icon
التغطية الحية

ما بين التعاطف واللاغفران: فيلم"النجاة من سجون سوريا" يعالج معضلة الناجي والسجان

2025.06.11 | 18:43 دمشق

آخر تحديث: 2025.06.11 | 18:45 دمشق

شادي هارون يزور سجن حرستا الذي نجا منه أيام نظام الأسد البائد
شادي هارون يزور سجن حرستا الذي نجا منه أيام نظام الأسد البائد
The Guardian - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يسلط الفيلم الوثائقي لسارة عبيدات الضوء على معاناة السجناء في سوريا، مثل شادي وهادي هارون، الذين تعرضوا للتعذيب والاعتقال في سجون النظام السوري، موضحًا الظروف القاسية كالاكتظاظ والتعذيب الجسدي والنفسي.
- يتناول الفيلم دور النظام السوري في قمع المعارضة باستخدام العنف المفرط والاعتقالات التعسفية، ويبرز تدريب الجنود على قمع السجناء وتجريدهم من إنسانيتهم.
- يقدم الفيلم دراسة حول بقاء الاستبداد، مع التركيز على خيارات الجنود للانشقاق أو الهرب، ويوازن بين التعاطف مع الجناة وعدم تبرير أفعالهم، مما يثير تساؤلات حول المسؤولية والمحاسبة.

كانت أول عبارة قيلت عند سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024 هي: ما هذا الزمن التعيس الذي نعيش فيه؟ لأن ما حصل خلال الحرب السورية يجب أن يندى له جبين العالم بأسره، وذلك لأن هذه المرحلة تمثل بقعة مظلمة تدفع البشرية للتفكير بالأمور المريعة التي يمكن للإنسان أن يرتكبها، ولكن مع كل هذا التدمير والاضطهاد والظلم، يبقى المرء بانتظار المحاسبة. ولذلك فإن الفيلم الوثائقي المرعب والمدروس بعناية والذي قدمته سارة عبيدات يخطو تلك الخطوة المهمة نحو فهم ماهية الرعب ومحاولة تفسيره.

مع وصول مظاهرات الربيع العربي إلى سوريا خلال عام 2011، نظم شادي هارون وشقيقه هادي مظاهرات حلموا بإسقاط الأسد من خلالها، وعندما انتهت المظاهرة بإطلاق السلطات النار على الجموع، وباعتقال من نجا من الرصاص، أمضى شادي مدة في السجن، وبعد مرور عدة أشهر على إخلاء سبيله، أخذت أسرته تتوسل إليه وتطلب منه ألا يتابع نشاطه في هذا المجال، لأنهم كانوا يعرفون عواقب ذلك. غير أن شادي رأى بأم عينه مدى العنف والفساد الذي وصلت إليه الدولة في سوريا، والتي لم يعد هنالك مفر من محاربتها، ولهذا كثف هو وشقيقه هادي جهودهما، فكان جزاؤهما عشر سنوات أمضياها في سلسلة من السجون التي تبطش بنزلائها.

تعود عبيدات بالشقيقين هارون إلى حرستا، وتحديداً إلى بناء يقع على تخوم مدينة دمشق يخضع لإدارة المخابرات الجوية التي يهابها الكل، يشير الشقيقان إلى حواف النوافذ العالية حيث كان النزلاء يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مساحة ليناموا فيها، لأن 400 نزيلاً كانوا يحبسون في غرفة لا تتجاوز مساحتها 10× 8 أمتار. كما أشار الشابان للأنابيب التي تمتد عند السقف ضمن الممر الضيق حيث كان السجناء يصفدون لمدة 72 ساعة بلا أكل، وذلك قبل بدء عمليات "الاستجواب" التي لم تكن سوى جولات ضرب مبرح.

قلوب لم تخذل أصحابها

بعد خروجهما سالمين من حرستا، نقل الشقيقان إلى مكان أسوأ، ألا وهو سجن صيدنايا المعروف بالمسلخ البشري، حيث قدرت منظمة العفو الدولية بأن 13 ألفاً أعدموا خلال فترة أربع سنوات فحسب، كما أن الاعترافات التي تنتزع عبر التعذيب قد تؤدي إلى إصدار أحكام بالإعدام صادرة عن محكمة ميدان عسكرية صورية. بيد أن معظم السجناء لم تطل بهم الأمور ليصلوا إلى ذلك الحد، إذ كانت حالات "توقف القلب والتنفس" تسجل على أنها السبب الرسمي لوفاة من لم ينج من الانتهاكات الجسدية. حصلت عبيدات على صور لبعض تلك الجثث التي ظهرت عليها رضوض وكدمات تمنع الأهل من التعرف على أصحابها، أي أن قلوب هؤلاء الناس لم تخذلهم في ذلك الظرف الصعب، بل ثمة شيء آخر تسبب بوفاتهم.

The Guardian

الزنازين في سجن صيدنايا

تثير شهادة شادي وهادي حالة من الصدمة كما تعتبر مؤثرة لدرجة لا يمكن للذاكرة أن تمحوها، إذ يروي لنا هادي بأن سماعه لصوت شادي وهو يصرخ كان أسوأ بالنسبة له من تعرضه هو نفسه للتعذيب، ولهذا صار عندما يسمع صوت أخيه وهو يصرخ، يبدأ بالصراخ هو الآخر وذلك حتى يحل محل شقيقه في التعذيب. وفي وصفه لغياب إحساس السجين بالزمان والمكان، يخبرنا كيف صار يتخيل مخصصات البرغل التي تقدم للسجناء على أنها فروج بروستد شهي وهذا ما جعل الشبان الذين تغص الزنزانة بهم يحتفظون بقواهم العقلية لبضعة أيام أخرى.

"الحكم على النفس بالإعدام"

لم يكتف الفيلم بتوثيق ما عاناه ضحايا الأسد، بل يتساءل عمن ألحق الأذى بهم، وكيف استطاع هؤلاء الجلاوزة القيام بذلك؟ ولمعرفة الجواب على تلك الأسئلة، تتبع عبيدات عدداً من عساكر النظام الذين خدموا في السجون، ليحدثونا عن عملية غسل الدماغ التي عاشوها في المدارس وخلال فترة خدمة العلم، كما يخبروننا كيف كانوا يجردون من ثيابهم ويضربون خلال الفترة الأولى من انضمامهم لنظام الأسد، ليكون ذلك بمثابة تحذير لما يمكن أن يحدث لهم إن لم يطيعوا الأوامر. ثم إنهم كانوا يعطون السجين رقماً ليصعبوا على أهله أمر تعقبه ومعرفة مكانه، كما نظموا عمليات حفر قبور جماعية، إذ يتحدث أحد الضباط كيف يصبح السجناء "كتلة واحدة.. ويصبح كلهم سواء"، في حين يحدثنا ضابط آخر عن إحساسه بالذنب الذي يختفي بمجرد أن يتذكر بأن إبداء أي شفقة تجاه السجين يعني بأنك قد: "حكمت على نفسك بالإعدام".

The Guardian

الرقيب عمر.. ضابط سابق في المخابرات الجوية

توازن درامي صعب

يقدم هذا الفيلم دراسة مهمة حول الطرق التي يحافظ الاستبداد والشمولية على بقائهما من خلالها، كما يدرس إحساس الطغاة والظالمين الذين يداهمهم إحساس بالخوف عندما يدركون بأنه ما من خيار آخر أمامهم، فيغدون طغاة عتاة تماماً كهؤلاء الذين يمارسون دور الطاغية بكل سرور. وهذا لا يعني إيجاد مبرر أو عذر لهم، لأن هادي ذكر وبكل هدوء بأن خيار الانشقاق أو الهرب كان متاحاً أمامهم، بصرف النظر عن المخاطر التي كانت تحيق بهذا الخيار، وبذلك يخلق هذا الفيلم حالة توازن صعبة، وذلك عندما يظهر تعاطفاً تجاه الجناة من دون أن يعفو عنهم.

ولعل المستنقع الذي غرقت فيه سوريا أبعد بكثير من فكرة السعي للحصول على غفران بني البشر، فحسام، وهو ضابط سابق في سجن صيدنايا، بقي يتجنب النظر في المرآة على مدار ثلاث سنين لأنه لم يستطع تحمل فكرة رؤيته لنفسه، يتذكر التقليد الذي كان يتبعه هو وزملاؤه صباح كل أربعاء، وهذا التقليد ما هو إلا "حفلات الإعدام"، إذ في إحدى تلك الحفلات، لم يمت أحد السجناء الذين علقوا من رقابهم، ولهذا طُلب من حسام أن يتدخل وأن يتمم عملية الشنق وذلك عبر شد السجين من ساقيه نحو الأسفل، وهذا ما مكنه من سماع الكلمات الأخيرة التي نطق بها السجين الذي يقول عنه: "قبل أن يموت قال عبارة واحدة وهي: "سأخبر الله بما فعلتموه".

 

المصدر: The Guardian