متعاطفاً مع المنفي فيكتور هوغو

تاريخ النشر: 25.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 11:27 دمشق

لست روائياً، ولا مسرحياً، ولا حتى شاعراً مثل فيكتور هوغو! ولكنني الآن - مثله - منفي عن وطني بعد أن كنت منفياً فيه، ومشرَّد عنه، بعد أن كنت متشرداً فيه.

وهذا القدر المشترك بيننا يتجاوز كل الاختلافات، ويتيح لي تذوّق تجربة هذا الكاتب الشاعر على نحوٍ أدق وأكبر، فالمنفى لُحمة تجمع بين المنفيين، ورابطة تؤلف بين أفكارهم ورؤاهم، وقنطرة تنتقل من خلالها مشاعرهم وأحاسيسهم من دون حاجة إلى نطق أو كلام.

في بداية رحلة منفاه يسأله ابنه فرانسوي: ما رأيك في هذا المنفى؟

ــ سيطول!

ــ وماذا تنوي أن تعمل؟

ــ سأكتفي بالنظر إلى الأقيانوس.

لكنه حقيقةً لم يكتف بذلك، بل خاض أشرف معاركه لتقويض الديكتاتورية القميئة، وقدّم أنبل رسالاته في تأييد حركات التحرر في كل أنحاء العالم، وناصر وكتب ودافع عن حقوق الإنسان من أقصى الأرض إلى أقصاها، وكان أحد المحركين الأساسيين في العالم لإلغاء عقوبة الإعدام، وقبل كل ذلك أعطى روائعه الأدبية الخالدة، وفي مقدمتها روايته (البؤساء).

هل ينفحنا ذلك، نحن المنفيين المهجرين السوريين، نفحة أمل؟ فنحن ندرك أن منفانا سيطول أيضاً، وقد نقول: إننا سنكتفي بالنظر إلى الأقيانوس أو إلى السهول أو الجبال. ولكن في حقيقة الأمر إنّ فينا من الإمكانات والقوى الكامنة والمودعة ما يؤهلنا لتقديم شيءٍ ما، يُشار إليه بالقيمة والاعتبار، أعلاهما وأوفاهما.

لقد كان متاحاً لعضو مجلس الأمة هوغو أن يغضّ الطرف عن رئيس الجمهورية نابليون الثالث الذي انتُخب رئيساً لفرنسا في 1848م، والذي كانت ستنتهي رئاسته من دون تجديد بعد أربع سنوات، لكنه انقلب على السلطة، وأعلن نفسه إمبراطوراً في كانون الأول من عام 1851م، في ذلك اليوم كان رغد العيش في ذروة ترفه يطأطئ عند عتبة باب هوغو باسطاً ذراعيه بكل تملق، لا ينتظر منه سوى السكوت، لكن صاحب الضمير يأبى عليه عشقه للعدالة إلا الكلام، ولو كانت نهايته الحبس أو المقصلة.

يقف عضو مجلس الأمة، ويلقى أطول خطاب تاريخي له في حياته! يستمر خمس ساعات متواصلة إلى أن ينتهي بالإغماء. يرفض عودة الملكية. يرفض الاستيلاء على السلطة. يرفض مصادرة إرادة الشعب. يدافع عن الانتخاب العام ضد الاستفتاء الشعبي، وعن الشعب ضد الحشود، وعن المجد ضد ذلك الطاغية الفظ، وعن العدالة ضد القاضي، وعن الشعلة ضد النار التي تحرق فيها الأجساد، وعن الله ضد القسيس.

أما المتعطش الصادي إلى السلطة، والذي يعبدها عبادة، فما كان ليسمح بالرفض أوالاعتراض، فيصدر أوامره لاعتقاله وحبسه.

لكنّ هوغو يفرّ إلى بروكسل، وهناك يصدر مباشرة كتابه (نابليون الصغير)، مزدرياً ذلك الديكتاتور القميء الذي أراد أن يقوّض مستقبل بلد بأكمله بعد كل تلك التضحيات التي قدمتها فرنسا على مدى سبعين عاماً، وسرعان ما تطالب السلطة الفرنسية به، فتبعده السلطة البلجيكية إلى جزيرة جرسي البريطانية في بحر المانش، لتبدأ رحلة النفي التي استمرت عشرين عاماً.

أيتها الشعوب: هنالك رجال عليهم اللعنة! إذا وعدوا بالسلام أوفوا بالحرب! 

ومنذ أيام المنفى الأولى يعلن كلمته الشهيرة: "لن أدخل فرنسا حتى يدخلها العدل"، لأنه كان يدرك تماماً أنه بوجود الديكتاتور لن يكون حضن الوطن الأثير سوى خازوق ومذربَّة. ومن أجل أن يحصّن نفسه ضد أشواقه وحنينه يخترع المقولة التالية: "ولما كانت باريس فكرة كما هي مدينة فإنّ لها القدرة على الوجود في أكثر من مكان". ويالهول هذه الجملة التي يمكن أن نستخدمها فنقول بدل باريس: حلب أو دمشق أو حمص أو اللاذقية إلخ.

لم يكن تثبيت سلطان نابليون الثالث موطّأ الأكناف، بل تمّ من خلال السيف والبلطة، والحبل والنطع، والبارود والإعدام بالرصاص، وضروب التعذيب، والرشاوى، وصرر المال، والمناصب، ولو كان عنده براميل أو كيماوي فلربما كان استخدمها أيضاً! ولأن أوروبا كانت تمر بلحظة مشؤومة، ساد فيها الحكم المطلق، كما هو الحال في وطننا العربي اليوم، فقد وجد الديكتاتور القميء كل الدعم من جيرانه، فالتيجان يحنُّ بعضها على بعض، ويسند بعضها بعضاً، وهكذا خلال أعوام قليلة شاهد المنفي انتصار الديكتاتور، كما نشاهد اليوم انتصار ديكتاتورنا، ووثّق تشبيح أزلامه وعبيده وأجرائه، كما يوثّق اليوم. تشبيح واحد، له المنطق ذاته، ولحن القول نفسه. فبعد المجزرة التي سال منها دماء الأبرياء قال دهاة شبيحة الديكتاتور الفرنسي: "إنه كان هناك في الواقع شيء ما، ولكننا نبالغ!! وأن الشيوخ الذين قُتلوا لم يكونوا كلهم من ذوي الشعور البيضاء، وأن النساء اللواتي قُتلن لم يكنّ كلهن حوامل، وأن طفل شارع تيكتون ذا الأعوام السبعة كان في الثامنة من عمره".

نعم لقد انتصر نابليون الثالث، "ولم يكن هنالك نصر أتم من نصره! لقد انتصر على الضمائر"! ولقد ملك كل شيء: "المجد السياسي في شخص السيد روهير، والمجد العسكري في شخص السيد بازين، والمجد الأدبي في شخص السيد نيزار، واحتفت به شخصيات عظيمة مثل السادة فييار وميريميه"، تماماً مثل بشار الأسد الذي ملك أيضاً مجده السياسي في شخص السيد وليد المعلم، والمجد العسكري في شخص السيد سهيل الحسن، والمجد الأدبي في شخص السيد نزيه أبو عفش، واحتفت به شخصيات عظيمة مثل: السيدة رغدة والسيدة إلهام.

وعندما تخفق الثورة أمام الديكتاتورية، لا تكف الديكتاتورية عن جرائمها التي كانت ترتكبها باسم القضاء على الثورة أو الإرهاب، بل تستأنف مرحلة جديدة بكامل الرهبوت والجبروت، ويبقى المنفي هو اللسان الحر الوحيد القادر على التنديد والاستنكار.

لذلك ينادي هوغو من ضفة منفاه:

"أيتها الشعوب: هنالك رجال عليهم اللعنة! إذا وعدوا بالسلام أوفوا بالحرب! وإذا وعدوا بالأمن أوفوا بالمصائب! وإذا وعدوا بالرخاء أوفوا بالخراب! وإذا وعدوا بالمجد أوفوا بالعار"!

وسنكمل النداء من ضفة منفانا: وإذا وعدوا أن يقف الناس على أبواب سفاراتنا في السلسلة (الطابور) حتى يأخذوا الفيزا السورية أوفوا بأن يضطر معظم الشعب السوري إلى أخذ الفيزا من كل دول العالم، وإلى ركوب كافة الأهوال في رحلة المنفى.

لقد كان ذلك المنفي في قمة توازنه، فثورته وثورانه لهما حد لا يمكن تجاوزه، حد المبادئ التي يؤمن بها ويدعو إليها.

عندما نقرأ رسائله وأحاديثه إبان منفاه سنجد كلمات المقاومة أحد من شفرات النصال، ولكننا سنجده في الوقت نفسه داعية اللاعنف الذي يحاذر على أرواح شعبه وأمته: "الحق في جانب الشعب، والعنف في جانب السلطة، وعلينا ألا نتيح للسلطة أية حجة لاستخدام العنف ضد الحق". ولطالما تساءلت أمام هذه الجملة المحكمة: هل حرصنا فعلاً على ألا نتيح للسلطة في بلدنا أية حجة في استخدام العنف؟ ولسوف نرى هوغو يدعو إلى "معاقبة المذنبين كلهم عقاباً قاسياً، ولا بدّ من ذلك. لكن لن يسقط رأس واحد، ولن تدنس قطرة دم واحدة أو بقعة في مشنقةٍ ثوبَ الجمهورية الطاهر، بل إن التقدم الثوري سوف يحمي رأس مجرم ديسمبر نفسه، رغم بشاعته، وسوف تجعل الثورة من هذا الرجل أمثولة كبرى، فتستبدل بثوبه الإمبراطوري الأرجواني سترة السجون.كلا لن نرد على المشنقة بمشنقة أخرى".

لقد ظل هذا المنفي عشرين سنة شوكة في حلق الديكتاتور. ينام في منفاه نوماً عميقاً فيغيظ الشبيحة من جامعي فتات الخبز من تحت موائد المجرمين".

ولئن كنت أغبطه على شيء فإنما أغبطه على أنه كان يقف على ضفة بحر المانش الإنكليزية فيتنسم هواء فرنسا، ويشعر به يملأ رئتيه، أما نحن فإن المسافة بيننا وبين سورية شاسعة قصية، فلا هواء يمكن أن نتنسمه منها، ولا عبير يمكن أن يصل إلينا من روابيها. ما يصلنا فقط هو أخبار المجازر، وصورها، وروائح الدم التي غشّت على الكرة الأرضية بأسرها، فجعلت منا على مدار خمس سنين معزين دائمين في سرادق عزاء دائم.

هل لهذا السرادق أن يطوى؟ وهل لهذا العزاء أن ينتهي؟

ولربما كان هوغو يتساءل نفس السؤال حول فرنسا، فعشرون سنة كفيلة بأن تراكم اليأس في نفس الإنسان مهما بدا صلباً وقوياً، فـ "الدمع الذي في عيوننا اسمه فرنسا، والبريق الذي فيها اسمه الحرية." وفعلاً أعلن هوغو أنه مهزوم، ولكنه كان مهزوماً من نوع آخر، فــ "يكفي المهزوم أن يتملك المستقبل بوجدانه وبصيرته، وبأنه في لحظةٍ ما ستنبثق العدالة والحقيقة والحرية".

هل في هذا عزاء؟ بالنسبة إليّ هو أعظم عزاء، بل هو لبّ العزاء.

وفعلاً في عام 1870 انبثقت الحرية في فرنسا من جديد، إثر هزيمة جيش الديكتاتور أمام بروسيا، التي أسرت نابليون الثالث وحبسته في ألمانيا، ثم رحّلته إلى إنكلترا ليموت فيها طريداً مريضاً في سنة 1873. أما فيكتور هوغو القائل قبل عشرين سنة: "أنتم تنفون رجلاً. فليكن. ثم ماذا؟ تستطيعون أن تنتزعوا الشجرة من جذورها، ولكنكم لن تستطيعوا أبداً أن تطفئوا نور السماء. إن الفجر آتٍ قريب". فيعود في 1871م إلى باريس باعتباره من أهم رجالات دولة فرنسا، وباعتباره أديبها الأول.

 

كلمات مفتاحية