ماذا يريد الروس من فتح المعابر؟

تاريخ النشر: 26.03.2021 | 06:59 دمشق

قدمت وزارة الدفاع الروسية مقترحاً جديداً يقضي بفتح ثلاثة معابر بين مناطق سيطرة نظام الأسد ومناطق سيطرة المعارضة، اثنان منهما في إدلب ( ميزناز – سراقب ) وواحد في شرقي حلب ( أبو الزندين)، ولعل أول ما يستدعي الوقوف حيال هكذا مقترح، هو أنه جاء مشفوعاً بالتبرير الذي تضمنه تصريح رئيس هيئة المصالحة في قاعدة حميميم ( ألكسندر كاربوف) الذي زعم أن الغاية من وراء فتح المعابر الثلاثة هو تخفيف وطأة الحالة الاقتصادية الضاغطة على المواطنين الموجودين في مناطق سيطرة المعارضة، ويالها من نزعة إنسانية عارمة، بل لعلها مفارقة ترقى إلى درجة النكتة، وكأن الذي كان يقصف مشفى الأتارب قبل يوم واحد من صدور المقترح الروسي هو طرف مجهول، وكذلك من قام باستهداف المدنيين في ساحة معبر باب الهوى قبل يوم واحد أيضاً هو طرف يجهله كاربوف، ولكن هذه المفارقة سوف تنكسر حدّتها حين نعلم أن منهج الكذب وقلب الوقائع وإيجاد الذرائع المناسبة للعدوان هو من صلب منهج الروس في تعاطيهم مع الشأن السوري، ألم يزعم بوتين حين أعلن عدوانه على الشعب السوري في 30 من أيلول 2015 ، بأن الهدف من وراء ذلك هو محاربة داعش فحسب؟.

واقع الحال يؤكّد أنه لا يمكن تبيان حقيقة مقترح وزارة الدفاع الروسية دون الرجوع إلى الجولة الخليجية التي قام بها وزير الخارجية الروسي لافروف في الحادي عشر من شهر آذار الجاري، وتكللت بلقاء ثلاثي ( تركي روسي قطري ) في الدوحة، وكان واضحاً أن ما يدفع لافروف نحو بعض الدول العربية هو السعي نحو إيجاد خرق في الموقف من الحصار المفروض على نظام الأسد، بغية إيجاد شرايين اقتصادية – تحت شعارات قد تبدو إنسانية – من شأنها أن توقف النزف الاقتصادي الذي يوشك على خنق النظام بالتدريج، إلّا أن تحقيق هذا المسعى قد اصطدم بالرفض النابع أصلاً من الحذر الخليجي تجاه أي محاولة مخالفة لقانون قيصر من جهة، ولربط أي انفتاح اقتصادي على نظام الأسد بانصياع الأخير للقرارات الدولية وتفاعله الجدّي مع العملية السياسية وفقاً للقرار  2254 ، من جهة أخرى، الأمر الذي حال دون وصول لافروف إلى مبتغاه من تلك الجولة، ولكن البحث الروسي عن حلول إسعافية من شأنها أن توقف انهيار الاقتصاد السوري ظل قائماً، ولكن اتجه نحو الداخل السوري الذي يمكن التعاطي معه من خلال الشراكة الروسية التركية، تلك الشراكة التي بدأت بالفعل منذ مطلع العام 2017 ، واتخذت مسار أستانا إطاراً رسمياً لها، ونظراً لتشابك المصالح بين أنقرة وموسكو، والتي لا يمكن حصرها في الشأن السوري فحسب، فإن ثمة هامشاً أمام الروس للمناورة التي تتخذ في غالب الأحيان شكل الابتزاز العسكري، ولعل حالة التصعيد التي شهدتها منطقة إدلب طوال الأسبوع الماضي إنْ هي إلّا تمهيد لهذا الابتزاز الذي يجهر به الروس بكل وقاحة: إن لم توافق تركيا على فتح المعابر، فسيكون الطيران الروسي على أهبة الاستعداد لمزيد من القتل والدمار والتهجير. وفي ظل غياب أي توضيح من الجانب التركي، فإن معظم المعطيات تشير إلى أن الاتفاق قد تم. ولئن كان من الصحيح عدم معرفة ما ستقدمه موسكو لأنقرة مقابل هذا الاتفاق، إلّا أن ما تريده موسكو يبدو في غاية الوضوح، ويمكن إيجازه بما يلي:

1 – عملية فتح المعابر بين مناطق النفوذ داخل الجغرافية السورية يمكن أن تتيح للنظام انتعاشاً اقتصادياً من خلال التجارة البينية التي تجري بعيداً عن قوانين قيصر، وخاصة أن النظام لديه شبكة واسعة من تجار الحروب المتحالفين معه، والذين يمتلكون علاقات خفية مع المافيات التجارية المحمية من كل سلطات الأمر الواقع.

2 – ربما يعتقد الروس أن تفعيل الحركة التجارية بين الأطراف المتنازعه من شأنه إنعاش قيمة الليرة السورية التي تشهد تدهوراً كبيراً، وخاصة أن مناطق سيطرة المعارضة بدأت منذ فترة بإبطال التعامل بالليرة السورية، وإقرار التعامل بالليرة التركية والدولار.

3 – يعتقد الروس والنظام معاً، أن استحقاق الانتخاب الرئاسي في الأشهر المقبلة، يوجب على النظام تقديم شيء ما، لحاضنته التي باتت شديدة التململ جراء الأزمة المعيشية الخانقة، وفي ظل غياب أي انفراج اقتصادي عن النظام في المدى المنظور، فيمكن لفتح شرايين اقتصادية، ولو كانت ضيقة المدى، أن تكون متنفساً مناسباً من حيث التوقيت لإجراء انتخابات الأسد.

4 – ثمة خصوصية مميزة لمعبر (أبو الزندين) الواقع على بعد 20 كم شرقي حلب، إذ  يُعدّ الحد الفاصل بين مناطق سيطرة النظام، ومناطق سيطرة الجيش الوطني المتمركز في مدينة الباب، إذ يعتقد الروس أنهم إن تمكنوا من التحكم بهذا المعبر الواقع على طريق (m4 ) سوف يؤمن لهم الوصول إلى مدينة منبج التي تسيطر عليها قسد، ويمكن حينئذ التفكير بتنشيط خط تجاري بين سلطات قسد والنظام، إذ تبدو حاجة النظام شديدة إلى الاستفادة من الغلة الاقتصادية لشرقي الفرات ( الحبوب – النفط ).

مما لا شك فيه أن عجز موسكو عن إيجاد قنوات اقتصادية عربية أو دولية من شأنها إنعاش النظام أو انتشاله من حالة التدهور السريع، هو ما يدفعهم إلى الانعطاف نحو الداخل السوري للبحث عن وسائل إسعافية أخرى، وخاصة أن هذه الانعطافة – وفي ضوء المواقف الدولية الراهنة – لا تجعل الروس في مواجهة مع المجتمع الدولي، ولكن في مواجهة الشريك التركي الذي يحرص على ألّا تصل الخلافات مع موسكو إلى حد القطيعة أو التصادم.

وفي الوقت الذي كان الردّ الشعبي في مناطق المعارضة سريعاً وشديد الوضوح، متمثلاً بالرفض المطلق لفتح معابر جديدة مع مناطق نظام الأسد، ليس بدواعي رفض الانفتاح الاقتصادي مع سلطة الأسد فحسب، بل لدواعٍ أمنية كذلك، إلّا أن مواقف الكيانات الرسمية للمعارضة (العسكرية والسياسية) ما تزال غائبة حتى الآن، ربما بانتظار صدور موقف تركي يوضّح المضامين الخفية لهذا الاتفاق، إن كان ثمة مضامين خفية بالفعل.