ما بعد نتنياهو: حرب على حزب الله في لبنان

ما بعد نتنياهو: حرب على حزب الله في لبنان

الصورة
12 نيسان 2019

شادي علاء الدين

صحافي وكاتب ومعد برامج تلفزيونية لبناني

لم يكن فوز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية سوى استكمال لسياقات كبرى تتضح معالمها يوما بعد يوم. هذا الفوز المتوقع والمسبوق بمجموعة من الهدايا الأميركية والروسية في ما يخص القدس والجولان، وتسليم رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل، وما تلاها من تصنيف أميركا للحرس الثوري الإيراني  للمرة الأولى كمنظمة إرهابية، يفتح على المرحلة التالية المتعلقة بالحرب العسكرية على إيران وحزب الله.

استعمال إيران للمجال اللبناني بوصفه مستودع ذخيرة وصواريخ ليس جديدا، ولكن النظر إلى هذا الأمر والتعامل معه يشهد تطورا لافتا

طبول الحرب على حزب الله في لبنان وفي المنطقة لا بد أن تقرع قريبا، لأن النتائج المتوقعة منها قد تكون ميالة إلى الحسم أكثر من أي وقت مضى

لناحية تقدير الخطر المترتب عليه على أمن إسرائيل، كما أن تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية يعني أن موضوع إيران وأذرعها قد بات جزءا من منظومة الأمن الأميركي. تاليا فإن جملة المحاذير التي كانت تتعلق بتحفظات أميركية حول قيام إسرئيل بإجراءات رادعة قد سقطت.

يشير هذا المناخ إلى أن طبول الحرب على حزب الله في لبنان وفي المنطقة لا بد أن تقرع قريبا، لأن النتائج المتوقعة منها قد تكون ميالة إلى الحسم أكثر من أي وقت مضى. لم يسبق أن تيسر لإسرائيل مثل هذا المناخ الذي يعطيها الضوء الأخضر الأميركي المرفق بتفهم روسي وتغطية عربية.

جدية مشروع الحرب انعكست على تعامل حزب الله مع المسائل الداخلية ونزوعه إلى التهدئة وتمرير المشاريع، فيلاحظ أن نبرة الحرب على الفساد العالية بما تعنيه من اصطدام مع باقي المكونات قد انخفضت، كما شهدت الحكومة حاليا ورشات عمل لإنفاذ خطط الكهرباء، والعمل على استيلاد موازنة والسعي إلى تطبيق الشروط التي تتيح الشروع في تطبيق مؤتمرات الدعم الدولية من قبيل مؤتمر سيدر وغيره.

يتعامل حزب الله مع المؤشرات التي تشي بنضوج ظروف الحرب الجدية ضده في لبنان بتقديم مشهدية بلد يتعافى، ويمتلك بنية مؤسساتية وينسجم مع المعايير الدولية، ولكن لا أحد في العالم مستعد لتصديق هذه الكذبة بعد الآن فقد أبرزت زيارة وزير الخارجية الأميركي بومبيو الأخيرة مدى التصاق الدولة بحزب الله. تاليا فإن عملية الفصل المستحيلة بينهما تعني أن المشهدية التي تقدم بوصفها مشهدية دولة وبناء واستثمار لا تعدو كونها في نظر العالم، وحتى بالنسبة لأقدم أصدقاء لبنان مثل فرنسا، سوى مشهدية تمكين لسيطرة حزب الله وتغطية عليها.

بناء على هذا الواقع المستجد، وبما أن الدولة اللبنانية قد أعلنت رسميا أن حزب الله جزء منها، لا بل ذهبت تصريحات المسؤولين الكبار الذين التقوا بوزير الخارجية الأميركي في زيارته الأخيرة إلى الدفاع عنه، فهذا يعني أن المحرمات التي كانت تتهيب ضرب حزب الله لما في ذلك من أثر على الدولة قد سقطت، وأن الدولة قد أعلنت نفسها رسميا أنها ليست سوى حزب الله.

هكذا فإنه لم يعد أمام أي طرف من حجة للدفاع عن لبنان أو رد السيناريوهات المرعبة المرسومة له، وكان لافتا أن إسرائيل في الفترة السابقة اجتهدت في تصوير لبنان وكأنه دولة مارقة لا تحترم الاتفاقيات والمعاهدات، ونجحت في ذلك من خلال تصويرها موضوع الأنفاق على أنه خروج على اتفاقات كان لبنان قد وقعها وصادق عليها.

حاليا يمسك حزب الله بالدولة ويلوح بها في وجه العالم قائلا له أنا هنا أو ربما يقول هذا أنا، ولكن تحت الصورة الزاهية لدولة تحاول استعادة عافيتها تجري الأنفاق ومعامل الصواريخ وتتمدد، وكأن حزب الله يعلن مشروعا للتفاوض عنوانه الحفاط على المشهد المزيف الذي فوق مقابل غض النظر عن استهداف عالمه التحتاني السفلي.

هذه المقايضة لم تعد تثير سوى السخرية فصواريخ الحزب لم تعد مشكلة إقليمية فقد أدرجت في إطار الحرب على إيران، والتي باتت متحركة على امتداد

حربا إسرائيلية عليه في لبنان وسوريا لم تعد تحمل معنى محدودا، بل إن إسرائيل نجحت في انتزاع تكليف بتنفيذ مهمة ذات طابع دولي

الخريطة الدولية، وتدخل فيها الأطراف الأكثر قوة وفاعلية في العالم وفي المنطقة، فعلى سبيل المثال لا يمكن النظر إلى تدفق الأموال السعودية إلى العراق إلا من خلال منظور الحرب على نفوذ إيران.

من هنا فإن المقاربات المحلية والإقليمية لمسألة صواريخ حزب الله لم تعد ناجعة، فلاصفقة يمكن أن تطرح عليه انطلاقا من خصوصيات مرتبطة بهذين المجالين، ولذا فإن حربا إسرائيلية عليه في لبنان وسوريا لم تعد تحمل معنى محدودا، بل إن إسرائيل نجحت في انتزاع تكليف بتنفيذ مهمة ذات طابع دولي، وهذا تحول خطير يجب إدراجه في الحسبان.

بعد ذلك كله يبقى السؤال هل يحتمل لبنان كلفة ضرب حزب الله والتي تشير مقدماتها إلى بوادر انهيار مالي تتجلى أولى معالمه في رفع الفائدة على القروض المصرفية بنسبة خمسين في المئة؟

لقد سمحت القوى السياسية جميعها لحزب الله أن يكون البلد وأن يختصره، واجتهدت في أن تنتزع لنفسها مواقع في سلطة بائسة من خلاله، ما أسس لمقاربة دولية تعتبر أنه لا تمايز ممكنا بين البلد وبين الحزب. هكذا انفجرت مفارقة من ماركة شر البلية ما يضحك، مفادها أن دفاعنا الآن عن البلد سيتحول تلقائيا، وعلى الرغم من أنوفنا، إلى دفاع عن حزب الله.

شارك برأيك