بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، وتشكيل حكومة سورية جديدة في دمشق، تواصل الحكومة السورية المؤقتة، التي تتخذ من مدينة غازي عنتاب التركية مقراً لها، ممارسة مهامها الإدارية وسط واقع جديد يتطلب تكيّفاً سياسياً ومؤسسياً.
ورغم ما تردد عن إنهاء الحكومة المؤقتة خدمات أكثر من 90 في المئة من موظفيها، إلا أن مصدراً مطلعاً أفاد لموقع "تلفزيون سوريا" بأن هذه النسبة غير دقيقة، موضحاً أن عدد موظفي الحكومة بلغ نحو 300 موظف قبل سقوط النظام، وما يزال نحو 150 منهم على رأس عملهم، ما يشير إلى أن نسبة من غادروا مواقعهم لا تتجاوز 50 في المئة، وغالبيتهم من المتعاقدين المؤقتين داخل سوريا.
وأكد المصدر أن الحكومة المؤقتة ما تزال تحتفظ بأصولها الإدارية في مدينة الراعي، بما في ذلك مقار الرئاسة والأمانة العامة وبعض السيارات التابعة لها، وتواصل العمل في بعض الوزارات، فضلاً عن استمرار العقود مع شركات إنشائية محلية، مثل شركة "كورت" المختصة في تعبيد الطرق، والتي وقعت معها عقداً بقيمة 278,600 دولار أميركي في شباط الماضي.
كما أشار المصدر إلى استمرار عمل مؤسسات خدمية، كمؤسسة الحبوب، ومؤسسة إكثار البذار، ومركز التصوير الطبقي المحوري، ما يسهم في تأمين موارد إضافية لصندوق الحكومة، ويدل على استمرار بعض مظاهر الأداء المؤسساتي.
في ظل هذه المعطيات، تظهر تساؤلات حول مصير الحكومة المؤقتة في المرحلة المقبلة، ومدى مواءمتها مع المتغيرات السياسية في البلاد، لا سيما مع ظهور حكومة جديدة تتولى حالياً مهام إدارة الدولة. وتدور التساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة المؤقتة تتجه للبقاء كإدارة محلية انتقالية، أم أنها تمهّد لتسليم الملفات إلى السلطة الجديدة.
تحديات مؤسسية وتنظيمية
تنص المادة 27 من النظام الأساسي للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية على أن الحكومة المؤقتة تتبع للائتلاف وتُناط بها إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. إلا أن هذا الإطار المؤسسي شهد بعض الالتباسات مؤخراً، مع إعلان المجلس التركماني السوري، الذي يرأسه فعلياً رئيس الحكومة عبد الرحمن مصطفى، انسحابه من الائتلاف، في حين استمر مصطفى في رئاسة الحكومة، مما أثار نقاشات حول شرعية الإطار السياسي الذي تستند إليه الحكومة.
تفاقم هذا الجدل خلال لقاء جمع الائتلاف بالرئيس أحمد الشرع، حيث غاب رئيس الحكومة المؤقتة عن الاجتماع، قبل أن يسعى لاحقاً إلى لقاء منفصل مع الرئيس، أفضى إلى طلبه تشكيل لجنة لتسلّم الحكومة، بحسب ما أشار إليه في تصريحات لاحقة.
ويشير مراقبون إلى أن هذا المسار يتطلب توافقاً أوسع ضمن الإطار الذي تأسست فيه الحكومة، ويستدعي تنسيقاً مع الائتلاف لضمان انتقال مسؤول ومنظّم للملفات.
لا تزال تركيا تحتضن مقر الحكومة المؤقتة، وتتعامل معها بعض مؤسساتها الرسمية، ما يعكس استمرار مستوى معين من العلاقة بين الطرفين، رغم ما يبدو من تطور في العلاقة بين أنقرة والحكومة السورية الجديدة. ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مستقبل تموضع الحكومة المؤقتة داخل الأراضي التركية، خاصة في حال مضت تركيا نحو تنسيق أوسع مع دمشق.
وأكد مصدر في الحكومة أن العلاقات الدولية ما تزال نشطة، حيث يقوم مسؤول العلاقات الخارجية، ياسر الحجي، بزيارات رسمية إلى الولايات المتحدة، وتُموَّل هذه الزيارات من قبل الحكومة المؤقتة، في إطار الحفاظ على قنوات التواصل مع الأطراف الدولية.
وفي سياق متصل، ذكر رئيس الحركة الوطنية التركمانية، مصطفى عبدي، أن تقريراً قدمه رئيس الحكومة المؤقتة إلى مؤسسة تركية أدى إلى حرمانه وآخرين من إذن العبور إلى سوريا، مشيراً إلى ما وصفه بمحاولات للحد من التعددية في تمثيل التركمان، وهي نقطة مثار نقاش داخل الأوساط السياسية التركمانية.
يوضح الباحث وائل علوان أن الحكومة الجديدة تعمل حالياً على استلام الملفات الإدارية من المجالس المحلية ومن الحكومة المؤقتة، مشيراً إلى أن هذه المرحلة تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، خاصة مع وجود تحديات ميدانية مثل استمرار سيطرة "قسد" في مناطق الشمال الشرقي، ووجود مشاريع تنموية جارية في مناطق أخرى.
ويرى علوان أن الهدف العام هو التوجه نحو إدارة موحدة تُشرف عليها الحكومة المركزية، عبر دمج المجالس المحلية في هيكل محافظات جديد، لكنه شدد على أن هذه العملية تحتاج إلى وقت كافٍ لضمان نجاحها.
مشروع مشفى صوران الجامعي
أثيرت مزاعم في مواقع التواصل الاجتماعي عن قيام الحكومة المؤقتة بتحويل مبلغ 900 ألف دولار من مخصصات إنشاء مشفى جامعي في صوران إلى بند النفقات التشغيلية. غير أن مصدراً في الحكومة المؤقتة نفى هذه المزاعم، مؤكداً أن التمويل كان من موارد الحكومة الذاتية، وأن المبلغ المتبقي من المشروع هو 400 ألف دولار من أصل كلفة كلية بلغت 650 ألف دولار.
وأشار المصدر إلى أن الأصول المتعلقة بالمشروع ما تزال محفوظة، والمرافق الحكومية العاملة في مناطق الشمال مستمرة في أداء مهامها، فيما لا يُعرف الرصيد النهائي لصندوق الحكومة إلا من قبل رئاسة الحكومة.
تبدو الحكومة المؤقتة اليوم وكأنها تقف بين مرحلتين: ماضٍ أدت فيه دوراً مهماً في إدارة مناطق خارجة عن سلطة النظام، وواقع جديد يشهد بروز حكومة مركزية تسعى لتوحيد الإدارة. ورغم التساؤلات المشروعة حول مستقبل الحكومة المؤقتة، فإن المسار الأمثل يبقى مرهوناً بمدى التنسيق بين مختلف القوى السياسية، وحسن إدارة المرحلة الانتقالية بما يخدم الاستقرار ويوحد الجهود.