مع انتهاء الحرب في سوريا والدخول في مرحلة البحث عن الاستقرار، يبرز مجدداً ملف جرحى الحرب وتداعياتها الإنسانية، حيث خلّفت سنوات الحرب عشرات الآلاف من المصابين الذين فقدوا أطرافهم أو قدراتهم الجسدية، نتيجة القصف والألغام والرصاص، ليجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ من الاحتياجات المتراكمة والتحديات اليومية.
ويزداد هذا الواقع تعقيداً في ظل نظام رعاية ما يزال هشّاً، ومؤسسات محلية محدودة القدرة، وبرامج دعم تقتصر -في معظمها- على تدخلات مؤقتة لا ترقى إلى معالجة مستدامة لمعاناة المصابين.
ورغم تراجع العمليات العسكرية في معظم المناطق السورية، ما تزال مخلّفات الحرب تخلّف ضحايا بشكل شبه يومي، ألغام أرضية، وقذائف غير منفجرة، وعبوات بدائية تتحوّل في لحظات إلى بتر أو شلل دائم أو إصابات بالغة، لتفرض على المصابين حياة جديدة لم يكونوا مستعدين لها.
"جرحى مخلّفات الحرب"
أحمد عبد الهادي، من ريف حلب، يروي لـ موقع تلفزيون سوريا تفاصيل إصابته عام 2020، حين فقد قدمه إثر انفجار لغم أرضي، قائلاً: إنّ تلقيه خبر البتر كان صدمة قاسية لم يتمكن من تقبلها في البداية، إذ دخل في حالة نفسية وصفها بـ"العجز عن فعل أي شيء".
لاحقاً، خضع أحمد لدورات دعم نفسي نظمتها جمعيات تُعنى بحقوق ذوي الإعاقة، ساعدته على تجاوز أزمته، حيث يصف تجربته بأنها "انتصار على العجز النفسي".
ويضيف: "لم تكن صعوبة تقبّل الإصابة أو تعلّم استخدام الكرسي المتحرك بقدر صعوبة التفكير فيما سأفعله بعد الإصابة"، مشيراً إلى غياب التأهيل المهني، وانعدام البنية التحتية المهيأة للعمل، وافتقار القوانين التي تضمن حقوقاً واضحة لذوي الإعاقة في سوق العمل.
ونتيجة لغياب فرص العمل المخصصة لذوي الإعاقة في سوريا، اتجه أحمد إلى العمل في مجال التسويق والبيع الإلكتروني، كمحاولة لبناء مصدر دخل يتلاءم مع واقعه الجديد.
"بين المساعدات والإدماج"
لا يختلف مسار أحمد في مطالبته بحقوق جرحى الحرب من ذوي الإعاقة عن تجربة سوسن درويش من درعا، التي فقدت ساقيها إثر سقوط قذيفة على منزلها خلال معارك درعا، عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها.
سوسن حوّلت تجربتها الشخصية إلى مبادرة عملية، إذ أنشأت ورشة صغيرة في بلدة طفس بريف درعا، لتعليم حياكة الصوف للفتيات من ذوات الإعاقة، في إطار تدريب مهني يهدف إلى تمكينهن وتأمين فرص عمل مستدامة.
وفي حديثها لـ موقع تلفزيون سوريا، تشير سوسن إلى أنّ الجهات الرسمية المحلية، وحتى الدولية، ركّزت على تقديم مساعدات مالية وغذائية دورية لجرحى الحرب وذوي الإعاقة، لكنها ترى أن هذه المساعدات نادراً ما أحدثت تغييراً حقيقياً في حياة المستفيدين.
وتضيف: "ذوو الإعاقة، ولا سيما أصحاب الكفاءات، لا يحتاجون دائماً إلى إعانات مادية أو غذائية، بل إلى تدريب مهني وفرص عمل حقيقية تمكّنهم من تلبية احتياجاتهم والاندماج في المجتمع، تماماً كما هو الحال لدى غيرهم".
"عوائق على طريق الاندماج"
على الرغم من وجود بعض المبادرات الفردية الهادفة إلى تدريب ذوي الإعاقة وتأمين فرص عمل لهم، ما يزال الاندماج في سوق العمل تحدياً كبيراً، فالبنية التحتية في سوريا شبه مدمّرة، إلى جانب شحّ الموارد الناتج عن سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية الممتدة، ما يفاقم صعوبة توفير بيئة عمل ملائمة.
ماهر فتوح، وهو من ذوي الإعاقة البصرية بعد إصابة في الرأس تعرّض لها أثناء عبوره الحدود السورية–اللبنانية، عام 2015، ويعمل حالياً مساعد محاضر في إحدى الجامعات البريطانية، يوضح لـ موقع تلفزيون سوريا، أسباب محدودية فرص العمل المتاحة لذوي الإعاقة في البلاد.
ويشير فتوح إلى أنّ الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة تفتقر إلى أبسط مقومات الوصول، مثل الممرات المخصصة، والمصاعد، والمكاتب القابلة للتعديل، فضلاً عن غياب اعتماد لغة "بريل" في المؤسسات الرسمية.
ويضيف أن ضعف برامج التدريب المهني المتخصصة، التي تراعي طبيعة كل إعاقة، يمثل عائقاً إضافياً، إلى جانب النظرة الاجتماعية السائدة التي ما تزال تتعامل مع المصاب بوصفه متلقياً للمساعدة لا فرداً قادراً على العمل والإنتاج.
ويرى فتوج، أنّ تمثيل ذوي الإعاقة في البرلمان السوري يشكل خطوة أساسية لطرح قضاياهم بشكل مباشر، وفي مقدمتها الاندماج في سوق العمل وتأمين حد أدنى من البنية التحتية اللازمة لتسهيل مشاركتهم الفاعلة في المجتمع.
ماذا يحتاج جرحى الحرب فعلاً؟
يوضح الخبير في التنمية الاجتماعية ياسر العبدالله، خلال حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ الإشكالية الجوهرية في المنطقة العربية عموماً، وفي سوريا على وجه الخصوص، تكمن في هيمنة النظرة الخيرية لذوي الإعاقة على حساب المقاربة الحقوقية.
فغالباً ما يُتعامل مع جرحى الحرب بوصفهم مستحقين للمساعدة أو الصدقة، لا كأصحاب حق في العمل والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
ويرى العبدالله، أنّ تحقيق إدماج مهني حقيقي لذوي الإعاقة من جرحى الحرب يستلزم إصلاحاً جذرياً في البنية التشريعية، من خلال سنّ قوانين ملزمة تفرض حصصاً حقيقية لتوظيفهم في القطاعين العام والخاص، مقرونة بآليات رقابة ومحاسبة فعالة.
ويشير إلى أن التجربة الأوروبية أثبتت أنّ الإلزام القانوني يشكّل أداة أساسية لكسر الحواجز القائمة، مضيفاً أنّ إعادة التأهيل يجب أن تكون شاملة، فلا تقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل تشمل التأهيل الاجتماعي والمهني أيضاً، ولا سيما للأشخاص الذين فقدوا أطرافهم أو قدراتهم الجسدية بشكل مفاجئ، ويحتاجون إلى دعم متكامل للتكيف مع واقعهم الجديد.
كذلك، يؤكّد العبدالله في ختام حديثه على ضرورة مراجعة اللغة المستخدمة في توصيف ذوي الإعاقة، داعياً إلى التوقف عن مصطلحات مثل "المعاقين" أو "أصحاب الهمم" لما تحمله من نزعة فصلية، والتعامل معهم بوصفهم أشخاصاً ذوي إعاقة، وجزءاً طبيعياً وأصيلاً من نسيج المجتمع.