icon
التغطية الحية

ما وراء الدخان.. رحلة السموم من مكب نفايات مشتعل في إدلب

2026.07.21 | 05:51 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.29 | 11:01 دمشق

ما وراء الدخان.. رحلة السموم من مكب نفايات مشتعل في إدلب
كيف ينقل مكب نفايات مشتعل سمومه مع الرياح - تلفزيون سوريا
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تحول سجن إدلب المركزي إلى مكب نفايات عشوائي: بعد تدميره، أصبحت الحفرة المجاورة للسجن مكبًا للنفايات، مما يؤدي إلى انبعاث ملوثات تؤثر على القرى المحيطة مثل الشيخ يوسف وكفر روحين.

- المخاطر البيئية والصحية: الحرق المفتوح للنفايات يطلق ملوثات خطيرة تؤثر على صحة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن، مع احتمالية انتقال الملوثات بفعل الرياح.

- التحديات المتعلقة بالمياه: قرب المكب من محطة استجرار المياه يثير مخاوف من تلوث المياه، مما يستدعي دراسات ومراقبة دورية لتجنب الأزمات البيئية.

لم يعد المشهد المألوف في محيط سجن إدلب المركزي المهدم يقتصر على الأبنية التي دمرتها غارات النظام المخلوع والغارات الروسية، ولا على آثار الخراب التي خلفتها آلة القصف.

فمنذ عدة أعوام، تشكل مشهد آخر أكثر هدوءاً في ظاهره، لكنه أكثر خطورة في تأثيره، يتمثل في أعمدة الدخان التي لا تكاد تغيب عن سماء المنطقة، بعدما تحولت حفرة تقع بمحاذاة السجن إلى مكب نفايات عشوائي يستقبل يومياً أطناناً من المخلفات، بينما تستمر النيران مشتعلة داخله بصورة شبه دائمة.

وبحسب قياسات تقديرية أجريت باستخدام Google Earth، تبلغ مساحة الجزء المستخدم من الحفرة كمكب عشوائي للنفايات نحو 11,560 متراً مربعاً، فيما يصل محيطه إلى قرابة 501 متر وهي (أرقام تقريبية تعتمد على حدود القياس المرسومة ودقة بيانات البرنامج).

حجم المكب

ويقع المكب في منطقة تتوسط عدداً من القرى، بينها الشيخ يوسف، وكفر روحين، وعين شيب، والغفر، وسيجر، ومدينة إدلب، وتختلف شدة التأثر من قرية إلى أخرى تبعاً لاتجاه الرياح وسرعتها.

ولذلك لا يعيش جميع السكان المشكلة بالطريقة نفسها، لكنهم يجتمعون على حقيقة واحدة، وهي أن الدخان أصبح جزءاً من حياتهم اليومية.

ورغم أن معظم الحديث الدائر بين الأهالي يتركز حول الرائحة الكريهة، فإن المشكلة تتجاوز ذلك بكثير، فبحسب ما قاله الباحث والخبير في علوم البيئة عبد ربو السواس لـ موقع تلفزيون سوريا، فإن "أخطر ما في هذه الحالة ليس مجرد تراكم النفايات، بل عملية الاحتراق المفتوح نفسها، لأنها تطلق كميات كبيرة من الملوثات إلى الهواء".

الدخان المتصاعد

سجن تحول إلى مكب

حتى سنوات الثورة السورية، كان سجن إدلب المركزي يعد واحداً من أبرز السجون المدنية في شمال غربي سوريا، قبل أن تغير الحرب ملامح المنطقة المحيطة به، لكن بعد تعرض السجن لسلسلة من الغارات الجوية التي دمرت أجزاء واسعة منه، بقيت الحفرة الطبيعية المجاورة شاهدة على تغيرات أخرى لم تكن مرتبطة بالقصف وحده.

وبمرور الوقت، تحولت الحفرة إلى نقطة تجميع رئيسية للنفايات، في ظل غياب البنية التحتية الخاصة بالمكبات النظامية، مثل العوازل الأرضية أو أنظمة جمع العصارة أو محطات معالجة الغازات المنبعثة من النفايات.

ومع تراكم آلاف الأطنان من المخلفات، أصبح الحرق الوسيلة المستخدمة لتقليل حجم النفايات داخل الموقع، إلا أن هذه العملية لم تعد تقتصر على فترات محددة، بل باتت النيران تستمر لساعات طويلة، وأحياناً لأيام متواصلة، وفق ما يؤكده سكان المنطقة.

أبو سامر أحد سكان العرشاني بسيجر وهي الأقرب للمكب، قال لـ موقع تلفزيون سوريا، إن الدخان بات جزءاً من المشهد اليومي، مضيفاً أن النيران لا تبدو وكأنها تنطفئ بشكل كامل، وإنما تخمد في بعض المواقع قبل أن تعود للاشتعال من جديد.

ويضيف أن الأهالي اعتادوا رؤية أعمدة الدخان وهي ترتفع فوق السجن، وأنهم يستطيعون تحديد الأيام التي ستتأثر فيها قريتهم بمجرد مراقبة اتجاه الرياح.

ولا تختلف الصورة كثيراً في القرى الأخرى، ففي قرية كفر روحين، يقول عامر شاهين، إن المشكلة لا تتمثل فقط في الرائحة، وإنما في بقاء أثر الدخان لساعات داخل المنازل عندما تهب الرياح باتجاه القرية، مشيراً إلى أن العائلات تضطر في كثير من الأحيان إلى إغلاق الأبواب والنوافذ حتى خلال فصل الصيف.

ويضيف أن الأراضي الزراعية الواقعة شرق المكب تتعرض أحياناً للدخان بصورة مباشرة، وأن طبقة من السخام تترسب في بعض الأيام على المزروعات المكشوفة، من دون أن يتمكن المزارعون من معرفة طبيعة المواد التي يحملها هذا الدخان.

ويتابع أن الغسيل المنشور في المنازل يكتسب رائحة احتراق واضحة عندما يكون الدخان كثيفاً، بينما يلاحظ بعض الأهالي تراكم غبار أسود على خزانات المياه المكشوفة والموضوعة فوق أسطح المنازل.

ولا تعني هذه الشهادات بالضرورة وجود تلوث مؤكد للمياه أو للمحاصيل الزراعية، لكنها تعكس تعرض السكان بصورة متكررة للدخان والسخام الناتج عن احتراق النفايات.

الموقع الجغرافي للمكب يفسر جانباً من هذه الشهادات، فالقرى لا تقع جميعها على مسافة واحدة، كما أنها لا تقع ضمن اتجاه واحد بالنسبة للمكب، لذلك فإن تأثير الدخان يرتبط بصورة مباشرة بحركة الرياح اليومية، وهو ما يجعل بعض القرى تتأثر في يوم معين، بينما لا تشعر قرى أخرى بأي تأثير يذكر في اليوم نفسه.

وبينما تبدو هذه الظاهرة اعتيادية بالنسبة للأهالي الذين اعتادوا رؤية الدخان، فإن المختصين ينظرون إليها بطريقة مختلفة، لأن استمرار الحرق المفتوح للنفايات يعني استمرار انبعاث ملوثات إلى الهواء بصورة شبه دائمة.

سموم معلقة

ويكشف تصاعد الدخان عن جزء من المشهد فقط، أما الجزء الآخر فيبقى غير مرئي، ويتمثل في الملوثات الناتجة عن احتراق النفايات، والتي تنتقل مع الهواء إلى محيط المكب، لتوسع دائرة التأثير إلى ما هو أبعد من موقع الحرق نفسه.

ولهذا يرى الباحث والخبير في علوم البيئة "عبد ربو السواس" أن التعامل مع المشهد بوصفه مجرد رائحة مزعجة أو سحب دخانية عابرة لا يعكس حجم المشكلة الحقيقي.

ويضيف أن "وجود مكب نفايات عشوائي يجري فيه حرق النفايات بصورة شبه مستمرة، وفي محيط محطة للمياه ومناطق سكنية، يثير مخاوف بيئية وصحية جدية تستوجب التدخل السريع، وأخطر ما في هذه الحالة ليس مجرد تراكم النفايات، بل عملية الاحتراق المفتوح نفسها، لأنها تطلق كميات كبيرة من الملوثات إلى الهواء".

ويتابع أن "هذه الملوثات لا تبقى فوق المكب، بل تتحرك مع الهواء، وكلما اشتدت الرياح تغيرت خريطة انتشارها، لتصل في أيام معينة إلى قرى لا تشاهد النيران أصلاً، لكنها تستقبل آثارها المحمولة في الهواء".

في قرية عين شيب، يقول أحمد الشبلي لـ موقع تلفزيون سوريا، إن الأطفال يشتكون أحياناً من الرائحة التي ترافق وصول الدخان، مؤكداً أن المشكلة لا تكون يومية، لكنها تتكرر بصورة تجعل الأهالي يعرفون مصدرها بمجرد تغير اتجاه الريح.

ورغم أن هذه الشهادات تعكس واقعاً يعيشه السكان، فإنها لا تشكل دليلاً علمياً على حدوث تلوث للمحاصيل أو للمياه، وهو ما يحرص التحقيق على توضيحه، لكنها في المقابل توثق تعرض السكان بصورة متكررة لانبعاثات ناتجة عن احتراق النفايات.

ويشرح عبد ربو السواس طبيعة هذه الانبعاثات قائلاً:

"عند احتراق النفايات في العراء، تنبعث جسيمات دقيقة عالقة يمكنها الوصول إلى أعماق الجهاز التنفسي، إلى جانب غازات ملوثة مثل أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت، فضلًا عن مركبات عضوية سامة، وإذا كانت النفايات تحتوي على البلاستيك أو المواد الصناعية أو المخلفات الطبية، فقد تنتج أيضا مركبات شديدة السمية مثل الديوكسينات والفورانات، وهي من أكثر الملوثات البيئية خطورة، إذ قد تبقى في البيئة لفترات طويلة وتتراكم في السلسلة الغذائية".

تفسر هذه الجمل سبب اهتمام المختصين بعمليات الحرق المفتوح أكثر من اهتمامهم بالنفايات نفسها، فالمكب الذي يبقى خاملاً يمثل مشكلة بيئية تتعلق بإدارة النفايات، أما المكب الذي يحترق بصورة مستمرة فيتحول إلى مصدر لانبعاثات هوائية متواصلة.

ولا يقتصر تأثير هذه الانبعاثات على من يقفون بجوار النار، فبحسب السواس:

"تزداد خطورة الوضع عندما يقع المكب بالقرب من تجمعات سكنية حتى وإن كانت بعيدة عنهم قليلاً، لأن السكان يصبحون عرضة للتعرض المتكرر للدخان، خاصة الأطفال وكبار السن ومرضى الربو وأصحاب الأمراض المزمنة".

دخان

ويضيف؛ "في المناطق التي تشهد رياحاً نشطة، كما هو الحال في كثير من مناطق ريف إدلب، لا يبقى الدخان محصوراً فوق المكب، بل قد ينتقل لمسافات تتجاوز مئات الأمتار، حاملاً معه الجسيمات الدقيقة والملوثات إلى الأحياء السكنية والمزارع والمنشآت الخدمية، ما يوسع نطاق التأثير البيئي والصحي".

القرى المحيطة لا تتأثر جميعها في الوقت نفسه، وإنما تختلف شدة الدخان وفقاً لحركة الرياح اليومية، وهو ما يفسر تباين شكاوى السكان من منطقة إلى أخرى.

فعندما تهب الرياح نحو الشرق، تكون قرى مثل سيجر وكفر روحين أكثر عرضة لوصول الدخان، بينما قد تتغير الصورة بالكامل إذا تغير اتجاه الهواء نحو الجنوب أو الشمال.

ويقول أحد سكان الغفر إن الأهالي يستطيعون معرفة اتجاه الرياح من خلال لون السماء فوق المكب، مضيفاً أن الدخان في بعض الأيام يبقى مرتفعاً فوق الوادي، بينما يمتد في أيام أخرى ليغطي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

ولا يقتصر الأمر على الهواء فقط، فالجسيمات الدقيقة والسخام الناتج عن الاحتراق يمكن أن يترسبا على الأسطح المكشوفة، وهو ما يفسر ملاحظات السكان بشأن خزانات المياه المنزلية الموضوعة فوق الأسطح، أو السيارات، أو المزروعات المكشوفة.

ويشدد السواس، أن ترسب هذه الجسيمات لا يعني تلقائياً وجود تلوث لمياه الشرب أو للمحاصيل الزراعية، لأن إثبات ذلك يحتاج إلى قياسات وتحاليل مخبرية، وليس إلى الملاحظة البصرية وحدها.

ورغم ذلك، يرى أن استمرار الحرق في منطقة تضم سكاناً ومنشآت خدمية يجعل المشكلة تستحق المتابعة العلمية، لا الاكتفاء بمراقبة الدخان وهو يتصاعد كل يوم.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه السكان بما يتنفسونه، تظهر مخاوف أخرى مرتبطة بما قد يحدث عندما تهطل الأمطار، خاصة أن المكب لا يقع فقط بالقرب من قرى مأهولة، وإنما أيضاً في محيط محطة استجرار المياه في سيجر، وهي نقطة يفتح التحقيق ملفها في الجزء التالي، بالاستناد إلى تحليل نموذج الارتفاع الرقمي للأرض، واتجاهات الانحدار الطبيعي، ورأي عبد ربو السواس حول احتمال انتقال عصارة النفايات دون الجزم بحدوث تلوث فعلي.

مكب - محطة المياه

 

مياه مهددة؟

عندما يتحدث سكان القرى المحيطة بالمكب، فإن معظم شكاواهم تبدأ بالدخان وتنتهي عند الرائحة، لكن بالنسبة للمختصين، لا تقف الأسئلة عند ما تحمله الرياح، بل تمتد إلى ما قد تحمله مياه الأمطار أيضاً.

يقع المكب على مسافة قصيرة من محطة استجرار المياه (سيجر العرشاني)، وهي حقيقة دفعت التحقيق إلى تحليل الموقع جغرافياً، لمعرفة ما إذا كانت طبيعة التضاريس تفرض مخاطر تستحق الدراسة، من دون القفز إلى استنتاجات غير مدعومة بقياسات ميدانية.

ولتحقيق ذلك، قمنا بتحليل نموذج الارتفاع الرقمي (DEM) المستند إلى بيانات القمر الصناعي الياباني JAXA ALOS AW3D30، والذي أظهر وجود اختلاف واضح في مناسيب الأرض بين موقع المكب والمنطقة المحيطة بمحطة استجرار المياه.

وتظهر البيانات أن الارتفاعات في المنطقة المحيطة بالمكب تتراوح بين 224 و500 متر فوق سطح البحر، بينما تتراوح الارتفاعات في منطقة محطة سيجر بين 250 و415 متراً.

ما يشير إلى أن منطقة المكب تقع ضمن نطاق تضاريسي أعلى من معظم منطقة المحطة، وهو ما يجعل دراسة الانحدار الطبيعي للأرض والجريان السطحي جزءاً أساسياً من أي تقييم علمي لاحتمال انتقال الملوثات.

ارتفاع

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن التلوث قد وصل إلى محطة المياه، فالخرائط وحدها لا تكفي للإجابة عن هذا السؤال؛ وفي هذا السياق، يقول الباحث والخبير في علوم البيئة عبد ربو السواس لـ موقع تلفزيون سوريا:

"لا يمكن الجزم بوجود تلوث لمياه الشرب اعتماداً على قرب المكب فقط، لأن ذلك يحتاج إلى تحاليل ودراسة هيدروجيولوجية، لكن استمرار انبعاث الدخان بالقرب من منشآت المياه يثير مخاوف تتعلق بترسب بعض الملوثات المحمولة جواً على الأسطح والمنشآت، كما يستوجب مراقبة جودة المياه بصورة دورية للتأكد من عدم تأثرها."

ويضيف أن "استمرار الحرق في موقع يقع بالقرب من منشأة مائية يفرض مراقبة دورية لجودة المياه، لأن الوقاية تبدأ قبل ظهور المشكلة، لا بعدها".

ولا تتوقف المخاطر المحتملة عند الدخان وحده، فالمكبات العشوائية تنتج مع مرور الوقت ما يعرف بـ"عصارة النفايات"، وهي سوائل تتشكل نتيجة تحلل المواد العضوية واختلاطها بمياه الأمطار، وتحتوي على خليط من المركبات الكيميائية والمواد العضوية والجراثيم والمعادن الثقيلة.

ويشرح عبد ربو السواس هذه النقطة بقوله:

"ومن جهة أخرى، فإن المكبات العشوائية تطرح خطراً آخر يتمثل في العصارة الناتجة عن تحلل النفايات، ومع هطول الأمطار، تتشكل سوائل محملة بمواد عضوية وملوثات كيميائية ومعادن ثقيلة وميكروبات، وتتسرب إلى التربة في غياب أي بطانة عازلة أو نظام لجمع العصارة، وهو ما قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية إذا توافرت الظروف المناسبة لانتقال هذه الملوثات".

وبالعودة إلى تحليل التضاريس، فإن فرق الارتفاع بين المكب ومنطقة سيجر لا يكفي وحده للحكم على مسار هذه العصارة.

فالمياه لا تتحرك وفق فرق الارتفاع فقط، وإنما تتأثر أيضاً باتجاهات الانحدار الدقيقة، وطبيعة التربة، وحدود حوض التصريف، وشبكة الأودية التي تمر في المنطقة.

ويقول السواس، في تعليقه على نتائج تحليل نموذج الارتفاع الرقمي:

"وجود المكب على ارتفاع أعلى من منطقة سيجر يعد مؤشراً يستحق الدراسة، لأن الجريان السطحي لمياه الأمطار يتحرك بطبيعته من المناطق الأعلى إلى الأدنى، وقد يحمل معه جزءاً من عصارة النفايات إذا كانت متولدة في الموقع، لكن لا يمكن اعتبار فرق الارتفاع وحده دليلاً على وصول الملوثات إلى محطة استجرار المياه أو إلى مصادر الشرب، إذ يتطلب ذلك دراسة اتجاه الانحدار الفعلي، وشبكة الأودية، وحدود حوض التصريف، إضافة إلى طبيعة التربة ونفاذيتها".

ويضيف أنه "يمكن الحديث عن قابلية أو احتمال لانتقال الملوثات في حال توافرت الظروف الهيدرولوجية المناسبة، وليس عن تلوث مؤكد من دون إجراء قياسات ميدانية وتحاليل للمياه."

ويتابع أنه "إذا كانت المنشأة محطة لاستجرار المياه الجوفية، فإن أهمية مراقبة الموقع تكون أكبر، لأن أي انتقال محتمل للملوثات إلى الخزان الجوفي قد ينعكس على مصدر المياه؛ أما إذا كانت محطة لضخ المياه من مصدر آخر، فإن ذلك لا يعني انتفاء المخاطر البيئية، إذ قد تترسب الجسيمات الدقيقة والملوثات المحمولة جواً على الخزانات أو المنشآت المكشوفة، ما يستدعي أيضاً مراقبة دورية وإجراءات وقائية، مع التأكيد أن إثبات أي تأثير فعلي لا يتم إلا من خلال التحاليل والقياسات الميدانية."

ارتفاع عن سطح البحر

سابقة بيئية

لا تعد المخاوف المرتبطة بمكب النفايات القائم قرب سجن إدلب المركزي الأولى من نوعها في محافظة إدلب، وسبق أن شهدت قرية الهباط، الواقعة بريف إدلب، واحدة من أبرز الحوادث البيئية المرتبطة بالمكبات العشوائية، بعدما أعلن سكانها تلوث آبار المياه التي يعتمدون عليها للشرب والري، في حادثة ربطها الأهالي آنذاك بالمكب المقام داخل مقلع حجارة مجاور للبلدة.

وأثارت الحادثة مخاوف واسعة بين الأهالي وسكان المخيمات المجاورة، بعد تغير لون المياه المنبعثة من الآبار وظهور روائح كريهة فيها، ما دفع عشرات العائلات إلى التوقف عن استخدامها، والاعتماد على شراء المياه المنقولة بالصهاريج لتأمين احتياجاتها اليومية، في وقت أكد فيه مزارعون أن مياه الآبار لم تعد صالحة لري الأشجار أو المزروعات، الأمر الذي انعكس مباشرة على مصدر رزقهم.

ولم تقتصر آثار التلوث على المنازل، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، بعدما اضطر مربو المواشي إلى شراء المياه لتأمين احتياجات قطعانهم، بعد أن كانت الآبار المصدر الرئيسي للشرب ولسقاية الحيوانات، وهو ما ضاعف الأعباء الاقتصادية على السكان في قرية يعتمد معظم أبنائها على الزراعة وتربية المواشي.

مكب قرية الهابط

ويرجح السواس أن أسباب التلوث تعود إلى تسرب عصارة النفايات الناتجة عن تحلل المخلفات داخل المقلع، مع مياه الأمطار، نحو الطبقات الأرضية، في ظل غياب أي بطانة عازلة تمنع انتقال الملوثات إلى باطن الأرض.

وأوضح أن قابلية انتقال العصارة تختلف بحسب طبيعة التكوينات الجيولوجية ونفاذية الصخور، إلا أن استمرار تراكم النفايات في الموقع يزيد من احتمالات امتداد التأثير مع مرور الوقت.

وتكتسب تلك الواقعة أهمية خاصة عند النظر إلى واقع المكب القائم قرب سجن إدلب المركزي المهدم، إذ إن المخاوف المطروحة اليوم لا تختلف في جوهرها، وإن اختلفت طبيعة الخطر.

 ففي الهباط، انصب الاهتمام على احتمال تسرب العصارة إلى المياه الجوفية، بينما يتركز القلق في المكب الحالي على الانبعاثات الناتجة عن الحرق المفتوح، وما قد تحمله من ملوثات إلى القرى المحيطة، إضافة إلى التساؤلات المتعلقة بقرب الموقع من محطة استجرار المياه في سيجر.

مكب الهابط

وفي هذا السياق، يرى الباحث والخبير في علوم البيئة عبد ربو السواس أن المقاربتين لا تتعارضان، لأن المكبات العشوائية قد تتحول إلى مصدرين مختلفين للتلوث في الوقت نفسه؛ أحدهما عبر الهواء نتيجة للاحتراق المستمر، والآخر عبر العصارة الناتجة عن تحلل النفايات مع هطول الأمطار، وهو ما يجعل تقييم كل موقع مرتبطاً بخصائصه الجيولوجية والهيدرولوجية، وبطبيعة إدارة النفايات فيه.

ورغم أن التحقيق لم يعثر على أي نتائج مخبرية تثبت وجود تلوث في محطة استجرار المياه القريبة من المكب الحالي، فإن تجربة الهباط تظهر كيف يمكن أن تتحول المخاوف البيئية إلى أزمة فعلية عندما تغيب إجراءات العزل والمراقبة الدورية.

ويؤكد السواس أن الاكتفاء بمراقبة الدخان أو الروائح لا يكفي لتقييم المخاطر، بل يتطلب الأمر برامج منتظمة لقياس جودة الهواء، وتحليل المياه، ومتابعة أي تغيرات قد تطرأ على البيئة المحيطة، قبل أن تتحول المؤشرات الأولية إلى أزمة يصعب احتواؤها.

ولا يدعي هذا التحقيق أن المكب تسبب بتلوث مؤكد للمياه أو للأراضي الزراعية، لأن ذلك يحتاج إلى أدلة علمية لم تتوافر حتى الآن، لكنه يوثق واقعاً لا يختلف عليه سكان القرى المحيطة أو المارة؛ دخان لا يكاد ينقطع، وروائح تصل إلى المنازل، وسخام يترسب على الأسطح، ومخاوف تتزايد مع استمرار الحرق عاماً بعد آخر.