ماذا سنتعلم من تجاربنا؟

تاريخ النشر: 18.09.2019 | 00:09 دمشق

هل سنتعلم من تجاربنا؟ سؤال لا بد من طرحه على الذات لكل فرد من شعب تعرض للحرب التي دمرت وطنه وحياته، سؤال يحمل من الرجاء والتمني بقدر ما يحمل من فضول المعرفة.

لسنا الشعب الوحيد، فتاريخ البشرية موسوم بالحروب والعنف وتكاد تكون فترات السلم مهملة إذا ما قورنت بفترات الحروب في هذا التاريخ، لكننا الشعب الذي ما زالت الحرب فعالة بحقه إلى اليوم تدمر ما تبقى من أرضه وأركان حياته على مرأى العالم القرن الواحد والعشرين، قرن الحقوق الإنسانية وانتفاضات الشعوب من أجل كرامتها وحريتها واستقلالها وتحرير إرادتها، دفعت بالشعب السوري إلى خيارات قسرية هروبًا من جبروتها، فسامته الظروف التي ألفى نفسه فيها والحياة البديلة التي تلقفها كخيار وحيد هروبًا من الموت، كل أنواع القهر والذل والمهانة، وبقيت بلاده مرهونة لأصحاب القرار موزعة إلى مناطق نفوذ ليس للسوري صاحب الأرض أي حق في تقرير مصيره، فهل ستعلمنا الحرب سلوكًا آخر في الحياة؟ هل ستجعلنا في مواجهة فاجعتنا نقف ونتأمل كيف كنا وكيف علينا أن نصير؟

من الواضح أن الحرب دمرت المجتمع وخلخلت منظوماته القيمية والمعرفية وأساليب حياته، كما خلقت من تحت الركام طبقات جديدة على أنقاض القديمة، طبقة من أثرياء الحروب لا تحمل أي مشروع وطني وتفتقر إلى المعرفة والقيم، بدأت نشاطاتها الاقتصادية تتخلق مثل الفطور والثآليل على وجه الحياة، مكرسة قيم الاستهلاك المبتذلة وثقافته. في الوقت الذي أصبحت الغالبية الساحقة من الشعب تعيش على خط الفقر أو تحته.

امتلاك أدوات العصر الاستهلاكية الرائجة كانت كبيرة وتشكل أزمات نفسية عند شريحة من الشباب الذين لا يملكون وسيلة لحيازتها

قبل الحرب والأزمة المستعصية التي حلت بالشعب السوري كانت ثقافة الاستهلاك بدأت تسيطر على المجال العام في سوريا، في عصر صار فيه العالم مفتوحًا على بعضه البعض وصارت العولمة تغزو كل الشعوب وكل البيوت، والتسويق والإشهار يلاحق الأفراد ويصوغ لهم حياتهم، وليس خافيًا اللهاث في مجتمعاتنا نحو الحيازة وامتلاك ما تطرحه وتروج له اقتصادات الاستهلاك، بالرغم من ضيق الحال لدى غالبية الشعب السوري، إلاّ أن الرغبة في امتلاك أدوات العصر الاستهلاكية الرائجة كانت كبيرة وتشكل أزمات نفسية عند شريحة من الشباب الذين لا يملكون وسيلة لحيازتها، كما أن نمط الحياة كان يتصف بالفوضوية والتبذير، خاصة لأن معظم المواد الغذائية متوفرة محليًا، فكان الناس يشترون بلا ضابط ويخزنون في مطابخهم وبراداتهم ثم يرمون قسمًا في الحاويات، كذلك المطاعم التي لها طقوسها وعاداتها ولروادها أيضًا في بلادنا طقوسهم وعاداتهم فكان يرمى غالبًا نصف المعروض على الموائد فيها كفائض عن استهلاك الزبائن.

أما الطاقة الكهربائية والمياه فكانت مستباحة من قبل المواطن ومن قبل الجهات الحكومية، فلم يكن الناس يبالون في التخفيف من الهدر في استعمالهم لكل الموارد، ففي المنزل تترك الأنوار مشتعلة جميعها، وفي المحلات، وشريحة كبيرة من المستفيدين إما يستجرون الطاقة من الشبكة العامة من دون عداد أو أنهم يعطلون عداداتهم أو يقومون بتغيير قيمة الاستهلاك بالاتفاق مع قارئ العدادات، وهذه مشكلة غالبيتنا كانت تعرفها، كذلك المياه، فكثيرون لم يكونوا يكترثون بعطل يصيب الحنفيات يتركونها تسرب المياه دون محاولة لإصلاحها، أو يستجرون المياه من الخط العام دون عدادات، أما على مستوى العادات الشخصية فكان استهلاك المياه بلا أدنى مسؤولية خاصة لجهة التنظيف والأعمال المنزلية، كما أن هناك منظرًا شائعًا في الشوارع والأحياء وهو استعمال الخراطيم لغسيل السيارات أمام البيوت أو المحلات. كان هذا ملمح من ملامح الفساد المستشري والمبارك في حياة الناس، بالإضافة إلى أن الشبكات العامة للماء والكهرباء كغيرها من عناصر البنية التحتية أو الخدمات العامة فهي مهترئة ولا تخضع للصيانة الدورية، وكثيرًا ما نشاهد خطوط المياه العامة مثقوبة أو معطوبة في مداخل الأبنية أو في الشوارع والمياه تتدفق منها لأسابيع من دون أن تأتي ورشات الإصلاح لإصلاحها، في وقت يلوب فيه كثير من الناس على نقطة ماء.

الشعب الألماني يحترم في غالبيته الجهد البشري ويحترم موارد الطبيعة ويحترم المرافق العامة والخدمات المشتركة

لا مجال لتعداد فوضى الاستهلاك، وليس الوقت لتوجيه الناس نحو ترشيد الاستهلاك، لكن السؤال: هل ستعلم الحرب والأزمات الخانقة التي أحدثتها، الناسَ طرقًا جديدة فتصبح ثقافة محاربة الهدر والتبذير والابتعاد عن الإسراف ناظم حياتهم وسلوكهم المعيشي؟ من يتابع حياة الشعب الألماني كنموذج لشعب نهض من تحت ركام مدنه وعانى الجوع في الحرب والقلة في أساسيات العيش بحدها الأدنى الذي يحفظ الحياة، فإنه يرى كثيرا من دروس الحرب والتجارب القاسية. الشعب الألماني يحترم في غالبيته الجهد البشري ويحترم موارد الطبيعة ويحترم المرافق العامة والخدمات المشتركة. بل يركز على الوقاية في كل جوانب الحياة قبل أن تتفاقم أي مشكلة ويصبح حلها مكلفًا. في حياته اليومية لا يشتري الفرد هناك أكثر من حاجته، صحيح أن بلاده وصلت إلى مستوى الدولة القوية المستقرة والمواطن فيها لا يعاني من أزمات معيشية ليسيطر على تفكيره الخوف من فقدان المواد المعيشية ويهرع إلى تخزينها، لكن ترشيد استهلاكه والابتعاد عن الهدر صار أحد أركان سلوكه وعاداته، حتى إن بعض المطاعم تتبع أسلوب تحصيل ثمن الوجبة في المطاعم التي تعتمد طريقة المائدة المفتوحة في عرضها، تعتمد على الميزان في تحصيل القيمة، فيصبح الميزان هو الحكم، وهو الذي يجعل الزبون لا يضع في طبقه أكثر من حد شبعه لأنه سيدفع ثمن كل لقمة توضع على الميزان. هذا مثال يقدم صورة عن شعب قرر أن يصنع تجربته مثلما قادتُه قرروا أن يصنعوا معجزتهم الاقتصادية وصنعوها، ليس فقط بفضل ما قدم لهم مشروع مارشال من دعم، وإنما بسبب أنه شعب استطاع أن يستخلص العبر من تجاربه وعرف أن ينتخب قادته، المعجزة التي انبرت لها أعداد كبيرة من الشعب تخدم المشروع الوطني المطروح لأجل النهوض بالبلاد، ومن رموزه التي تحمل دلالة كبيرة السيدة آني بوردا، صاحبة أشهر مجلة أزياء استطاعت في فترة قياسية اختراق أسواق العالم حتى أسواق الاتحاد السوفييتي والصين في عز العداء بين المعسكرين الغربي والشرقي، السيدة التي أرادت لنساء بلدها المنكوب الناهض من تجربة مريرة كان لهن النصيب الأكبر في المعاناة بسببها، والدور الفعال في رفع الركام وإعادة الإعمار، أن يشعرن بأنوثتهن مثل بقية نساء الأرض، فابتكرت تلك الطريقة التي تجعل النساء بأقل التكاليف يمتلكن أنوثتهن أيضًا.

هذه التفاصيل الصغيرة هي نبض الحياة لدى الشعوب، هي ثقافة إما أن تكون منتجة للازدهار والتقدم وإما أن تكون سببًا يساهم في ترهل الشعوب وجنوحها نحو الحياة الراكدة اليائسة. كان ينقص الشعب السوري الكثير، لكن أكثر ما ينقصه اليوم هو التفكر الرصين والنبيه بالمستقبل، المستقبل الذي لا بد أن يأتي، فدوام الحال من المحال، ومهما كان الزلزال الذي تعرضت له البلاد جبارًا والأثمان التي دفعها الشعب باهظة، إلا أن الحياة هي الأبقى، لذلك فإن الانقلاب على الواقع هو الثورة الحقيقية التي بات الشعب السوري بحاجتها، الانقلاب الجذري على الواقع والتحرر من الماضي بكل ثقافته وقيوده ومنظوماته التي تحكمت بسلوك الأفراد والجماعات وطرق عيشهم. ليس هذا الطرح ترفًا، بل هو خطوة استباقية ضرورية، خطوة لبناء عتبات صحيحة يمكن العبور منها إلى الغد الذي هو من حق الأجيال القادمة.

كلمات مفتاحية
"دخل الجمهور والفرقة بقيت في الخارج".. فيديو من حفل فيروز بمهرجان بصرى في درعا
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
كورونا.. 10 وفيات و468 إصابة جديدة شمال غربي سوريا
إغلاق شعب صفية في طرطوس بسبب كورونا
فحص جديد في مدارس سوريا بدلاً عن الـ PCR يظهر النتيجة بربع ساعة