ماذا لو انقلبت الآية؟

تاريخ النشر: 15.12.2021 | 05:19 دمشق

ثارت ثائرة الجمهور وحميّة النقاد الراديكاليين مؤخراً بسبب الفيلم الذي توقف عرضه منذ فترة "فيلم أميرة". 

تدور أحداث الفيلم حول افتراض غير واقعي يتحدث عن احتمالية تبديل نطف الأسرى المهربة من داخل سجون الاحتلال، ويناقش مسألة وجودية تتعلق بجوهر وحقيقة الفرد ومدى ارتباط خيارات الإنسان بأصله أو بالبيئة التي نشأ فيها وفاعلية تأثير الجذور المفترضة بتكوين شخصيته أو خياراته. 

لم يرُقْ ذلك لكثير من المناصرين للقضية واعتبروا أن ذلك طعن في سردية الانتصار الحقيقي الذي سجّلوه في مرمى الاحتلال، وقامت قيامة العالم عليه ثم اتُّخذ القرار بوقف عرضه.

الفيلم يعالج فكرة التأثير الثنائي لكل من البيئة والجينات ومدى التناقض الذي قد يكون بينهما، لكن الرفض انطلق من منطلق النهج التوافقي الرافض لانتقاد تلك السردية أو التشكيك فيها، أو حتى بناء احتمالات تخيلية مستندة إليها.

الفكرة التي توقفت عندها بصرف النظر عن موضوع الفيلم، هي تغير الاحتمالات وفق تغير الظروف والشروط المحيطة، ومع تغير النشأة والبيئة بحيث قد يُفسح أمام الإنسان خيارات مختلفة قد لا يتخيل يوماً أنه قد يواجهها.

لن تذهب في الأمثلة بعيداً إذ يبدو أن المقولة الدارجة بأن "المرء يُولد على دين أبيه" قد تبدو صحيحة، ويقاس عليها أن البيئة تورث الفكر الإيديولوجي والثقافة والاتجاه السياسي.

الخيار كان متاحاً لكثيرين بقدر ما تبدو النتيجة واضحة وفقاً للمحيط الذي يحكم المؤيدين أو المعارضين لها ومدى تأثيره أو تحكمه في حرف سير القرارات

فمثلاً يولد بعضنا متديناً بتأثير البيئة التي وُلد فيها ولا يفكر في كسر هذا الإطار أو تغييره، في حين ينشأ بعضها في بيئة يسارية فيصبح يسارياً فتتحكم البيئة المحيطة بقضاياه وخياراته وفكرته عن مفهوم العدالة وما شابه.

فيما يخص ثورات الربيع العربي أيضاً إذ لا يبدو ـ إلى حدٍّ ما ومع وجود استثناءات ـ أن الخيار كان متاحاً لكثيرين بقدر ما تبدو النتيجة واضحة وفقاً للمحيط الذي يحكم المؤيدين أو المعارضين لها ومدى تأثيره أو تحكّمه في حرف سير القرارات. 

أين كنا حقيقة من الاختيار إذن كأفراد انضمّوا إلى الثورات أو اختاروا عداءها؟ وماذا لو لم تثر ثائرة الشعوب؟ أين كنا سنرى كثيراً من المعارضين المحسوبين على النخبة اليوم أسئلة تبقى مفتوحة من غير إجابة، وللحقيقة فإن أي إجابة لا يمكن أن تكون دقيقة وليس علينا أن نحاكم الآخرين من خلالها، وإنما من الضروري أن نوجّهها لأنفسنا كي نكتشف إجابتها.

من هذا المنطلق يبدو أن أصحاب الخيارات والاختيارات الواضحة هم الأقدر على قيادة العالم والتأثير فيه، ذلك أنه لو لم يرَ من حركوا الحراكات العربية في 2011 ما لم يرَه الباقون ربما، لمّا كان كثيرون قد وقفوا في صف الثورة اليوم؛ لأنهم (أصحاب الاختيار) وحدهم وقفوا مع أنفسهم واختاروا أن يسلكوا الطريق الأصعبَ فذهبوا إلى الخلود وقايضوا فيه دنياهم، أمّا البقية فلا يمكن إلا أن يكونوا في خانة المريدين والمؤيدين لا الخلاقين أو المختلفين. 

تبدو السيناريوهات المقترحة فيما لو لم يحدث ذلك، قد لا تحتاج إلى تنجيم أو استنباط أو دراسة عميقة وفق إحصائيات واضحة؛ لأن البلاد العظمى لا يمكن أن تتراجع عن سياسة التدخل والسيطرة على ما يسمّى بالشرق الأوسط ولن تسعى إلى رفع يدها والكفّ عن العبث بمستقبلها. 

ربما كان سيكون لنا حصّة شبيهة بحصّة العراق أو لبنان، وربما كان الاستبداد سيبقى مسيطراً زمناً طويلاً وننشئ أجيالاً متوائمة معه ولا ترى فيه ضيراً، إلى أن يأتي أحد في يوم ما ليكسرَ تلك الحلقة ويسير في غير المألوف ويحدد اختياراته.

لا يعني ذلك على الإطلاق الكفر بحتمية الثورة، لكنه يقلب احتمالات وفرضيات قد تكون عاملاً في تكوين خياراتنا جميعاً أو على الأقل قد تتأثر بها، لكن ماذا لو انعكست الحكاية وكانت الأمور مثلما كانت قبل الانقلاب التاريخي في 2011، لربما كانت الوجوه ستتغير تماماً والاتجاهات والمواقف لدى كثير من الشخصيات المتصدّرة للمشهد الحالي. 

لقد تأقلم كثير من السوريين مع منظومة الفساد الموجودة في سوريا آنذاك ووجدوا لكسب معركة وجودهم كثيراً من الحيل جعلتهم يسايرون الحال ويسيّرون أمورهم من دون جهد لتحصيل الشكل الأنسب لهم من الحياة، أولئك نفسهم ربما تماشَوا مع حالة الثورة بشكل أو بآخر لكنهم لم يتمتعوا بنعمة الاختيار، ولو حصل وبقي النظام قوياً فسنراهم يعاودون التأقلم معه لتشكيل دائرة أمانهم من جديد.

لقد منحهم من أشعلوا الثورة احتمالاً جديداً مختلفاً عمّا كانوا يألفونه فمشَوا خلفه، لكنهم عجَزوا عن خلق ذلك الاحتمال بأنفسهم وربما لم يفكروا فيه من الأصل.

يثبت التاريخ أن الخالدين فقط هم من اختاروا طرقاً مختلفة عن السلف وسلكوها وحدهم من دون أن يهتدوا ببصيص أمل

لا يُخلق الإنسان قائداً من نفسه في كثير من الأحيان، بل إنه يبذل جهداً مضاعفاً كي يحصل على هذه الميزة، وليس من المهم أن يكون الجميع قادة من حيث المبدأ لكن من المهم أن يختار بنفسه لا أن يتبع فقط اختيار الآخرين.

يثبت التاريخ أن الخالدين فقط هم من اختاروا طرقاً مختلفة عن السلف وسلكوها وحدَهم من دون أن يهتدوا ببصيص أمل، حتى إن الجموع لم تتوانَ عن رميهم بالحجارة؛ لأنهم زعزعوا مناطقهم الآمنة، لكنهم قادوا حيواتهم وحيوات البقية الذين عاشوا ولم يَعنِهم أمر الخلود واكتفَوا بقطاف ثمار الحياة الآنيّة.