ما مسؤوليّتكَ الشّخصيّة تجاه المسجد الأقصى المبارك؟

2022.04.17 | 06:02 دمشق

thumbs_b_c_7a0cd8648b7eeb86e42bdc4c876fb76a.jpg
+A
حجم الخط
-A

في ظلّ ما يتعرّض له المسجد الأقصى المبارك من مخاطر متصاعدة وصلت إلى حدّ إغلاقه ومنع الصّلاة والأذان فيه لبعض الوقت؛ وتكرار اقتحامه بطريقة بالغة في الهمجيّة وتكسير نوافذه وإطلاق الرصاص الحيّ والمطاطيّ والقنابل على المعتكفين فيه؛ نشهدُ حالةً من التّطبيعِ النّفسي مع الأحداث الصّادمة والجرائم التي تستهدف حرمته ووجوده.

حالةُ التّطبيع النّفسيّ هذه تتجلّى في ردود الأفعال الشّعبيّة التي لم تكن أحسن حالًا من ردود الأفعال الرسميّة على الجريمة المستمرّة.

التّخدير باسم المجموع

فور حدوث انتهاك لحرمة المسجد الأقصى المبارك سرعان ما يهرب المرء من مسؤوليّته الفرديّة الشخصيّة بالتّركيز على المسؤوليّة الجماعيّة فتتصاعد الصّيحات؛ ‏أينَ الأمّة؟ أين الحكّام؟ أين العلماء؟ أين الجماعات الإسلاميّة؟ أين المسلمون؟

ويكون الهروب أحيانًا إلى التّاريخ من خلال السّؤال الاستجدائيّ أين أنت يا عمر؟ أينَ أنت يا صلاح الدّين؟

وتبدأ بعدها الهجائيّات وحملات ذمّ وهجاء الحكام الخونة المفرّطين، والأمّة الغافلة النّائمة، والجماعات الإسلاميّة المنشغلة بخلافاتِها وصراعاتِها عن قضيّتها الأساسيّة، والمسلمين الغارقين في الأهواء والشّهوات.

ولا يكادُ يخلو منبرٌ شخصيّ أو مسجديّ أو إعلاميّ من هذه الصّيحات الصّادقة المخلصة التي تعبّرُ عن حرقةٍ حقيقيّة.

ولكن في غمرة الغرق في هذه الأسئلة عن الجميع من حكّام وعلماء ومسلمين واهنين وأمّةٍ نائمة يغيب السّؤال الأهمّ عن المتحدّث وهو أين أنا؟!

أينَ أنا من هذا الذي يجري؟! فإن غاب الحكّام والعلماء والأمّة والمسلمون؛ فهل أنا قد حضرت؟! ولئن ناموا فهل أنا قد استيقظت؟!

يغدو الحديثُ المتكرّرُ عن مسؤوليّة الأمة والحكّام والعلماء والجماعات الإسلاميّة ضربًا من التّخدير الفعّال للتّحلل من المسؤوليّة الفرديّة الذّاتيّة الشّخصيّة تجاه ما يجري للمسجد الأقصى المبارك من عدوان مستمر وجرائم متصاعدة.

إنَّ تحميلَ هؤلاءِ جميعًا مسؤوليّاتهم أمرٌ ضروريّ، غيرَ أنَّ هذا يجعل كثيرًا من الذين يفرغون شحنات سخطهم الصّادقة بإنزال جام غضبهم على الآخرين يبرّئون أنفسهم إذ لا يلتفتون إلى مسؤوليّاتهم الشّخصيّة.

فالمرء الذي لا يبدأ باتّهام نفسه، والتّفكّر في مسؤوليّته الفرديّة الشخصيّة والبحثِ عن آليّات القيام بواجبه الشّخصي؛ لن يبرّئه من تقصيرِه أن يقصّرَ الجميع ولن يعفيه من مسؤوليّته تخلّي الآخرين عن مسؤوليّاتهم.

وإنّ إيمان المرء بنفسه وقدراته هو مفتاح إيمانه بمسؤوليّته الفرديّة، وإنَّ اقتناعه بحاجة المسجد الأقصى له كحاجته إلى كلّ طاقةٍ أخرى هو من أهمّ عوامل إحياء المسؤوليّة الفرديّة في نفس الإنسان، ولله درّ عليّ رضي الله عنه إذ يقول:

دواؤك فيك وما تُبصرُ

وداؤك منك وما تَشعرُ

 

وتحسبُ أنك جِرمٌ صغيرٌ

وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ

المسؤوليّة الفرديّة الشّخصيّة نقطة الانطلاق

إنّ وعي المرء بمسؤوليّته الفرديّة، وابتداءه بنفسه في السّؤال عن الواجب والدّور المطلوب هو نقطة الانطلاق للخروج من حالة الرّكود العامّة في التّفاعل مع الجرائم الصّهيونيّة تجاه المسجد الأقصى.

كما أنّه المرتكز الأساسيّ للتّخلّص من ردّات الفعل المشحونة بعاطفةٍ فوّارةٍ سرعان ما تخبو، كما تخفّ وتيرتُها مع كلّ رجّةٍ جديدةٍ كما في المياه الغازيّة.

إنّ الوعي الحقيقيّ بالمسؤوليّة الفرديّة الشّخصيّة تجاه المسجد الأقصى هو الذي يحوّل العاطفة الجيّاشة إلى وقودٍ محرّكٍ لفعلٍ دائمٍ يمكن أن يتمدّد مثل نقطة حبرٍ إذا وقعت في كوب ماء.

إنّ استشعار المرء مسؤوليّته الفرديّة تجاه المسجد الأقصى المبارك هو علامة يقظةٍ وحياةٍ حقيقيّة، فالمرء الذي يعتقد أنّ المسجد الأقصى يستغيثه هو ويناديه باسمه قبل أن يعتقد أنّه يستغيث الآخرين هو الشّخص القادر على الفعل والبذل والتّغيير.

وقد صدق طرفة بن العبدِ في تعبيره عن ذلك بقوله في معلّقته الشّهيرة:

إذا القومُ قالوا مَن فَتًى؟ خِلتُ أنّني

عُنِيتُ فلمْ أكسَلْ ولم أتبَلّدِ

حدود المسؤوليّة الفرديّة الشّخصيّة

إنَّ مسؤولية الفرد تتفاوت بحسب موقعه ومكانته وتأثيره وعمله ووظيفته وخبرته وعلمه وعلاقاته؛ فكلّما كانت الإمكانات أكبر كانت المسؤوليّة الفرديّة أعظم، وكلّما كانت المكانة والموقع أقوى كانت المسؤوليّة أكبر.

ولا يُعفى أحدٌ من المسؤوليّة، ولا يُعذَر في التّقصير، وقد بيّن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حدود المسؤوليّة الفرديّة في الحديث الصحيح "كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته" فخدمة قضيّة المسجد الأقصى فرديًّا تبتدئ في حدود مسؤوليّة المرء؛ المسؤوليّة الشّخصيّة والمسؤوليّة الأسريّة والمسؤوليّة الوظيفيّة والمسؤوليّة التربويّة والمسؤوليّة السياسيّة وغير ذلك من المسؤوليّات.

فالمسؤوليّة الفرديّة إذن تتناسب طردًا مع القدرة على التّأثير، فكلّما كانت مسؤوليّة الفرد أكبر وتأثيره أوسع في محيطه ومجتمعه وبيئته وفي وسائل التّواصل الواقعيّة والافتراضيّة؛ كانت مسؤوليّته الفرديّة الشّخصيّة أكبر في إحياء قضيّة المسجد الأقصى وإبقاء جمرتها متقدة في نفوس من يؤثّر بهم، والبحث عن الآليّات العمليّة المعنويّة والماديّة التي يمكنه من خلالها إحداثُ فرق في هذا الواقع الرّاكد.