أثارت تصريحات وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، خلال زيارته إلى سوريا يوم الخميس الماضي، والتي أكد فيها أن عودة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى وطنهم المدمّر بشدة ستستغرق وقتاً طويلاً، موجةً من الخلافات الحادة داخل الأوساط السياسية في برلين، امتدت حتى داخل حزبه، الاتحاد المسيحي الديمقراطي.
وخلال زيارته لمدينة حرستا شرقي العاصمة دمشق، التي تعرّضت لدمار كبير في أثناء الحرب، عبّر الوزير عن صدمته قائلاً: "لم أرَ من قبل هذا القدر من الدمار بعينيّ".
وأضاف: "في المدى القصير لا يمكن للاجئين السوريين العودة، فهنا بالكاد يستطيع الناس العيش بكرامة"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.
وأوضح أن الحكومة السورية تُقدّر السوريين الشباب الذين تلقّوا تعليمهم في ألمانيا، إلا أنهم أحرار في اختيار طريقهم، مؤكّداً أن من يندمج في المجتمع الألماني ويعمل يبقى مرحباً به. مشيراً إلى أن وزارته على تواصل مع دمشق بشأن ترحيل مرتكبي الجرائم الخطيرة.
انتقادات من داخل الحزب المحافظ
تصريحات فاديفول أثارت استياءً واضحاً داخل حزبه، فقد اعتبر نائب رئيس الكتلة البرلمانية لـ حزبي "الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والاتحاد الاجتماعي المسيحي"، غونتر كرينغس، أن "التصريح العفوي لوزير الخارجية أُخرج بوضوح من سياقه، إذا أراد البعض منحه أهمية تتعلق بعمليات الترحيل إلى سوريا".
وأضاف كرينغس في حديثه لصحيفة "بيلد"، أنّ العودة إلى سوريا ممكنة في أجزاء واسعة من البلاد، وأن الدمار لا يمكن أن يكون ذريعة لرفض العودة، متسائلاً: "مَن سيعيد بناء بلد مدمّر إذا لم يفعل ذلك مواطنوه؟".
أمّا رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ولاية ساكسونيا-أنهالت ووزير الاقتصاد في الولاية سفين شولتسه، فقال إنّ "الحرب قد انتهت، وأن الوقت حان لوضع استراتيجية عملية لإعادة اللاجئين"، موضحاً أن سوء الظروف المعيشية في سوريا لا يبرر البقاء في ألمانيا.
من جهته، دعا رئيس ديوان المستشارية تورستن فراي إلى التمييز بين فئات اللاجئين والمناطق داخل سوريا، مشيراً إلى أن العيش بكرامة غير مستحيل في كل أنحاء البلاد.
وأوضح أن الحكومة ترغب في استقرار سوريا وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين تدريجياً، بدءاً بمرتكبي الجرائم والأشخاص الخطرين، ثم فئات أخرى لاحقاً.
استياء في صفوف الحليف المسيحي
كذلك، أثارت هذه التصريحات استياءً في صفوف "الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري"، الحليف الأصغر لـ"الحزب المسيحي الديمقراطي"، الذي ينتمي إليه وزير الخارجية، إذ اعتبرها بعضهم إشارة إلى التراجع عن خطط الترحيل التي اتفق عليها الحزبين مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي في اتفاق الائتلاف الحكومي.
ورداً على ذلك، طالب عدد من سياسيي "الاتحاد الاجتماعي المسيحي" بالتحضير لعودة اللاجئين، وقال رئيس الكتلة البرلمانية للحزب في البرلمان الألماني (بوندستاغ)، ألكسندر هوفمان، لصحيفة "بيلد" إنه "من الضروري والصحيح تماماً أن نعمل على اتفاقيات مع سوريا، تتيح في المرحلة الأولى ترحيل مرتكبي الجرائم والأشخاص الخطرين".
وأشار إلى أن اتفاق الائتلاف الحكومي نصّ على هذا الهدف"، كما دعا الأمين العام لـ"حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي" مارتن هوبر إلى وضع "استراتيجية لعودة السوريين"، مبرراً ذلك بأن "الحرب في سوريا قد انتهت".
وزير الداخلية يحسم الموقف
من جانبه، حسم وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت (من الحزب الاجتماعي المسيحي)، الموقف في الجدل الدائر حول إمكانية عودة السوريين إلى وطنهم، بإعلانه الالتزام الصارم باتفاق الائتلاف الحكومي.
وقال دوبريندت، يوم الإثنين، خلال افتتاح مؤتمر البلديات في مدينة مانهايم الألمانية، إنّ "وزارته بصدد التحضير لعمليات الترحيل إلى سوريا"، مضيفاً أن "هذا هو التكليف المنصوص عليه في اتفاق الائتلاف، وأنا أعمل على تنفيذه بدقة".
وبرّر دوبريندت تشديد سياسة الترحيل بالضغوط المتزايدة على البلديات، كما أوضح في مقابلة مع قناة "فيلت" أن "قضية الهجرة غير الشرعية تشكل تحدياً كبيراً".
ولفت إلى أن "البلديات قد وصلت منذ فترة طويلة إلى حدود قدرتها على الاستيعاب، وأن الإرهاق واضح للعيان ليس فقط في الساحات ومحطات القطار، بل خصوصاً في رياض الأطفال والمدارس والسكن والقطاع الصحي".
الاستقرار شرط للعودة
فيما يتعلق بالجدل الداخلي داخل الحزب، وصف الأمين العام لـ"الاتحاد المسيحي الديمقراطي"، كارستن لينيمان، الخلاف بأنه "نزاع وهمي"، وقال في مقابلة مع قناة (ARD) الألمانية، يوم الأحد الفائت، أنّ "دوبرينت وفاديفول متفقان تماماً.. علينا ترحيل مرتكبي الجرائم، هذا أمر بديهي".
وأوضح لينيمان أن ترحيل مرتكبي الجرائم سيُنفذ أولاً، ثم سيتم التعامل مع باقي الحالات حالما يصبح ذلك ممكناً قانونياً"، مردفاً: "سوريا بحاجة إلى الأشخاص الذين فرّوا أثناء الحرب من أجل إعادة إعمار البلاد، وهذا هو الأفضل لسوريا، ولهذا السبب يتفق الجميع على ذلك".
كذلك، صرّح المتحدث باسم الحكومة، شتيفان كورنيليوس، لصحيفة "بيلد" أن الحكومة الاتحادية تعمل على تسريع استقرار سوريا لتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين، مؤكداً أن "الاستقرار والعودة وجهان لعملة واحدة".
وشدّد في الوقت نفسه على أن الحكومة "ترى بوضوح ضرورة ترحيل مرتكبي الجرائم الخطيرة، كما أكد وزير الخارجية ذلك بنفسه في دمشق".
تأييد من الاشتراكيين والخضر
في المقابل، لاقي تصريح فاديفول تأييداً من الجناح اليساري لـ"الحزب الاشتراكي الديمقراطي" الشريك في الائتلاف الحكومي، وقال المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الكتلة البرلمانية للحزب، أديس أحمدوفيتش: إنّ "الكتلة البرلمانية للحزب تتفق مع تقييم وزير الخارجية فاديفول بأنّ الترحيل إلى سوريا في الوقت الحالي ممكن فقط بشكل محدود جداً".
وأوضح لصحيفة "بيلد" أن "الوضع في البلاد لا يزال غير مستقر، وأجزاء واسعة من البنية التحتية مدمّرة، ولا يمكن ضمان حياة آمنة وكريمة لكثيرين هناك"، مضيفاً أنه "في الوقت نفسه، من الواضح بالنسبة للحكومة الاتحادية أنّ مرتكبي الجرائم الخطيرة يجب ترحيلهم، تماماً كما أوضح وزير الخارجية ذلك في دمشق".
وتلقى فاديفول دعماً من حزب "الخضر" المعارض لسياسات الترحيل الجماعي، وقالت النائبة عن الحزب والمتخصصة في الشؤون الداخلية، لميا قدّور في منشور عبر منصة "إكس": "حتى إشعار آخر، لا يمكن تنفيذ عمليات ترحيل جماعية إلى سوريا كما يخطط وزير الداخلية دوبريندت".
وأضافت السياسية الألمانية-السورية، والتي رافقت فاديفول مع الوفد البرلماني إلى سوريا، أنه "بدلاً من السماح لهم بعد سنوات من النفي، وتحمل مخاطر شخصية كبيرة، بزيارة عائلاتهم، ربما ينبغي على وزير الداخلية دوبرينت أن يذهب هو أيضاً ليرى الوضع على الأرض بنفسه، بدلاً من التفكير علناً في رحلات إلى أصدقائه من طالبان في كابول".
{"preview_thumbnail":"/sites/default/files/styles/video_embed_wysiwyg_preview/public/video_thumbnails/O6KvBkdMIh8.jpg?itok=6XLk4Tdc","video_url":"https://www.youtube.com/watch?v=O6KvBkdMIh8","settings":{"responsive":1,"width":"854","height":"480","autoplay":0},"settings_summary":["Embedded Video (Responsive)."]}