ما بعد هجمات أرامكو: اتفاق دولي مع إيران

تاريخ النشر: 27.09.2019 | 00:09 دمشق

شكلت الهجمات التي طالت المنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو السعودية فرصة دولية للانقضاض المشروع والمبرر على إيران، إذ إنه من الصعب التشكيك في نسبتها إلى طرف آخر.

لم تكن مسارعة الحوثيين بعد فترة من وقوع الهجمات إلى تبنيها، والإعلان في الوقت نفسه، عن توقف الأعمال العسكرية ضد السعودية، تصرفا عشوائيا أوتخوفا من ردة فعل سعودية ودولية تتناسب مع حجم العملية الضخم، بل تظهر قراءة مسارات التعامل مع الهجمات أن السلوك الحوثي منسجم مع طبخة سلام مع إيران، يجري إعدادها بين أميركا والأوروبيين.

تركيب خطاب ردة الفعل كشف عن جملة مفارقات لافتة إذ أن السعودية عمدت إلى إظهار مدى قدرتها على احتواء الخسائر، ومنع تأثيراتها على الإمدادات النفطية العالمية وإنتاج النفط وأسعاره، تبعتها في ذلك الولايات المتحدة الأميركية.

خطاب التعافي يعلن عن نوع  تعامل خاص بين إيران والعالم تمنح بموجبه الحق في الاستهداف، بينما يقتصر رد العالم عليها في استيعابه، وإظهار القدرة على التعافي منه بأسرع وقت ممكن.

ما تجلى بعد هذه الضربة يكشف عن مسارات لا تبدو اعتباطية على الإطلاق، وكأنها ذروة تصعيدية قصوى تمثل اللحظة التي تسبق الاتفاقات والتفاهمات.

تعتقد أميركا، وتجر أوروبا إلى تبني الموقف نفسه، أن لحظة الهجوم على أرامكو

المجال قد بات مفتوحا لتطبيق مفاعيل الرؤية الترامبية لكيفية الاستفادة من الصراعات والحروب، والقائمة على تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح من دون أي تدخل ميداني

حققت التوازن بين تأثير العقوبات المالية الضخمة المفروضة على إيران وبين الأكلاف الأمنية والمادية الهائلة التي تدفعها السعودية جراء خوضها الحرب ضد الحوثيين في اليمن.

من هنا فإن المجال قد بات مفتوحا لتطبيق مفاعيل الرؤية الترامبية لكيفية الاستفادة من الصراعات والحروب، والقائمة على تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح من دون أي تدخل ميداني.

يتطلب تطبيق هذه الإستراتيجية وصول الأطراف المتصارعة إلى لحظة إنهاك قصوى بشكل متوازن، ما يوحي بأن التفاصيل المريبة المرتبطة بشكل الهجمات على منشآت أرامكو وطبيعتها ليست سوى جزء من خريطة تفاهمات كبرى، تتوافق على تفعيل العمل على إنجاحها منظومة دولية، تضم الأميركيين والروس والأوروبيين.

النظر إلى خريطة المواقف الدولية من الهجوم يمنح هذه التحليلات وجاهتها، فبعد أوصاف الخسة والدناءة والخطر الدولي، وتهديد اقتصاد النفط العالمي الصادرة عن شخصيات أوروبية وأميركية، يخرج وزير الخارجية الأميركي الذي يوصف بأنه أبرز صقور الحرب على إيران، ليعلن عن الاستعداد للتوصل إلى تفاهم مع إيران إذا كانت مستعدة لذلك.

يعني ذلك قبل كل شيء أن ضربات أرامكو وإن كانت قد نفذت ميدانيا عبر إيران وميليشياتها، إلا أن الطرف الذي خلق الظروف المناسبة لنجاحها، ليس طرفا إقليميا بل دولة كبرى.

يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك والتأكيد على أن مثل هذه الهجمات ما كانت لتتم لولا أنها حصلت على نوع من إجماع دولي ما، طبخ في الظلام بهدف تهيئة مخارج من مآزق كبرى يمكن أن تحدث في حال اندلعت حرب مفتوحة وجدية بين السعودية وإيران.

مثل هذه الحرب في حال وقعت ستكون بلا ضوابط ولا قوانين، وستجبر كل المنظومة الدولية على اتخاذ قرارات ومواقف شاقة ومكلفة وغير مضمونة.

جاء تنظيم ضربات أرامكو ليضع حدا لسيناريو الحرب ويفتتح مسار السلام مع إيران، ولكن الخطورة تكمن في عدم تكافؤ موازين الربح والخسارة بينها وبين السعودية وسائر دول المنطقة داخل منظومة السلام المنشودة.

ستكون إيران ليست ناجية وحسب، بل منتصرة، وذلك لأسباب عديدة أبرزها أنها حققت الفصل بينها وبين ميليشياتها المنتشرة في الخارج مع الحفاظ على ولائها لها، فقد باتت هذه الميليشيات تتمتع باستقلال ذاتي، وقدرة على تأمين تمويلها الخاص من السطو على موارد الدول، وشبكات التهريب وتبييض الأموال المنتشرة في كل بقاع الأرض. يضاف إلى ذلك أن نفوذها الميداني في سوريا لم يعد يحمل طابعا ميليشويا بل بات منظما في إطار منظومة التنافس والتفاهم مع روسيا وتحت ظلال اتفاقات تجارية تحظى بشرعية تتكامل مع شرعية يفرضها واقع امتلاكها لجمهور منتشر في عدة مناطق سورية.

الأمر نفسه ينطلق على لبنان إذ إن سيطرة إيران عليه لم تعد مجرد عملية تغلب تحت سطوة السلاح بل تحولت إلى الشرعية اللبنانية التي تنطق بلسان الحزب في المؤتمرات والمحافل الدولية بوصفها التعبير النهائي عن إجماع لبناني، لا تستطيع محاولات بعض الأطراف اللبنانية التمايز عنه أو أن تغير فيه شيئا.

من ناحية أخرى لا ينطبق الربح من معادلة السلام على حسابات السعودية لأنها ستكون ناجية وحسب، وحتى أن قدرة إيران على تهديدها لن تزول بل ستكون مرشحة للتمادي.

ما ستربحه السعودية يقتصر على الحفاظ الشاق على النظام القائم حاليا، وتمكينها من متابعة مشروع التحديث الرامي إلى تشبيك بنية الاقتصاد السعودي مع الاقتصاد العالمي، بما يفترضه ذلك من إعادة انتاج صعبة لنمط الحياة السعودي وتعديلات تطال البنى الاجتماعية والتقاليد السائدة فيها.

سيمنح السلام السعودية الفرصة لتعزيز مكانتها الاقتصادية بعد فترة تحتاجها للتعافي من الأكلاف المادية الكبرى للحرب اليمنية. المدى الأوسع لهذا النشاط

إيران ستتحول بالسلام إلى شريك استراتيجي للمنظومة الدولية وإلى دولة قائدة في المنطقة لا يمكن تجاوز مصالحها ورؤيتها

لن يتجاوز حدود القدرة على تمكين حضور النظام السعودي في الداخل وتنظيم علاقته بالعالم انطلاقا من هذا الهدف الذي يحتاج دائما إلى خلق شبكة حماية أميركية ودولية لا تقتصر كلفتها على التبعات المادية وحسب بل تتجاوز ذلك إلى المكانة والدور والحضور.

إيران ستتحول بالسلام إلى شريك استراتيجي للمنظومة الدولية وإلى دولة قائدة في المنطقة لا يمكن تجاوز مصالحها ورؤيتها، بينما لا يمكن أن ينتج سلام تحقق بعد تعرض دولة لضربة عسكرية سوى مفاعيل الهزيمة والاستسلام وما يستجره الأمر من تبعات قد تتجاوز مخاطر الحرب المباشرة.

مفهوم السلام مع إيران كما يروج له حاليا وضمن منطق انعدام التوازن الحالي سيؤسس للحرب، إلا في حال تمت موازاة الفعل الحربي ضد السعودية بما يوازيه في الجانب الإيراني، وهو ما يبدو مستبعدا في ظل سياسة الاكتفاء بحرب العقوبات المالية.

نقع إذن بين احتمالين فإما سلام غير متوازن يحول إيران إلى دولة قائدة في المنطقة تحظى بشرعية دولية، وتشكل جزءاً من منظومة الأمن الاستراتيجي الدولي، وإما حرب مفتوحة لا يمكن لأحد التحكم بمساراتها وتحديد شبكة امتداداتها وتوقع نتائجها.

"دخل الجمهور والفرقة بقيت في الخارج".. فيديو من حفل فيروز بمهرجان بصرى في درعا
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
حلب.. إجراءات جديدة للحد من انتشار فيروس كورونا
تسجيل 18 إصابة بفيروس كورونا في مدارس حماة
مسؤول طبي سوري: الوضع الاقتصادي لا يسمح بإغلاق جزئي لمنع انتشار كورونا