ما بين أستـانا والغوطة هذا المطر من ذاك الغيم

تاريخ النشر: 24.03.2018 | 11:03 دمشق

ما جرى ويجري في الغوطة الشرقية منذ 18 من شباط – فبراير 2018، لم يكن سابقة أولى على الأرض السورية، بل هي حلقة في سلسلة من العمليات المشابهة.

لقد بدأت العملية الأولى من مدينة القصير في محافظة حمص عام 2013 بعد ترحيل أهلها، واغتصاب ميليشيا (لواء الرضا) الشيعية لتلك البلدة، ثم لحمص القديمة في 2014، ثم “داريا” في آب/ أغسطس 2016 بعد أربع سنوات من الحصار، ثم معضمية الشام في 9 من تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وفي نهاية عام 2016 رُحّل نصف سكان مدينة حلب (حلب الشرقية)، وفي 4 من نيسان/ أبريل 2017 تمت عملية إجلاء سكان المدن الأربع (كفريا – الفوعة – الزبداني – مضايا)، وفي 8 من أيار/ مايو 2017 هُجّر أهالي حي (برزة) الدمشقي.

في مقابلة مع وكالة (فينيكس) الصينية في 16 من آذار/ مارس 2017  أفصح بشار الأسد أنه لا يعوّل على مرجعيات جنيف مطلقًاً،

تخفيف حدّة التوتر أو التصعيد” في بعض مناطق النزاع بديلًا عن مفاوضات جنيف

وأن البديل هو (الهُدن المحلية) التي تبرمها قواته مع السكان والمقاتلين المُحاصرين، وبعد انتهاء لقاء (أستانا 4) وظهور مخرَجاته التي لم تكن إلّا تكريسًاً لنهج التهجير والترحيل القسري والاستئصال الفعلي للمقاومة، بادر وزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم، في مؤتمر صحفي يوم 8 من أيار/ مايو 2017، إلى عدّ مفهوم “تخفيف حدّة التوتر أو التصعيد” في بعض مناطق النزاع بديلًا عن مفاوضات جنيف، وأكد رفض النظام المطلق لوجود أي قوة عسكرية دولية رقابية، مشيراً بذلك، بوضوح، إلى رفض النظام المسبق لفكرة إقامة مناطق آمنة.

وفي موازاة ذلك كان ثمة حرص شديد ومثابرة من جانب المعارضة السورية المسلحة وعدد من أعضاء الكيانات السياسية الرسمية على المواكبة والالتزام ببرنامج أستانا الذي هندسته روسيا كخطوة إجرائية لاحتواء وترويض الفصائل العسكرية وانتزاعها من حاضنتها الشعبية، ومن ثم تشتيتها وتذويبها من خلال الوعود الزائفة حيناً والترهيب أحياناً أخرى، ولعلّ المبرر الأبرز الذي تذرعت به المعارضة حيال مشاركتها في لقاءات أستانا هي الرغبة في تخفيف حدة العنف ورفع المعاناة عن السوريين الذين يقصفهم نظام الأسد كل يوم، علماً أن روسيا رفضت رفضاً مطلقاً منذ لقاء أستانا الأول أن تعطي الجانب السوري المعارض أي وعد مكتوب أو موثق يتضمن وقفا لإطلاق النار على المناطق المشمولة بخفض التصعيد.

يتضح جيداً مما سبق أن التوازي الحاصل بين مسار أستانا ومسلسل العمليات التي تبدأ بالحصار فالإبادة ثم الترحيل القسري المقرون بإصرار نظام الأسد على المضيّ في الحل الأمني، ليس من قبيل التخاطر في الأحداث أو الصدفة العابرة، بل هو مسار مدروس ولا يحتمل المزيد من التأويلات أو التكهنات، ولعل المآلات الراهنة للواقع الميداني تعزز القناعة لدى الكثير من السوريين بأن نظام الأسد وحلفاءه الروس والإيرانيين كانوا أكثر انسجاماً ووضوحاً في مسعاهم الرامي ليس إلى استهداف المقاومة المسلحة فحسب، بل الاستئصال الكامل لكافة أشكال المقاومة والتنكيل بالحاضنة الشعبية للثورة، إذ إن العدوان الجوي الذي بدأته حكومة بوتين منذ أواخر أيلول 2015 مستهدفاً فصائل الجيش الحر دون سواها، موازاة مع الانكفاء التام للنظام عن أي مشاركة جدية في مفاوضات جنيف كان كافياً لإبلاغ جميع السوريين بماهية مسعى النظام وحلفائه، وحدهم الذين لم يفهموا هذا البلاغ، أو أنهم تجاهلوه هم المفاوضون من المعارضة السورية(سياسيين وعسكريين)،ولعلّها ليست من التباينات النادرة أن نرى نجوم أستانا من قادة الفصائل يتحولون بجرّة قلم إلى إرهابيين يجب استئصالهم(جيش الإسلام وممثله محمد علوش نموذجاً).

ليس ثمة ما يوجب الشعور بالإثم أو الإحساس بفداحة الأخطاء لدى معظم العسكريين او السياسيين الذي واظبوا على الحضور والمشاركة في لقاءات أستانا، وليس ثمة ما يلزم هيئة التفاوض والائتلاف بالشعور بالمسؤولية حيال المآلات المأسوية لما حل بالغوطة الشرقية وسواها من المدن والبلدات السورية سوى البراعة التي يظهرها هؤلاء جميعاً حين يتحدثون بحماس وانفعال شديدين أمام وسائل الإعلام عن الصمت الدولي الذي يصل إلى حدّ التواطؤ، وعن عطالة مجلس الأمن، وغياب الدور الأمريكي الذي أتاح للروس الاستفراد بالملف السوري، وعن وحشية النظام وإيغاله باستخدام العنف وعن وعن ....،

حيازة القرار الوطني وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية هو الحامل الجوهري لنجاح أي قيادة تدّعي تمثيل السوريين

ولعل الحديث المكرر عن هذه الظواهر كفيل بإعفائهم من المسؤولية عن مآل مؤلم كان لهم دور كبير في إيجاده. وهم حين يسهبون بالحديث عن دور العامل الإقليمي والدولي في تعقيد القضية السورية يجهلون أو يتجاهلون أن صراع المصالح الإقليمية والدولية هي على سورية وليست من أجل القضية السورية، وكذلك يتجاهلون أن المضامين الجوهرية لثورة السوريين باتت غائبة عن مشهد الصراع القائم في سورية، بل الحاضر الرئيسي في الصراع هو المصالح القريبة والبعيدة للأطراف المتصارعة، مؤكدين – في الوقت ذاته – ومن خلال ولاءاتهم واستزلامهم للأطراف النافذة في سورية، أنهم – ومنذ نشوء كياناتهم – إنما يمثلون مصالح الأطراف المتنازعة على الأرض السورية وليس العكس، في وقت كان يدرك فيه السوريون أن حيازة القرار الوطني وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية هو الحامل الجوهري لنجاح أي قيادة تدّعي تمثيل السوريين.

وكما هو الحال، تعليق الفشل على مشجب المؤامرة لا ينفي وجودها، ولكن الوقوف عندها وتجاهل أدواتها ومسبباتها، يحيلنا إلى استبطان الخطاب الرسمي القومجي الذي طالما أحال كل مصائب الأمة العربية إلى الصهيونية والامبريالية متناسياً جميع أشكال العهر الذي تمارسه السلطات الحاكمة بحق شعوبها.

مئات الآلاف من الشهداء في سورية والملايين من المشردين والمهجرين وغياب الإرادة الوطنية وكل الخراب الذي حل في سورية خلال سبع سنوات يمكن إيجاد مسوّغات لحدوثه لدى قادة المعارضة السورية، فقط وحده الاعتذار للسوريين والشجاعة الأخلاقية التي توجب الاعتراف بالخطأ هو ما لا يمكن إيجاد مسوّغ له.

وعلى حدّ قول نزار:(سنوات سبع من الحزن مرت)، ولكن لن يغتال اليأس أملاً انبثق في نفوس السوريين منذ آذار 2011 وهيهات أن ينطفئ.