ما يسمى بجريمة الشرف

ما يسمى بجريمة الشرف

الصورة
05 أيلول 2019

أثارت فجيعة الشابة الفلسطينية إسراء غريب حالة من الحزن والكآبة في أوساط اجتماعية وثقافية متعددة ومتباينة.. وكان للحزن الذي خلفته في نفوس من اطلع على تفاصيل الحدث/ الجريمة أسباب كثيرة، أولها، فيما أعتقد، ذلك الشكل الوحشي الجماعي الذي يفتقد لأي حس إنساني، وخاصة أنه ترافق، بحسب الروايات جميعها، بإصرار على القتل العمد الذي يحيل الإنسان إلى تساؤل عميق هو كيف لضمائر هذه الأسرة أن تستريح، بعد الآن، بل كيف لمن يحمل في نفسه كل هذه الكراهية أن يعرف الله ذاته..؟! وأذكر الله هنا لأمرين اثنين، أولهما: أن بعضهم يعلِّق جريمة الشرف على أسباب دينية، وثانيهما لأن كلمة الله لا تعني في عمقها وبعدها غير المحبة، فما نفع الله في حياتنا إن خلت أرواحنا منه؟! "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا" (الآية 33 من سورة الإسراء) يا "إسراء"!

ومن دواعي الحزن الذي أحدثته تلك الجريمة البشعة أنها حدثت في أسرة يعاني الشعب الذي تنتمي إليه مرارة العدوان الصهيوني، وجرائمه اليومية منذ نحو مئة عام، أي منذ وعد بلفور ونتائجه الكارثية.. فأوَّل ما تحيل هذه الجريمة إلى العقلية المجتمعية، ومرجعياتها الفكرية والقيمية التي تبتعد كثيراً عن الفضاء الحضاري قديمه وحديثه، ومما يؤسف له أن مثيلات هذه الجريمة/ الفجيعة تتكرر في مجتمعاتنا الإسلامية هنا في منطقة بلاد الشام والعراق ومصر، يعني في المنطقة الضاربة جذورها في حضارات قديمة وثقافات ما تزال تُسْتَنْطَق لما يمكن أن تفتحه من أفاق أمام البشرية..

وتدفع هذه الجرائم وما تنطوي عليه من أحزان إلى البحث والتساؤل من أين أتت هذه الثقافة إلى مجتمعاتنا، وما مصدرها، ومن يغذيها..؟! إذ لم نلمح في أدبنا العربي القديم، ولا في تراثنا الإسلامي

تقدير وجود جريمة الشرف قد كان مع مجيء العصور المتأخرة والتراجع الحضاري والانكماش المجتمعي وبدوافع ونزعات ذكورية تعود إلى العهود الإقطاعية

ما يحرِّم العلاقة الاجتماعية بين النساء والرجال، أو يمنعها، على نحو أو آخر، فالنساء في عهد النبي كنَّ يأتين إليه، وإلى الصحابة، فيتحدثن في أوضاعهن ومشاكلهن، ويبدين آراءهن حول علاقتهن بأزواجهن، وبشؤون حياتهن المختلفة كافة..! وهكذا استمرت الحال في صدر الإسلام وفي عز الدولة الأموية والعباسية والأندلسية.. وبرزت نساء أعلام في مجال الأدب والحكمة وبعضهن تصدرن مكانة عالية في الدولة والمجتمع، ومن هنا فإن تقدير وجود جريمة الشرف قد كان مع مجيء العصور المتأخرة والتراجع الحضاري والانكماش المجتمعي وبدوافع ونزعات ذكورية تعود إلى العهود الإقطاعية التي نظر أسيادها إلى المرأة على أنها متعة الذكر، ومتاع للاستخدام في شؤون الحياة، وليست ذلك الشريك الملازم للرجل في إطار من المودة والسيرورة السليمة للأسرة، وانسجام ركنيها الرئيسين تمشياً مع الفهم الإسلامي لعلاقة الرجل بالمرأة "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (آية 21 سورة الروم) وقد غذَّى تلك النظرة الدونية إلى المرأة، ولم يزل يغذِّيها فقهاء الجهل والاستبداد الذين أوجدوا التربة المناسبة لها في مجتمعات تقوم على الكراهية لا على التآلف والتساند والكينونات الصغيرة المتناحرة تحت اسم اختلاف الأديان والطوائف والقوميات..! أما الأمر الأخطر في هذه الجرائم أنها غالباً ما ترتكب بناء على شبهة ما أو وشاية مع تغييب للعقل الذي يحاكم بروية ووفقاً للمنطق الإنساني السليم.. ولعلَّ هذه الحادثة الأخيرة أكثر إيذاء للنفس إذ إنَّ الشابة مخطوبة، وكل ما أرادته أن تتعرف على خطيبها أكثر، وهي الشابة الواعية والمبدعة، لتكون المؤسسة الزوجية التي تحلم بها أكثر نجاحاً، وقد نشرت صورتها على الملأ في إشارة إلى أنها لم تخرج على القواعد الأخلاقية للمجتمع.. يذكر أنَّ أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند سابقاً، قد استشارت والدها جواهر لال نهرو الشخصية العالمية الشهيرة، فبعثت برسالة إليه، وكانت، حينئذ شابة، (كان نهرو في السجن لآرائه السياسية، ونضاله من أجل استقلال الهند)، تستشيره فيما تفعله أو تبتعد عنه، فكان جوابه حكمة عظيمة: "افعلي ما يطيب لك، وليكن ذلك في العلن وأمام الناس..!"

وبعد هل ثمة جريمة اسمها جريمة شرف وما الشرف في الأساس؟! لا كما يفهمه الغرب، بل كما نفهمه نحن العرب والمسلمين، وأقول ذلك، كي لا يتنطع أحدهم ويقول نحن الإسلام لنا خصوصيتنا، إذاً تعالوا إلى لغتنا العربية، لغة القرآن الكريم، لنرى معاً كيف عرَّفت الشرف، فهل ربطته بعلاقات الناس العاطفية أم بأمور أخرى لها صلة بقيم الرجولة والإنسانية.. ثم هل هناك جريمة اسمها جريمة شرف؟! وكيف يجتمع الشرف مع الجريمة في خانة واحدة؟!

في التدقيق لا توجد جريمة اسمها جريمة شرف لا في الواقع، ولا في المصطلح اللغوي، فكلمة شرف في معناها اللغوي هي ما ارتفع من الأرض وعلا، وأشرف على ما حوله. والشرف هو: العلو والمجد والحسب الموروث الذي يكتسب من سلوك المرء، وعمله لأهله، وللجماعة التي يعيش بينها.. فالصدق شرف، والشجاعة شرف، والغيرية شرف (أي تقديم الآخر في المغانم شرف كبير..)

 "يخبِرْكِ من شهدَ الوقيعةَ أنني     أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم.."

هذا هو الشرف الرفيع في ثقافتنا، وحتى في الذهنية الشعبية التي تقتدي بالشاعر والفارس عنترة.. أما ربط الشرف بزعم أن المرأة شذت أو نشزت فهذا أيضاً مخالف لقول الله: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ) "النساء آية 34" صحيح أن القرآن ذكر الضرب بعد اليأس من العظة والهجر، والضرب غير مقبول

تجاوز هذا النوع من الجرائم يقع على أكثر من جهة في المجتمع أولها الجهات التشريعية والقضائية وكذلك المنظمات الاجتماعية المدنية

اليوم في مجتمعاتنا التي اختلفت عن تلك المجتمعات، ويبقى الضرب، في الآية، غير القتل، إذ أكدت الآية وسائل التربية الأخرى التي تقرُّ بعقل المرأة وتفكيرها وقدراتها الذهنية عموماً.. وواضح أن الآية تخص الزوجات ولعلَّ إباحة الضرب، تعود في ذلك الزمن لوجود فارق السن بين الزوجين، إذ كان ذلك المجتمع يبيح الزواج من القاصرات.. أما اليوم فزواج القاصرات يعد جريمة اجتماعية بحد ذاته إذ يمنع المرأة من حقها في التعليم، ومن حقها في العمل العام، وبالتالي تصادر مواهبها، ويدفن إبداعها، ويحرم المجتمع والأمة الاستفادة منها.

إن تجاوز هذا النوع من الجرائم يقع على أكثر من جهة في المجتمع أولها الجهات التشريعية والقضائية وكذلك المنظمات الاجتماعية المدنية إضافة إلى الهيئات الدينية، ولطالما طرحت مسألة جرائم الشرف في الدوائر الاجتماعية والقضائية والإدارية عموماً، وأعتقد أنَّ بعض أعضاء مجلس الشعب أثاروا هذه القضية أكثر من مرة، على هامش مناقشة القوانين التي تتعلق بحقوق المرأة، وفي عدد من جلساتهم المخصصة للقضايا العامة، ولكن أقصى ما جرى التوصل إليه من الناحية القانونية هو رفع الحدِّ أي سقف عقوبة القاتل. لكنها ظلت أدنى بكثير من عقوبة جرائم القتل عموماً، وخصوصاً جرائم القتل العمد إذ أصبحت بحدود ثلاث إلى خمس سنوات بينما عقوبة القتل العمد تصل إلى خمس عشرة سنة إذا ما خفف حكم الإعدام، وثمة اتفاق على أن جريمة الشرف من موروث العادات والتقاليد الزائفة.. والمسألة تكمن في الثقافة المتوارثة التي لم تستطع الأنظمة المستبدة تجاوزها.. فالجهل يمكِّن للاستبداد ويعمق وجوده كما رأى المنور الحلبي الشيخ عبد الرحمن  الكواكبي..

ويبقى القول الفصل بأن شرائح المجتمع كلها مسؤولة عن التمادي في هذا النوع من الجرائم، وكل في ميدانه، يمكنه فعل شيء للارتقاء بالحياة الاجتماعية ويكفي مجتمعاتنا ما بها من ويلات..!

شارك برأيك