ما الذي يملكه مهجرو مخيمات الشمال السوري لمواجهة كورونا؟

تاريخ النشر: 23.08.2020 | 10:34 دمشق

إدلب - سونيا العلي

بعد نجاته مع أسرته من القصف يأمل الطفل أسامة العبود (10سنوات) النازح من مدينة معرة النعمان أن يبقى مع أسرته في مأمن من وباء كورونا الذي بدأ ينتشر في مخيمات الشمال السوري تزامناً مع تدهور القطاع الطبي وقلة الوعي وغياب الإجراءات الاحترازية اللازمة لمواجهة الجائحة.

أطفال مخيمات الشمال السوري في زمن كورونا

أسرة الطفل أسامة واحدة من آلاف الأسر النازحة التي تعيش قسوة الحياة وصعوبتها في مخيمات تنعدم فيها الرعاية الصحية والأدوية، ليزيد فيروس كورونا من المعاناة، ويؤثر على القاطنين في المخيمات وأطفالهم بشكل خاص، حيث لا يجد الأطفال المياه اللازمة للاستحمام وغسل الأيدي باستمرار ليزيد خطر إصابتهم بالوباء، وتزداد حالة الخوف والهلع بين النازحين، وخاصة بعد قيام مخبر الترصد الوبائي بتسجيل أول ﺣﺎﻟﺘﻴﻦ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺘﻴﻦ ﻓﻲ ﺃﺣﺪ مخيماﺕ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺑﺮﻳﻒ ﺣﻠﺐ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻲ بتاريخ التاسع من شهر آب/ أغسطس الحالي .

لا يفهم الطفل أسامة ضرورة التباعد أو الحجر المنزلي الذي تتحدث عنه المنشورات الصحية التي تملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لكن يجتهد يومياً في نقل المياه من الصهريج الرئيسي الذي يبعد عن خيمتهم حوالي 100 متر، لتقوم والدته بإشعال موقد النار المصنوع من الطين، وباستخدام بعض الأعواد وأكياس النايلون تسخن المياه بالقدر الذي يحتاج إليه أسامة وإخوته الصغار للاستحمام، في محاولة للحفاظ على نظافتهم الشخصية بشكل يومي وبإمكانيات محدودة.

أما الطفل جمال البكور(13عاماً) النازح من بلدة تلمنس إلى مخيم في بلدة حربنوش فلا يستطيع تطبيق العزل، والتزام البقاء داخل الخيمة بسبب اضطراره للعمل لإعالة أمه وإخوته بعد وفاة والده جراء إصابة حربية وعن ذلك يتحدث لموقع تلفزيون سوريا بقوله: "إذا لم أعمل سنموت جوعاً، فأنا الابن الأكبر وعلي الذهاب مع عدد من أطفال المخيم إلى مكبات القمامة لنجمع ما تيسر من مواد قابلة للبيع، لبيعها والاستفادة من ثمنها في شراء متطلبات الحياة."

طفل مع لعبته في مخيمات سرمدا - سوريا.jpg
طفل مع لعبته في مخيمات سرمدا بريف إدلب- تلفزيون سوريا

 

تدهور القطاع الطبي في إدلب يهدد بانفجار كارثي للوباء 

الطبيب محمد وليد التامر نقيب الأطباء الأحرار في الشمال السوري يتحدث لموقع تلفزيون سوريا عن الوضع الصحي في مخيمات الشمال السوري بقوله: "البنية التحتية الطبية المدمرة في المنطقة والمخيمات المكتظة ستجعل تفشي الفيروس يتحول بسرعة إلى كارثة إنسانية، وخاصة أن ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ تفتقد ﻟﻤﻘﻮﻣﺎﺕ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﻃﺒﻴﺔ، ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻸﻭﺑﺌﺔ ﻭﺍﻷﻣﺮﺍﺽ، ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻧﻘﺺ ﺍﻟﺪﻋﻢ ﺍﻟﻤﻘﺪﻡ ﻟﻬﺎ، ﻭﺍﻟﻘﺼﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻟﻪ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻭﺍﻷﺷﻬﺮ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ، ﻣﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺧﺮﻭﺝ ﻋﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺘﺸﻔﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻛﺰ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ.

ويبين الطبيب أن المخيمات تجمعات بشرية تعيش في ظروف معيشية وإنسانية سيئة جداً، لذلك تعتبر بيئة خصبة لتفشي الفيروس، مع صعوبة السيطرة على الوباء بعد بدء انتشاره، بسبب الاكتظاظ السكاني وتقارب الخيام من بعضها، وعدم وجود حد أدنى من العزل وانعدام النظافة الشخصية وشبكات الصرف الصحي وقلة المياه النظيفة فضلاً عن سوء التغذية، وعدم توفر المراكز الصحية، ونقص مستلزمات الوقاية من الوباء.

يشير التامر أن 58 إصابة بوباء كورونا تم تشخيصها في الشمال السوري حتى تاريخ 19 من شهر آب الحالي، لكنه يبين أن عدد الحالات غير دقيق، ولا تعكس صورة الواقع، محذراً من حدوث انتشار انفجاري للوباء في القريب العاجل بسبب ضعف الإمكانيات، ووجود مختبر وحيد للترصد الوبائي في المنطقة للكشف عن حالات كورونا.

فريق منسقي الاستجابة العامل في الشمال السوري أكد في بيان له أن المخيمات في التوقيت الحالي دخلت مرحلة الخطر بشكل كبير بعد تسجيل إصابات، وحذر من توسعها بشكل كبير وعدم القدرة على السيطرة على الانتشار بسبب ضعف الإمكانيات اللازمة لمجابهة الفيروس.

ودعا جميع المنظمات الإنسانية بشكل عاجل وطارئ، إلى ضرورة تضافر كل الجهود، واستمرار التنسيق بينهم لمواجهة هذا الوباء الخطير، والحد من انتشاره وعدم تمدده في ظل التسجيل اليومي لحالات جديدة مصابة بفيروس كورونا، وحذر من التداعيات الخطيرة على المخيمات التي تعاني من نقص في الخدمات والازدحام السكاني وافتقار الخيام للمعايير الصحية وتفشي الفقر والبطالة في أوساط النازحين.

وأوصى السكان المدنيين في المخيمات بتطبيق الإجراءات الخاصة بمكافحة العدوى بفيروس كورونا المستجد COVID-19 خلال الأيام القادمة، بغية منع تفشي المرض ضمن المخيمات، بحيث يتم السيطرة عليه في أسرع وقت ممكن.

قلة المياه تزيد خطر الاصابة بالفايروس- سوريا.JPG
قلة المياه في مخيمات إدلب تزيد خطر الإصابة بالفيروس- تلفزيون سوريا

 

انعدام التدابير الاحترازية في مخيمات إدلب لمواجهة كورونا

عدنان الرمضان (49 عاماً) مدير مخيم عشوائي بريف إدلب الشمالي يتحدث لموقع تلفزيون سوريا بالقول: "المرض بدأ في المخيمات، والوضع سيكون سيئًا جدًا، لأن أكثر من مليون شخص يعيشون في الخيام، وليست لدينا أي فكرة عما يجب فعله مع الفيروس، حيث ينام آلاف الناس في مساحات مشتركة كبيرة، ولا يتطلب الأمر إلا شخصًا واحدًا ليصاب الجميع، ولا يتوافر أي موارد الطبية لمساعدتهم ."

ويضيف الرمضان: "نحتاج ﺇﻟﻰ ﺣﻤﻼﺕ ﺗﻮﻋﻴﺔ ﺻﺤﻴﺔ ﺗﺘﻼﺀﻡ مع ﺟﻤﻴﻊ ﺷﺮﺍﺋﺢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ﻧﺎﻫﻴﻚ عن ضرﻭﺭﺓ ﺗﻮﻓﻴﺮ ﺍﻟﻠﺒﺎﺱ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻣﻦ ﻛﻤﺎﻣﺎﺕ ﻭﻗﻔﺎﺯﺍﺕ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﻌﻘﻴﻢ ﻭﺳﻼﻝ ﺍﻟﻨﻈﺎﻓﺔ، ﻓﻀﻼً ﻋﻦ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻭﺟﻮﺩ ﻣﺮﺍﻛﺰ ﻣﻌﺰﻭﻟﺔ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺨﻴﻤﺎﺕ ﻟﻠﺤﺠﺮ ﺍﻟﺼﺤﻲ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﺸﻚ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺇﺻﺎﺑﺔ ﺭﻳﺜﻤﺎ ﺗﻈﻬﺮ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺮﺽ ."

لا يخفي النازح أبو خالد المقيم في مخيمات بلدة كفرلوسين الحدودية خوفه من تسجيل إصابات بفيروس كورونا المستجد داخل المخيم الذي يقطنه، يوضح ذلك بقوله: "المساحة الجغرافية الضيقة التي أقيم فوقها عدد كبير من الخيام جعلت الإصابة بالفيروس بمثابة كارثة، علماً أن الحجر الصحي للأهالي داخل المخيمات أمر شبه مستحيل."

مؤكداً أن اتباع تدابير الوقاية اليومية على غرار غسل اليدين باستمرار، أو البقاء في المنزل في غرفة مخصصة عند المرض، هي تدابير يستحيل تطبيقها في ظل الوضع الصعب الذي فرض عليهم.

أما نساء المخيمات فيعانين من غياب مواد التعقيم وغلاء أسعارها واستحالة شرائها بسبب ارتفاع أسعارها وتدني المستوى المعيشي، لذلك يحاولن استخدام المياه كوسيلة وحيدة للنظافة، إضافة إلى قيام البعض بحياكة الكمامات يدوياً من بقايا الملابس المهترئة لحماية أطفالهن ما أمكن من الإصابة بالوباء منهم أم فؤاد (37عاماً) أم لخمسة أبناء لم تستطع منعهم من الخروج واللعب مع أقرانهم وعن ذلك تقول: "لا أستطيع منع أولادي من الخروج، لأننا نعيش في خيمة ضيقة، ويفتقد أطفالي إلى أي وسيلة تسلية تصبرهم على المكوث في الخيمة طوال النهار، لذلك بدأت بحياكة الكمامات يدوياً من بقايا الملابس المستعملة، فلا قدرة لي على شراء الكمامات من الصيدليات، كما أقوم بتسخين المياه لغسل أيديهم باستمرار  ."

يفتقد النازحون في مخيمات الشمال السوري أدنى مقومات الحياة داخل خيام بالية أصبحت كل عالمهم، كما خطفت ويلات الحرب براءة أطفالهم، ليضيف الفيروس القاتل مأساة جديدة إلى حياتهم المليئة بالويلات.