ما الذي أغضب فان دير لاين؟

ما الذي أغضب فان دير لاين؟

ما الذي أغضب فان دير لاين؟

تاريخ النشر: 11.04.2021 | 06:45 دمشق

هيمن موضوع "كرسي رئيسة المفوضية الأوروبية" على نتائج المحادثات التركية الأوروبية التي شهدتها أنقرة في أواخر الأسبوع المنصرم. العنوان المفترض لهذه المادة كان "هل بدأ عهد جديد من العلاقات التركية الأوروبية؟" بعد الاجتماع المطول الذي عقد بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل ورئيسة المفوضية أورسولا فان دير لاين، وبحث كيف ستكون استراتيجية التحرك الأوروبي الجديدة في التعامل مع ملف اللجوء على ضوء التفاهمات الأخيرة بين الجانبين، رغب البعض في تجاهل جدول أعمال اللقاء ونتائجه وافتعال أزمة "كرسي غيت" بسبب شكل إجلاس فان دير لاين ليطغى على المشهد.

الذي وتر الأمور أكثر كان مسارعة رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي الهابط بمظلة فوق "كرسي" الحكم في بلاده، للقفز على الموضوع في محاولة لاقتناص الفرصة وتمرير رسائل اجتماعية لرئيسة المفوضية وسياسية داخلية حول رأيه في الرئيس التركي وإعلان انحيازه لبرلين على حساب العاصمة الفرنسية فيما جرى. دراغي يقول "أردوغان دكتاتور لكننا ملزمون بالتعاون معهم من أجل مصالحنا". هو يهين سياسات بلاده ويتسبب بأزمة دبلوماسية في العلاقات التركية الإيطالية أكثر مما يبرر، خصوصا بعد استدعاء السفير إلى مبنى الخارجية التركية ليلا ومطالبته إبلاغ بلاده بضرورة سحب التصريح وتذكير إيطاليا بمكان نشأة الفاشية والدكتاتورية في العالم من قبل قيادات حزب العدالة والتنمية. والملف كما يبدو لن يغلق من قبل تركيا بمثل هذه البساطة.

الواضح هو أن هناك خلافات شخصية بين ميشيل وفان دير لاين على إدارة الدفة داخل الاتحاد

زيارة لوفد رئاسي أوروبي للمساهمة في تهدئة أجواء التوتر القائم في العلاقات التركية الأوروبية منذ عامين تقريبا حول أكثر من ملف خلافي ثنائي وإقليمي وبعد الإيجابية الملحوظة في بيان القمة الأوروبية الأخير الذي جاء في أعقاب رسائل وخطوات انفتاحية تركية على بروكسل، يختزلها البعض بأزمة جلوس فان دير لاين على أريكة بدلا من كرسي يوضع على يسار أردوغان. الواضح هو أن هناك خلافات شخصية بين ميشيل وفان دير لاين على إدارة الدفة داخل الاتحاد. فالأول صاحب القرار السياسي والثانية صاحبة التوجيه التقني. مع أن القمم الأوروبية المتلاحقة قبل عقد أعادت تنظيم هيكلية بناء المؤسسات وطريقة عملها داخل المجموعة إلا أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد فجر خلافات ألمانية فرنسية حول من يهيمن. يبدو أن ما جرى داخل القصر الرئاسي التركي حول "أعطوا كرسي لفان دير لاين" ومحاولة تحميل أنقرة المسؤولية بشأنه وربطه بحقوق المرأة و"دكتاتورية" أردوغان يمثل حلقة جديدة من التوتر الألماني الفرنسي داخل المجموعة الأوروبية مع انحياز إيطالي إلى الجانب الألماني. تصريحات ومواقف شارل ميشيل بعد قمة آذار الأوروبية التي كانت تشيد بالتحول في المواقف والسياسات التركية وأن مصلحة الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية أكبر شريك تجاري لتركيا تتمثل بالاستقرار والأمن في منطقة شرقي البحر المتوسط والعلاقات الإيجابية ذات المنفعة المتبادلة مع أنقرة وضرورة الوقوف إلى جانبها في ملف اللجوء السوري ومسارعته للكشف عن زيارة قريبة لأنقرة لم تعجب فان دير لاين خلال المؤتمر الصحافي المشترك الذي همش دورها ولم يبق لها الكثير، فاكتفت بإعلانها من هناك أن المفاوضات التركية الأوروبية لا تتقدم بشكل صحيح على طريق العضوية.

الاهتمام التركي بالوفد الضيف بدأ مع تخصيص السيارات المصفحة وقبول إضافة أسماء جديدة إلى الهيئة الأوروبية في اللحظة الأخيرة وكل هذه الددبلوماسية الناعمة في طريقة الترحيب بفان دير لاين على مدخل القصر الرئاسي وإفساح الطريق أمامها للدخول من قبل أردوغان وهو يبتسم والصور التذكارية التي التقطت بحماس وحرارة ومحادثات تستغرق 3 ساعات يتخللها غداء عمل لا نسأل فيه أين وكيف عوملت رئيسة المفوضية ومع ذلك فكل شيء ينتهي بافتعال أزمة تركية أوروبية يرحب بها رئيس الوزراء اليوناني ميشوتاكيس قبل غيره بعدما أعلن من أثينا أن مفتاح العلاقات بين الطرفين هو بيد بلاده وحدها وأن لا قيمة لأية تفاهمات تتم دون الضوء الأخضر اليوناني.

المسألة ليست مسألة أخطاء بروتوكولية في إجلاس رئيسة المفوضية خصوصا بعدما أعلن وزير الخارجية التركي أن شكل الجلوس نوقش مع الأوروبيين وهم الذين اختاروا هذه الطريقة، بل مسألة من يقف أقرب إلى العلم الأوروبي خلال التقاط الصور مع أن البروتوكول الأوروبي يضع المفوضية في المرتبة الرابعة بعد رئيس البرلمان ورئيس المجلس ورئيس الدورة الأوروبية. المسألة سببها قد يكون تفاهمات أميركية أوروبية جديدة تمت قبل الاجتماعات بعد زيارة مفاجئة قام بها شارل ميشيل إلى السفارة الأميركية في أنقرة واجتماعه بديفيد ساترفيلد قبيل لقائه بالرئيس أردوغان لترجمة تصريحات واشنطن الأخيرة حول ضرورة التهدئة مع تركيا في هذه الآونة خصوصا أن ملف أوكرانيا يزداد سخونة وتدهورا. فان دير لاين ومن خلالها بعض العواصم الأوروبية غاضبون لأنهم يشعرون بوجودهم خارج التفاهمات السياسية بين الأطراف وأن المطلوب منهم فقط ترجمة وتنفيذ ما يتفق عليه. الغضب قد يكون ألمانيا بسبب هذه المفاجآت التي أعطى فيها ميشيل السياسي البلجيكي باريس وواشنطن ما تريدانه والدليل هو صمته وتجاهله ردة فعل فان دير لاين وتركها تفترش الأريكة خارج المشهد بينما يجهز نفسه "لقعدة" مريحة إلى جانب أردوغان بين العلمين التركي والأوروبي.

يقول جان كلود يانكر صاحب الخبرة الطويلة في العمل تحت سقف الاتحاد الأوروبي لا يمكن تحميل أنقرة مسؤولية ما حدث فهي طبقت البروتوكول الأوروبي المعتمد. لماذا تتعمد تركيا إهانة أو تهميش دور المفوضية وهي تعرف حدود صلاحياتها داخل المؤسسات الأوروبية؟ فان دير لاين غاضبة أيضا لأن الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين كان الوحيد الذي أوجز ما جرى معلنا عن إيجابية المحادثات وأن أنقرة متمسكة باستراتيجية العضوية في الاتحاد والتنسيق في محاربة المجموعات الإرهابية وبينها داعش وحزب العمال وحليفه حزب الاتحاد الديمقراطي السوري والكيان الموازي، وتحديث اتفاقيتي الهجرة والاتحاد الجمركي، وإعفاء المواطنين الأتراك من شرط التأشيرة الأوروبية.

رفع العقوبات الأوروبية عن أنقرة في قمة حزيران بعد التفاهمات التركية الأوروبية الأخيرة لم يعجب البعض في المجموعة الأوروبية

قد يكون هناك رغبة تركية أوروبية في البحث عن مسار جديد لمواصلة العلاقات بينهما في إطار حماية المصالح المشتركة لكن هناك حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها وهي أن هذه العلاقات ما زالت حساسة وقابلة للعطب وتسير فوق حقل من الألغام لم يتم تفكيكه بعد. المسألة أبعد من كرسي يقدم لفان دير لاين وإجلاسها على أريكة جانبية. رفع العقوبات الأوروبية عن أنقرة في قمة حزيران بعد التفاهمات التركية الأوروبية الأخيرة لم يعجب البعض في المجموعة الأوروبية. العقبة كانت فرنسية دائما وماكرون كان هو من يحرك أوروبا ضد تركيا في شرق المتوسط وليبيا وسوريا وجنوب القوقاز، لكنه ترك مكانه لأثينا وروما وربما برلين كما يبدو. التفاهمات الأميركية الفرنسية الأخيرة قد تكون لعبت دورا في ذلك مع اقتراب انفجار ملف أوكرانيا مجددا.

تعرضت عربة العلاقات التركية الأوروبية لحادثة تدهور خلال وجود وفد الرئاسة الأوروبية في أنقرة لبحث خريطة الطريق الجديدة بين الطرفين لكن أصواتا أوروبية تختصر ما جرى بالقول "إذا كانت هناك فضيحة، فلا مكان لها في أنقرة، ولكن في بروكسل".

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
تخصيص مستشفى الطوارئ بمدينة الفيحاء بدمشق مركزاً للقاح كورونا
"كورونا" يفتك بصحفيي الهند.. وفيات بالعشرات ونفوس مدمرة
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا