ما الغاية من إنتاج منصة جديدة للمعارضة؟

تاريخ النشر: 28.06.2021 | 06:12 دمشق

يثير إعلان شخصيات سياسية سورية معارضة استعدادها لعقد "المؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار"، في 21 و22 أغسطس/ آب" المقبل في مدينة جنيف السويسرية، أسئلة عديدة حول الغاية منه وحيثيات ودوافع عقده في ظل تفاقم حالات العطالة والتشظي والارتهان التي تعرفها كيانات وتشكيلات المعارضة، والأوضاع المأساوية والكارثية التي يعيشها غالبية السوريين في بلادهم وفي بلدان المهجر والشتات، فضلاً عن انسداد الآفاق أمام ممكنات حلّ ينهي معاناتهم، بسبب تخاذل المجتمع الدولي ورفض نظام الأسد الإجرامي لأي حل سياسي بالاستناد إلى دعم النظامي الروسي والإيراني له.

ولا شك في أن مظاهر الترهل والتردي والفشل التي أصابت المشهد السياسي للمعارضة بمختلف كياناتها، أو بالأحرى منصاتها، هو الذي دفع سوريون كثر إلى البحث عن ممكنات العثور على بديل عنها، وذلك بعد فشل كل محاولات إعادة تأهيل المعارضة؛ لأن تشكيلاتها لم تستجب لكل ما أثير حولها من انتقادات ومطالب، بل تمادت في الامتناع عن القيام بأي عملية نقد ذاتي أو مراجعة لما قامت به من أدوار، وأمعنت في تبرير أخطائها وفي الانغلاق على ذاتها، بسبب تركيباتها القائمة على مبدأ المحاصصة بين مجموعة من القوى والشخصيات السياسية، التي تحظى بدعم دولي وإقليمي، وجرى تسويقها كي تتصدر المشهد السياسي للمعارضة السورية، وراحت تدعي تمثيل قوى الثورة وحاضنتها الاجتماعية، لكن واقع الحال أثبت أنها بعيدة كل البعد عن الثورة ومطالبها.

عشرات المؤتمرات والاجتماعات والندوات من أجل تأسيس كيانات سياسية، لكن النتيجة كانت صفرية والمحصول شحيح

ومنذ انطلاق الثورة سارعت شخصيات وقوى سياسية معارضة إلى عقد عشرات المؤتمرات والاجتماعات والندوات من أجل تأسيس كيانات سياسية، لكن النتيجة كانت صفرية والمحصول شحيح، لأن كل الكيانات والتشكيلات التي تشكلت بعد اندلاع الثورة السورية تحولت إلى ما يشبه دكاكين صغيرة ومنصات ارتهنت لأجهزة داعميها الدوليين والإقليميين، وانحصر همّها في وراثة وإلغاء بعضها بعضا، وبالتالي لم يتمكن أي منها من التحول إلى كيان مؤسساتي تمثيلي للثورة وناسها وللسوريين جميعاً، لذلك يطرح سوريون كثر، في أيامنا هذه، أسئلة عديدة حول ممكنات وسبل دعم قضيتهم، ويخوضون نقاشات حول كيفية تشكيل بنية سياسية مؤسسية، جديدة وقوية، يمكنها وضع رؤية مشتركة من أجل خلاصهم، وتعمل على توحيد جهودهم في الداخل وفي بلدان الشتات.

وإن كانت هنالك أسباب عديدة تدفع السوريين إلى التفكير في البحث عن البديل السياسي المطلوب لما هو سائد في مشهد المعارضة السورية، إلا أن ذلك ليس ممكناً إلا عبر عقد مؤتمر وطني جامع، وهو أمر أطلقت دعوات كثيرة من أجله، وجرت محاولات عديدة لعقده، لكنها فشلت ولم يتحقق بَعدُ عقدُ مؤتمر وطني جامع، لذلك فإن الذين يعتزمون عقد مؤتمرهم المقبل في جنيف آثروا أن يتضمن اسم مؤتمرهم الجديد عبارة "المؤتمر الوطني السوري"، وزادوا عليها لاحقة "لاستعادة السيادة والقرار"، التي يراد منها إظهار غاية المؤتمر، وبما يشكل إقراراً منهم بأن سيادة سوريا منتهكة من طرف قوى خارجية تتقاسم قواتها العسكرية وميليشياتها مناطق النفوذ على الأرض السورية، وأن القرار السوري المستقل مفقود في ظل الارتهان والاستلاب الحاصلين.

ويجادل الداعون إلى المؤتمر بأن الهدف منه هو بناء جسم سياسي سوري، يناضل من أجل تحقيق طموحات الشعب السوري في إسقاط نظام الاستبداد وإقامة الدولة الديمقراطية. وهو كلام عام تنطق به جميع منصات وكيانات المعارضة من دون أن تمتلك مقومات وممكنات تحقيقه، في حين أن المرجح هو أن الغاية من المؤتمر قد لا تتعدى حدود محاولة تشكيل منصة جديدة، تسعى إلى سحب البساط من "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، لكنها لن تكون سوى منصة أخرى مناكفة له، ومرتهنة مثله لأجندات الدول الداعمة لها، خاصة أن بعض الشخصيات المبادرة إلى عقد مؤتمر جنيف المقبل كانت سابقاً في مراكز قيادية في تشكيلات المعارضة، وبالتحديد في هيئة التنسيق وهيئة التفاوض ومنصة القاهرة المقربة ومنصة موسكو، وأمضت سنوات عديدة فيها من دون أن تفعل شيئاً مغايراً لنهج الانقسام والتشظي والارتهان لقوى الخارج ومناكفة الائتلاف، وبالتالي يشكك سوريون كثر في أن تكون غايتها من مشاركتها في عقد المؤتمر هي الإسهام في تشكيل جسم سياسي جديد ذي بنية مؤسسية جديدة وفاعلة، لأن ذلك يتطلب توفر فرص نجاح وفق الشروط الذاتية والموضوعية للواقع السوري والابتعاد عن الكيانات السياسية التي لا تملك رصيداً لدى السوريين والشخصيات المجرّبة والمتقادمة التي تتمركز على نفسها وتحاول تبرئة ذاتها عبر إلقاء اللوم على الآخرين، وترفض الإقرار بعجز بنيتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، فضلاً عن ممارساتها المعيقة للعمل الجماعي والمؤسساتي.

لم تخرج أطروحات جود السياسية عن العموميات والأفكار والأطروحات الغائمة حول المشروع الوطني الديموقراطي

ويبدو أن الأمر لا يتعدى محاولة إعادة ترميم وتجميع منصة قديمة بحلّة جديدة، بما يشبه إلى حدّ بعيد قيام الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود)، التي أعلنت مؤخراً انعقاد اجتماعها الأول تحت شعار "نحو سوريا دولة مدنية ديمقراطية"، وشكل ذلك إعادة إنتاج وتدوير "هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي"، التي كانت قد تشكلت في بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2011، حيث لم تخرج أطروحات جود السياسية عن العموميات والأفكار والأطروحات الغائمة حول المشروع الوطني الديموقراطي، التي لن تسهم في تغيير مسار الأداء الفاشل لكيانات المعارضة، سواء الداخلية منها أم الخارجية، لكن ذلك كله لا يلغي الحاجة إلى كيان سياسي ذي بنية مؤسسية جديدة وفاعلة، يكون مستقلاً في قراره الوطني قبل كل شيء، وليس تابعاً لأي دولة عربية أو أجنبية، وغير قابل للتوظيف في اصطفافات وصراعات وأجندات الآخرين، وذلك كي يشكل قطباً ومظلة سياسية للسوريين، ويسهم في خلاصهم من استبداد نظام الأسد، ومن الوضع الكارثي الذي أصاب سوريا وغالبية السوريين، ومن التشظي الذي اعترى الهوية السورية والانقسامات التي ضربت المجتمع السوري خلال السنوات الماضية.