ما بعد "الاتفاق النووي".. العازف الإيراني في السيمفونية الأميركية 

تاريخ النشر: 24.06.2021 | 05:44 دمشق

انطوت صفحة الانتخابات الإيرانية. عزّز الحرس الثوري الإيراني من قبضته على السلطة في إيران، لا سيما السلطة السياسية بعد ولايتين لحسن روحاني والذي قدّمته طهران على أنه إصلاحي.

كان رئيسي مرشحاً منذ العام 2017 تلك الفترة هدفت إلى وضعه على سكّة الرئاسة ووراثة المرشد علي خامنئي. هو الطريق الذي يريد الحرس الثوري تعبيده لرئيسي على خطا خامنئي. لهذا المسار رؤية إيرانية بعيدة المدى، تتعلق بمرحلة ما بعد الاتفاق النووي، وهي أن أي تسوية جديدة ستحصل في المنطقة، يفترض بالمتشددين أن يكونوا الممسكين بزمام السلطة في إيران، وذلك لتأكيد الاستمرار في نظرية تصدير الثورة. بمعنى أوضح إن أيّ اتفاق لا بد أن ينطوي على حفظ دور الحرس الثوري مستقبلاً ومشاريعه التوسعية، بخلاف ما يمكن أن يقدمه أي شخص إصلاحي من خلال تقديم صورة تهدوية تلتزم بصيغة دولة المؤسسات.

أجلّت إيران المفاوضات الجدية حول الاتفاق النووي لما بعد الانتخابات. والهدف من ذلك واضح المعالم، أن الحرس الثوري يريد تشديد قبضته على أي تحول في المسارات السياسية، وانتزاع الاعتراف بالمتشددين من قبل القوى الدولية التي تريد توقيع الاتفاق النووي. للولايات المتحدة الأميركية أيضاً مصلحة في أن يكون المتشددون على رأس السلطة في إيران لإبرام الاتفاق معهم وبذلك تعتبر أن الحرس الثوري ملزم بمندرجات هذا الاتفاق، وكي لا يتم تغييره أو خرق قواعده في حال حصول أي متغيرات سياسية.

تتعاطى الولايات المتحدة الأميركية أيضاً بطريقة هادئة في إدارة المفاوضات، من دون إغفال مدى الحماسة للوصول إلى الاتفاق وتوقيعه، مع ما سيكون لذلك من انعكاسات على الوضع في منطقة الشرق الأوسط ككل. وسط كثير من التقارير الأميركية التي تشير إلى أن إعادة إحياء الاتفاق ستعيد إحياء قوى إقليمية متعددة في المنطقة بأدوارها التأثيرية الخارجية، الدور الإيراني أولاً، الدور التركي، والدور الإسرائيلي، فيما تبقى الأنظار شاخصة نحو الدور العربي والذي يشهد حالة ضعف في العلاقات مع الإدارة الأميركية الجديدة، بالإضافة إلى بروز نتوءات وخلافات جديدة بين الدول العربية التي كانت ترتبط فيما بينها بعلاقات أشدّ وثاقة في السابق.

يفترض بأي اتفاق نووي أن ينطوي على تسوية إقليمية في المنطقة، وفي أي تسوية من هذا النوع لا بد لإيران أن تتنازل عن جانب من طموحاتها التوسعية مع الاحتفاظ بمناطق نفوذها وقدرتها على التأثير. ولكن بالحدّ الأدنى لا يمكنها أن تبقى اللاعب الأوحد أو المتفرد في ما تريد فرضه وإملاءه. وهذا ما سيكون ملقى على العاتق الأميركي والروسي المشترك، وهو كان أحد المواضيع الأساسية التي بحثت بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين.

يفترض بأي اتفاق نووي أن ينطوي على تسوية إقليمية في المنطقة، وفي أي تسوية من هذا النوع لا بد لإيران أن تتنازل عن جانب من طموحاتها التوسعية

بحسب ما يتواتر من القمة الأميركية الروسية، تشير المعطيات إلى أنها كانت جيدة جداً، وهي بالتأكيد ستنعكس على وضع المنطقة ككل. بالرغم من ذلك هناك من يشير إلى احتمال عودة قواعد مشابهة لقواعد الحرب الباردة، من خلال التفاهم على الخطوط الحمر، خصوصاً أن الأميركيين ارتضوا بمجموعة أمور، بينما الروس نجحوا في الحصول على بعض مطالبهم وأبرزها خط الغاز، نورد ثريم 2، والذي كان يضع عليه دونالد ترامب فيتو، لجأ بايدن إلى رفع الفيتو عن هذا الخط الذي يعتبر أحد أهم خطوط توريد الغاز إلى أوروبا وهناك شراكة مع ألمانيا حوله.

في ظل هذه الأجواء، تصبح الدول الصغيرة منعدمة الدور، وهنا يعني أن إيران لن تعود هي المايسترو بل ستتحول إلى عازف في إحدى الفرق الموسيقية، خصوصاً أن إيران لن تعود مرتاحة في اتخاذ خطواتها، لأن موسكو لن تسمح بأن يعكر نشاط إيران في المنطقة صفو هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه، ولا بد من تسجيل ملاحظة أن هاتين الدولتين الكبريين تتمتعان بعلاقات جيدة وقوية واستراتيجية مع إسرائيل.

من الواضح أن أميركا بايدن تولي أهمية كبرى لأوروبا ولحلف الناتو، وهذا ما أعاد تثبيت تركيا كحليف استراتيجي في حلف شمال الأطلسي، مع العودة إلى تجديد العلاقة الوثيقة بين واشنطن وأنقرة، وهذا ما ظهر في لقاء بايدن وأردوغان والذي على الصعيد الشخصي ظهر وكأن الرجلين يرتبطان بعلاقة صداقة قوية قديمة، ما يعني السعي إلى طي صفحة الاعتراف الأميركي بالمجازر التركية بحق الأرمن، وهذا بحد ذاته سينعكس على واقع سوريا أيضاً بالاستمرار في إعطاء تركيا دورها وربما توسيعه بعد تفويض أميركي لأنقرة بلعب دور أساسي في أفغانستان وغيرها.

لا مؤشرات واضحة حتى الآن بأن أي اتفاق سيؤدي إلى علاج المرض، ما يجري قد يفاقم عوارض المرض لدى المريض، من دون الموت بمعنى أن انعدام الاتفاق على تسوية سياسية شاملة سيؤدي إلى استمرار الاستنزاف الذي سيزيد من اشتداد معاناة محور الممانعة بانتظار التفاهم الكبير بين الإيراني والأميركي.