معن البياري
ملامح وجهه الجدية، أقرب إلى العبوس، جمله القصيرة، صوته ذو النبرة العالية، تجعلك لا تخطئه إنْ مررت به، في مكان عام، لا يتحدث إلا وجمله محملة بحماس الرجولة، يقول لك: أتيت إلى دمشق لأدرس عام 1982 وكان الفرع الذي أتيح لي هو الصيدلة، ثم عدت إلى الأردن، ودرست في جامعاتها.
يحدثك عن ذكرياته مع سوريين، ويقول لك أنا بمعنى من المعاني: ابن الثورة السورية، فلسطيني الروح، أردني التشكل، عربي الوجدان.
بجلسة واحدة يكلف عشرين كاتباً للكتابة في منبر العربي الجديد، يعطيهم بطاقته، يهرب من التزامات مع الكُتاب، تحمّله مسؤوليات النشر الثابتة، عمله الطويل في الصحافة جعله يمشي على صراط مستقيم في توصيف الأشخاص، بمن فيهم زملاؤه، فالحياة علمته أن محرر اليوم قد يكون مدير الغد.
لا يريد أن يخسر أو يكسب أحداً، يعرف جيداً المادة التي تخدم منبره، والكاتب الذي لديه نص مختلف، متذمرٌ بدرجة كبيرة بخاصة ممن يراسله عبر الواتساب، قارئٌ مدمن من زمن الشوارب، وهو من أواخر المنتمين إلى زمان الكتاب الورقي.
صحفيٌّ نزق لكنه نزق صاحب المادة المحسوبة الكلمات، يكتب زاويته مرة واحدة، غير أن خبرة أربعين عاماً تمنعه من الوقوع في المنزلقات، تقرأ مادته التي تمشي على أسلاك ما يريد، أو ما يريدون، تريد أن تمسكه فيفلت من بين قوالبك برداء المهنية.
عَلَّمتْ الصحافة "أبا علي" المحافظة على مسافة أمان، غير أن مسافة الأمان تلك تكون طويلة بحيث تبعده عن معن البياري ذاك القديم الذي يعرفه أصدقاء عمان كما يعتب عدد منهم، وهو الذي تشكل في عدد من العواصم العربية صحفياً وإنساناً وكاتباً.
تسأله كيف وجدت دمشق: كأنني عشت فيها زمناً طويلاً، أليفة، ودافئة، يعاملك ناسها كأنك منهم، ويعرفونك إلى تفاصيلهم كأنك تستأنف جلسة الأمس، أحببت دمشق وسأعود إليها كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً.
يعرب العيسى
يأخذ في الأحضان عشرين شخصاً على الأقل يومياً، وفي روايات أخرى عن أصدقاء لا يكرهونه: لا يمكنه العودة إلى البيت من دون أن يحقق ذلك ليحدث زوجته عن أولئك الأشخاص الذين يتعبونه بحبهم ومشاريعهم.
ولو قيل لك: إن روحَ صقر قد تلبست يعرب العيسى لوجدت أن الأمر يدخل في باب المعقول، فتناوله لليوميات السورية تجعله أقرب إلى ذلك.
من الصعب أن تعرف أنه من جذور علوية، لولا أن النظام السابق لم يضطره إلى ذلك للمحافظة على حياته طوراً أو إنقاذ أحد من أصدقائه تارة.
ابن صحراء يحمل ذاكرة بدوي أكل السمن العربي، في معلوماته، وعاش في بادية واضحة لا تشويش فيها، صحفيٌّ بالفطرة، ينقر من أطباق عديدة، فيه روح فارس عشيرة، وزعيم حزب يحب المناصرات و"المناصرين" طبعاً، إيجابيٌّ أكثر من فنجان قهوة بهيل لافت.
مشاريع يعرب لا تنتهي، يجمع فيها الأصدقاء والأحباب، مولدُ أفكار، يحدثك عن "المئذنة البيضاء" كما لو أنها مولود حمله في روحه، يحبُّ دمشق أكثر مما تحبه، يشرِّق خلف الرزق وهو مغرب، فيه كرم عربي، وشهامة لافتة، قد تجده بجانبك كل لحظة، لكن أحياناً لا تجده في لحظة شوق، تتصارع مواهبه فيمشي إلى الأمام ويبقى اسمه يعرب الذي يدندن العتابا، وقد يشغل نفسه أسبوعاً باحثاً عن أصل موال فراتي وكلماته.
لديه قدرة استثنائية على التكيّف من أقصى اليسار إلى أقصى الجنوب، حتى يظن أصدقاء يحبونه أنه ضائع الملامح، يجد في كل شخص ميزة ما؛ يمكنه تكبيرها إلى أقصى حد ممكن ليحبّ من أمامه، ولا يتردد في تعداد صفاتهم السلبية إن اقتضت الجلسة ذلك.
موسوعيٌ في معلوماته، مولعٌ بالحفر في ذكريات الأشخاص والأمكنة كي يشبع فضولاً لا ينتهي داخل نفسه، إذا ما ضاقت به السبل يدفعها إلى الأمام، مشكلته الرئيسية برأيي كثيرين أنه صديق للمترجم الإشكالي ثائر علي ديب.
كوليت بهنا
تقول لك كوليت: حان وقت اللجوء! أريد أن أرتاح، أخذت حصتي من التعب، حين بدأ اللاجئون يعودون من بلاد اللجوء، تلملم صديقة القطط تفاصيلها، حان دوركم، حفظنا ما نستطيع من ذاكرة المدينة، تسألها عن مشروع محدد: تقول لك وجودنا حفظ أشتاتاً من تفاصيل المدينة!
تساوت كثير من الأمكنة عند كوليت، منذ أن رحلت والدتها، تحدثك عن مشاعر قططها الذكور والإناث: لا تختلف طباع القطط عن طباع البشر كثيراً. ولأن لهن مكانة خاصة فمن السهل عليها أن تركب سيارتها فتذهب لإحضار الطعام لهن من لبنان، تنادي قططها وتتحدث معهن بصفتهن بشراً، تشتكي لهن من تفاصيل الحياة، يدور في مناخاتها طيف من خفر وحياء كأنها شخص بلا حياة شخصية، وربما قررت دفنها في عوالم بعيدة هناك، حيث لا أحد.
لا تجد في كوليت ما يستفزك، فقد علمتها الحياة أن التوازن يمكن أن يكون طريقة حياة، تسأل نفسك: هذه المرأة هي ذاتها التي تكتب تلك المشاهد الساخرة، فتجيبك بنبرة صوت لا تتغير: نعم هي ذي أنا!
تحدثك كوليت عن كل تفصيل من تفاصيل منزلها، وعن كل ركن فيه، غير أنها لا بد أن تشير إلى خصوصية إعدادها للقهوة وغليها، وإنْ مرتْ صبية حلوة لا تتردد بالقول: أنت صبية جميلة، ذات حضور جذاب وملامح متناسقة، وتتابع: نحن النساء لا نحب الرجال الوسيمين فحسب بل نحب جمال النساء كذلك.
لطيفةٌ لا تهوى الجعجعة، وإنْ وجدت أن الموقف سيكون فيه مواجهة ووجع رأس تتركه، تحدثك كوليت عن التفاصيل كامرأة سورية وعن الاستغناء كطريقة حياة. تحبُّ الأنوثة ولا تميل لأفكار كثير من النسويات، فيها خلطة حلبية ماردينة ديرية لبنانية، غير أنها أنثى من الشام تحب الدراما، وتكتبها، والمسرح والفن والقصة القصيرة، صحفيةٌ تهوى التقاط زوايها من عالم الحياة اليومية لكن بعد أن تدخلها إلى مختبرها الذاتي وتجاربها القرائية.
خليل صويلح
لو استطعتَ أن تصل إلى الطفل الموجود داخل خليل لأحببته، غير أن دمشق ولسعاتها جعلته يقمع ذلك الطفل طويلاً، لذلك قد يشعر كثيرون أن خليل صويلح عدواني، وربما أهون عليه -كما يقول أحدهم- أن يدفع ثمن الشاي والقهوة من جيبه وينسحب من الجلسة على أن يشيد بكاتب ما.
النزق سمة ملائمة له، وهو الذي يكره أن يحسب على شخص أو تيار أو حزب أو اتجاه، يشعر بحرية أكثر في مقاربة الحياة وظواهرها وكتابة مادته الصحفية إنْ بقي من دون التزامات شخصية.
يرى محبوه أن الستينيات جعلته يخاف أكثر من البرد ويصبح أقل حدة، لكن لا يمكن أن تقول عنه أنه متصالح مع ذاته أو مجتمعه أو ناسه، ولو كان لدينا هواة إطلاق ألقاب على الكتاب لكان أحد ألقابه "اللامنتمي السوري".
قرى الشدادي في الحسكة، تقع في كوكب آخر، حين تسأله عن "هناك" تشعر أنها قرى مرمية على تخوم الصحراء من زمن قديم ولا ترغب بمفارقة قدرها، على العكس منه حيث تكمن فيه رغبة دفينة بمشيخة قبيلة، لكن من دون واجبات الشيخ أو اضطراره لتحمل كل غثيان أبناء القبيلة الذين يجلسون على طاولته في مقهى الروضة، يشتكون من عدم نشر نصوصهم، أو يندبون حظهم العاثر، في المدن التي لا تمنح فرصاً للموهوبين، يريدون مواساة طويلة لا يطيق عليها صبراً وهو الذي يهوى الجمل القصيرة اللاذعة، حيث يعيش الحياة نصاً.
لطيفٌ إنْ ارتاح لك، وما أصعب أن يرتاح خليل إلى شخص. لديه، وفقاً لأحد الذين يجلسون معه بشكل شبه يومي، قدرة استثنائية على التقاط أسوأ ما فيك، ليعرِّف الآخرين بك، لا مشكلة لدى خليل في معاداة أي أحد، عنده قدرة عالية على الاستغناء والبدء من جديد، ذلك تدريب طويل فرضته الحياة في المدن التي لا يوجد فها أصدقاء دائمون.
يمكنك أن تعرف به: روائي وشاعر وصحفي، لكن لن تنسى أنه بات اليوم من أقدم أصدقاء "مقهى الروضة" من الكتاب حيث يسكن بالقرب منها، وربما هو الكائن الوحيد الذي لا يغيب عنها يومياً إن لم يكن مسافراً، وهو الذي ينفر من التنقل والسفر حتى إلى أحياء دمشق المجاورة.
مخلصٌ خليل للنص الذي يكتبه، ويحب أن يعيشه لحظة بلحظة، منذ أن كان "وراقاً للحب"، تساعده مهنية اشتغل عليها طويلاً، وتنقذه حدة طباعه على التقاط المفارقات وتوظيفها في نصه.
لعله من أقرب الكتاب الذين تعبر نصوصهم عن شخصياتهم، وها هو "يختبر الندم" في بلاد دخلها بأحلام كبيرة، وطموحات تغييرية هائلة، وإذ بها تدفعه إلى عزلة شاسعة أقرب ما تكون إلى "عزلة الحلزون" الذي لن يستمر إن لم يجد يوماً ما يكتبه، أو ما يدفعه إلى الكتابة، أو ينقده ويعلق عليه، فالكتابة لديه لسعات كي لا يخلد للنوم الطويل والأصدقاء العابرين.
كيف يستعيد السوريون العمل السياسي الفاعل بعيداً عن البروبوغاندا السياسية؟
عملية ردع اليأس السوري
اتحاد الكتاب العرب في سوريا هل هو نقابة أم مؤسسة ثقافية؟
سوريا الجديدة والحاجة إلى التفكير خارج الصندوق
نحو برنامج للعدالة الانتقالية في اتحاد الكتاب في سوريا