسيط تجاري، وبذلك يصبح تأثيرها جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري نفسه، لا مجرد إضافة هامشية لأرقامه.

رابعاً: شروط تفعيل مجالس الأعمال وتحقيق الاستفادة الكبرى

حتى تؤدي مجالس الأعمال السورية دوراً حقيقياً يتناسب مع حجم التحديات، لا يكفي وجودها شكلياً أو صدور قرارات بتأسيسها، بل لا بد من توافر مجموعة من الشروط العملية. في المقدمة يأتي شرط الحوكمة والشفافية؛ إذ يجب أن تُبنى هذه المجالس على معايير واضحة للعضوية، تقوم على الكفاءة والخبرة والسمعة المهنية، لا على القرب السياسي أو الشخصي. كما ينبغي إعلان تركيبة كل مجلس، ومهامه، ومدد دوراته، ونشر تقارير دورية عن نشاطه ونتائجه تتضمن حجم الاستثمارات التي ساهم في جذبها، الصفقات أو الشراكات التي رعاها، والملفات التي عمل عليها مع الشريك الخارجي. من دون هذا الحد الأدنى من الشفافية، ستجد المجالس نفسها تعيد إنتاج صورة "نادي المصالح الضيق"، ولو بأسماء جديدة.

الشرط الثاني هو التكامل مع السياسات الاقتصادية العامة للدولة، لا العمل في جزر معزولة.

فمجلس الأعمال لا يجب أن يتحرك وفق أجندة أعضائه فقط، بل ضمن رؤية وطنية واضحة للاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار، وهذا يعني وجود قنوات تنسيق منتظمة بين المجالس ووزارة الاقتصاد، وهيئات الاستثمار، والوزارات القطاعية، بحيث تتحول المجالس إلى أذرع تنفيذية وميدانية لهذه السياسات في علاقاتها مع الدول الشريكة. كما يفترض أن تُربط أولويات كل مجلس بميزات الشريك: فمجلس مع دولة تملك تفوقاً تقنياً يجب أن يركز على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، في حين مجلس مع دولة خليجية مثلاً قد يميل أكثر إلى تعبئة التمويل والاستثمار طويل الأجل.

أما الشرط الثالث فيتعلق بتوسيع قاعدة الاستفادة، عبر إشراك الجاليات السورية ورأس المال المغترب، وبناء قدرات مؤسسية حقيقية داخل المجالس.

فمن جهة، تمتلك الجاليات خبرة وسوقاً وعلاقات يمكن أن تجعل مجالس الأعمال جسراً بين الداخل والخارج، إذا أُعطيت مساحة منظمة للمشاركة في اللجان والبرامج. ومن جهة أخرى، تحتاج المجالس إلى فرق عمل محترفة في إعداد ملفات الفرص الاستثمارية، والتسويق الدولي، وإدارة التفاوض والشراكات، لا أن تبقى مجرد عناوين تُستخدم في المناسبات الرسمية. عند تحقق هذه الشروط مجتمعة - حوكمة شفافة، وتكامل مع السياسات الوطنية، وتوسيع لقاعدة الفاعلين، وبناء للقدرات - يمكن لمجالس الأعمال أن تتحول من إطار شكلي إلى رافعة حقيقية لاستقطاب الاستثمار، وتنشيط التجارة، وتسريع مسار تعافي الاقتصاد السوري.
يضيف التركاوي إلى هذه الفقرة "أنه يجب التركيز على فعالية المجالس عبر وضع هيكلية صحيحة وتضم رجال أعمال بارزين ويمتلكون قدرات واسعة على الوصول لمستثمرين وتجار جدد بما يخدم القطاع الاقتصادي الذي يعملون به، وأن لا تكون هذه المجالس للاستثمار الشخص بل لفائدة البلد".
بشكل عام، يعتبر إعادة تأسيس مجالس الأعمال الجديدة خطوة لطيّ نموذج ربط الاقتصاد بشبكات ضيقة من النفوذ، وفتح الباب أمام استخدام مجالس الأعمال كأداة منظمة للدبلوماسية الاقتصادية، وجذب الاستثمار، وتنشيط التجارة، ودعم إعادة الإعمار. وخريطة المجالس الجديدة مع دول عربية وإقليمية وغربية وصاعدة تعكس رغبة واضحة في تنويع الشركاء، وربط سوريا من جديد بالاقتصاد الإقليمي والدولي ضمن إطار مؤسسي أكثر وضوحاً.

مع ذلك، يبقى وزن هذه المجالس الحقيقي مرهوناً بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة عبر جذب استثمارات جديدة، وتنمية الصادرات، وخلق فرص عمل ونقل معرفة، لا مجرد مؤتمرات وتصريحات. وتحقيق ذلك يتطلّب حوكمة شفافة، وعضوية قائمة على الكفاءة، وتكاملاً صريحاً مع السياسات الاقتصادية الوطنية، وانخراطاً فعلياً لرأس المال المحلي والمغترب.