"إجاك الدور يا دكتور"، "حرية" عبارات كتبها أطفال سوريون في آذار 2011، وكانت الشرارة التي أطلقت الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد واستمرت حتى أسقطته في 8-12-2024، ما هي إلا لوحات "غرافيتي" بتعريفها الفني، وما بين التاريخين 14 عاما مليئة بالأحداث التي ضاقت بها وسائل الإعلام واتسعت لها الجدران المهدمة بفعل الآلة العسكرية، حيث وثّق فنانون على اتساع الجغرافيا السورية الأحداث المحلية وتفاعلوا مع أحداث عالمية بالتضامن أحيانا وتوجيه الشكر لجهات مختلفة في أحايين أخرى، لتعبّر عن التضامن مع قضايا عربية مثل القضية الفلسطينية، وعالمية مثل قضية جورج فلويد.
الغرافيتي.. الجدران منابر للسوريين
في برلين يضم متحف أوربان (Urban Nation Museum) صورا للوحات غرافيتي من بقاع مختلفة حول العالم، وهو متحف ثقافي رائد يُعنى بتوثيق فنون الشارع والغرافيتي باعتبارها تعبيرات ثقافية حيوية. تحدثنا مع كارل برايغس، أحد العاملين في المتحف، حيث سلّط الضوء على أهمية الغرافيتي كتراث ثقافي سريع الاندثار إن لم يوثّق بلوحات فنية تحفظ في متاحف، فالغرافيتي يوثق تطلعات وآراء الناس، خاصة في المجتمعات التي عانت من أنظمة قمعية.
برايغس أكد لموقع تلفزيون سوريا أن "الغرافيتي ليس مجرد فن عشوائي على الجدران، بل هو وثيقة شعبية تعكس نبض الشارع في لحظة تاريخية محددة"، مشيرًا إلى أنه "في بلدان مثل سوريا، حيث ضُيّقت مساحات التعبير لسنوات طويلة، أصبح الجدار هو المنبر الوحيد أمام كثير من الناس".
وأشار برايغس إلى أن توثيق الغرافيتي يساعد في فهم فترات التحولات السياسية والاجتماعية للشعوب، كما الحال في الثورة السورية منذ اندلاعها عام 2011، وينبغي اعتباره مشروعا ثقافيا بالغ الأهمية، وأضاف قائلاً: "في برلين، نوثّق كيف عبّر الشباب في فترات مختلفة عن آرائهم تجاه القضايا الكبرى عبر الجدران، وهذا يمنح الأجيال القادمة نافذة لفهم الماضي من منظور الناس أنفسهم، لا عبر الروايات الرسمية فعبارة مثل Die Mauer muss weg يجب أن تسقط الجدار في إشارة إلى جدار برلين الذي فصل مدينة برلين إلى قسمين — شرقي خاضع للاتحاد السوفييتي وغربي تابع للغرب (ألمانيا الغربية) — من عام 1961 حتى سقوطه عام 1989 العبارة باتت غرافيتي شهيرة تمثل ذروة المطالب الشعبية لإنهاء الانقسام الألماني واستعادة الوحدة الوطنية، وتجسد لحظة مفصلية من التاريخ الأوروبي الحديث بانهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية".
متحف لتوثيق لوحات الغرافيتي السورية
واقترح برايغس أن تطلق وزارة الثقافة السورية حملة وطنية محدودة هدفها توثيق ما يمكن توثيقه من لوحات غرافيتي على كامل الأراضي السورية ليتم حفظها لاحقا بمتحف مماثل في سوريا، يكون بمثابة مركز يجمع ويوثق الغرافيتي الذي ظهر خلال سنوات الثورة السورية مع توثيق سياقها الاجتماعي والسياسي، ليصبح مرجعًا بصريًا لأي زائر يريد التعرف على تطلعات السوريين خلال تلك المرحلة المفصلية.
وشدد برايغس على أن "هذا النوع من التوثيق يُعتبر أداة لصون الذاكرة الجمعية ويمنع طمس أصوات الناس"، مضيفًا أن "المتحف السوري المقترح يمكن أن يُسهم في تحقيق مصالحة ثقافية مستقبلية عبر عرض وجهات نظر متنوعة".
وختم برايغس كلامه بأن متحف برلين ليس فريدا من نوعه بل هناك تجارب دولية مماثلة حول العالم تعكس وتؤكد أن فنون الغرافيتي لا تقل أهمية عن الوثائق الرسمية والمخطوطات عندما يتعلق الأمر بفهم الحراك الشعبي في أي مجتمع، فعلى سبيل المثال، في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، يعتبر مركز The Museum of Street Art (MoSA) أحد النماذج الرائدة في جمع وعرض فنون الشارع والغرافيتي، خاصة تلك التي ظهرت في أحياء مثل برونكس وكوينز خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث كان الغرافيتي وسيلة رئيسية للتعبير عن الهوية والاحتجاج الاجتماعي في مجتمعات تعاني من التهميش.
وفي مدينة لندن، يبرز مشروع Street Art London الذي يوثق الجداريات والأعمال الفنية التي انتشرت في أحياء مثل شورديتش، مع تقديم جولات ميدانية ومعارض تعليمية لزوار من مختلف أنحاء العالم لفهم كيفية استخدام الغرافيتي كأداة للتواصل الاجتماعي والسياسي.
كما أن تجربة متحف Stikman Museum في فيلادلفيا تقدم نموذجًا آخر حول كيفية توثيق أعمال فنانين مستقلين اعتمدوا على الغرافيتي لنقل رسائل اجتماعية وسياسية معاصرة.
هذه النماذج العالمية تعكس قيمة فكرة إنشاء متحف للغرافيتي السوري، حيث لا يقتصر التوثيق على حفظ الرسوم فقط، بل يمتد ليشمل تقديم خلفيات تاريخية وثقافية تساعد في تأريخ الأحداث من وجهة نظر الناس العاديين. مثل هذه المشاريع تؤكد أن الغرافيتي ليس مجرد فن بصري بل أداة أرشيفية تنقل نبض المجتمعات.
يشار إلى أن الفن الغرافيتي أي "الرسم على الجدران" يمكن اعتباره نوعا من أنواع الفنون القديمة نشأ أيام الحضارة الفرعونية والإغريقية والرومانية، وتطور مع الوقت وأصبح ما يسمى اليوم بـ “الغرافيتي الحديث” يستخدم فيه بخاخات ومواد الدهان وأقلام التعليم وفراشي الرسم الخاصة ومواد أخرى للحصول على لوحة جدارية تروي أفكاراً وقضايا متنوعة.










