ماذا تريد إسرائيل من سوريا؟

ماذا تريد إسرائيل من سوريا؟

ماذا تريد إسرائيل من سوريا؟

تاريخ النشر: 12.01.2021 | 00:04 دمشق

مع توالي الضربات الإسرائيلية الجوية والصاروخية في سوريا، يبرز السؤال عن حقيقة السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا منذ انطلاقة الثورة فيها قبل عشر سنوات، وهل وقفت على الحياد فعلا، وركزت فقط على محاربة الوجود الإيراني هناك، كما تدعي.

والواقع أنه بعد انطلاق الثورة السورية في ربيع 2011، حاولت إسرائيل الإيحاء رسميا بانتهاجها موقف الحياد حيال ما يجري، لكنها عمليا تدخلت هناك بطرق عدة تبعا لتطور الاحداث، وبما يخدم مصالحها الأساسية. 

وفي السنوات الأولى، سكتت إسرائيل عن التدخل الإيراني المتصاعد آنذاك لصالح النظام الحاكم عبر الميليشيات الطائفية، بما فيها حزب الله اللبناني، قبل أن تغير موقفها خلال العامين الماضيين باتجاه محاربة ما تسميه الوجود الإيراني في الأراضي السورية.

وتميل معظم التحليلات الى أن السبب المقنع الذي يفسر "الحياد" الإسرائيلي إزاء التطورات في سوريا، هو أن تل أبيب رأت فيها فرصة ليس لإضعاف نظام الأسد وحسب، بل لإضعاف سوريا، كدولة، وتفتيتها كمجتمع وبنية داخلية، بهدف التخلص نهائيا من أي تهديد محتمل قد يصدر من جانبها تجاه إسرائيل لعقود عدة مقبلة. وهذا الهدف الاستراتيجي العام لإسرائيل، لا ينفي وجود تباينات بين قادتها حول الأهداف المرحلية. وانقسم هؤلاء بين اتجاهين: واحد يرى أن استمرار الحرب الداخلية دون غالب أو مغلوب هو مصلحة استراتيجية لإسرائيل، وآخر رأى أن على إسرائيل التدخل لصالح إسقاط النظام الذي ربط مصيره مع إيران، وطالما هو موجود سيظل لإيران موطئ قدم في سوريا. لكن السياسة الإسرائيلية تبلورت أخيرا، بالتفاهم مع روسيا، لصالح دعم الإبقاء على النظام الحالي، لكن مع مواصلة إضعافه إلى الحد الذي لا يمكنه أن يشكل خطرا على إسرائيل، بالتوازي مع مواصلة محاربة النفوذ الإيراني في سوريا.

إسرائيل كانت في وضع استراتيجي مريح جراء استمرار الصراع في سوريا بما يدمر الدولة المركزية والجيش المركزي دون أن تتكبد أية كلفة

ودخلت الاستراتيجية الإسرائيلية التي تركز على محاربة الوجود الإيراني مرحلة جديدة مع انحسار المعارضة المسلحة، وتركزها في شمالي غرب سوريا، وهزيمة تنظيم الدولة، وما رافق ذلك من اعتقاد بدنو مرحلة رسم صورة سوريا المستقبلية، ورغبة إسرائيل، على غرار بقية الأطراف الإقليمية والدولية، بأن يكون لها دور في ذلك. ومن هنا، زادت إسرائيل خلال الأعوام الأخيرة من معدل ضرباتها الجوية والصاروخية في سوريا، بالتزامن مع جنوحها لتبني هذه الضربات علنا في افتراق عن سياسة "الغموض البناء" التي انتهجتها سابقا.

وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل كانت في وضع استراتيجي مريح جراء استمرار الصراع في سوريا بما يدمر الدولة المركزية والجيش المركزي دون أن تتكبد أية كلفة، ودون أن تحلّ مكانه قوة ثورية مركزية فاعلة، حيث نشأت ميليشيات وقوى متشددة أو عرقية تسيطر على مساحات جغرافية محددة في ظل سلطة مركزية ضعيفة.

وبدت سياسة الإدارة الأميركية متماهية مع هذه المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث غضت واشنطن الطرف عن تدخل إيران وحزب الله لدعم النظام السوري، بحيث يتمكن النظام من البقاء، وأخذ زمام المبادرة، مثلما تغاضت عن تدفق السلاح والمقاتلين الداعمين للمعارضة، بما يسمح بتواصل عملية التدمير والإنهاك المتبادل بين الطرفين، ولكن لا يسمح لأي منهما بالانتصار مع تغذية الشعور لديهما بإمكانية الحسم العسكري. 

وساعدت هذه السياسة القائمة على إطالة أمد الصراع في جعل كل الأطراف، بما فيها إيران، تدفع أثمان سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، فضلا عن حرف الأنظار عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والجولان السوري.

لكن مع انخراط قوى إقليمية ودولية بصورة فاعلة في مسار الأحداث، وخاصة روسيا في سبتمبر أيلول 2015، ظهرت المزيد من القيود والتعقيدات على الدور الإسرائيلي في سوريا، وهو ما استلزم مضاعفة الجهد للتفاهم مع روسيا حول حدود هذا الدور، على قاعدة المصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة. 

وفي النتيجة، فقد واجهت الاستراتيجية الإسرائيلية عقبات عدة، بسبب إما محدودية القدرات الإسرائيلية في التعامل مع الأزمة، أو بسبب طبيعة العلاقة والمصالح والتشابكات التي نشأت بين اللاعبين الدوليين والإقليميين. كما أن هناك شكوكا حول مدى نجاح تل أبيب في الحد من نفوذ إيران وحزب الله في سوريا، سواء لجهة إحباط التموضع العسكري هناك، أم منع وصول أسلحة نوعية إلى حزب الله في لبنان.

كما أن إسرائيل تواجه معضلة في تحقيق أهدافها. فمن جهة هي تحارب الوجود الإيراني في سوريا، ومن جهة أخری فإن ضرباتها الجوية والصاروخية ضد هذا الوجود تؤدي إلى التصاق النظام أكثر بإيران لمواجهة هذه الضربات.   

ووفق المعطيات المعلنة، فقد بدأت الضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية في مطلع العام 2013، لتتكرر بعد ذلك الهجمات الإسرائيلية الجوية والصاروخية والقصف المدفعي، على المواقع السورية وعلى نقاط لحزب الله وإيران، تركزت خاصة حول دمشق والحدود السورية مع إسرائيل، إضافة إلى العمق السوري في حماة وحمص وحلب وشرقي البلاد، استهدفت شحنات أسلحة متجهة إلى الأراضي اللبنانية أو قواعد قوات إيرانية. 

وبالنسبة لردود النظام على هذه الهجمات الإسرائيلية، ظل النظام بشكل عام يحاول تحاشي الرد، أو حتى الإعلان عن الهجمات، إلى أن أحرجته إسرائيل بتبني الهجمات بطريقة أو أخرى في الفترات الأخيرة. وقبل إسقاط طائرة إسرائيلية في فبراير شباط 2018، خلال إحدى الغارات، لم تواجه إسرائيل ردودا تذكر على هجماتها من جانب النظام السوري و"محور المقاومة" بسبب انشغالهم بأولويات أخری في الحرب المحتدمة آنذاك وعدم رغبتهم في إشعال جبهة جديدة. لكن مع التدخل العسكري الروسي في سوريا سبتمبر 2015، بدأ النظام يستعيد تدريجيا المناطق التي خسرها من فصائل المعارضة، وهو ما أتاح له ولحلفائه زيادة جرعة التحدي للهجمات الإسرائيلية خاصة بعد إسقاط الدفاعات الجوية للنظام طائرة روسية بالخطأ في سبتمبر 2018 أثناء غارة إسرائيلية على الساحل السوري، حيث عمدت موسكو بعدها إلى إدخال منظومة صواريخ إس 300 إلى سوريا، لتخف بعدها نسبيا الغارات الإسرائيلية، قبل أن تنشط مجددا في الفترات الأخيرة.

ومع سعي روسيا إلى اقناع إيران بتقليص وجودها وميليشياتها في دمشق ومحيطها، فضلا عن تواصل الضربات الإسرائيلية على هذه المناطق في الفترة الماضية بغض طرف روسي مقصود، بدأت إيران البحث عن خيارات أخرى تمثلت في التوجه إلى العراق أو الحدود مع العراق (منطقة البوكمال السورية) إضافة إلى لبنان، وهو ما حدا بإسرائيل إلى تركيز عملياتها في الفترات الأخيرة على قصف مخازن سلاح وصواريخ إيرانية في البوكمال، تنفيذاً لتوافق أميركي ـ روسي بهذا الخصوص، بحسب مصادر دبلوماسية غربية.

ومنذ تدخلها العسكري في سوريا، توصلت روسيا إلى تفاهمات مع إسرائيل، احترمت بموجبها خطوطها الحمراء، وأكدت مرارًا أنها تتفهم مصالح إسرائيل الأمنية في سوريا. وفي البداية كان التفاهم بين الجانبين يقضي بالسماح لإسرائيل في مهاجمة الأهداف الإيرانية دون طلب إذن مسبق من روسيا، لكن روسيا لن تتحمل مسؤولية هذه الهجمات. وفي المقابل، قضى الاتفاق بأن تتجنب إسرائيل التدخل في جهود النظام السوري لإعادة السيطرة على المناطق التي سيطرت عليها فصائل المعارضة. لكن هذا التفاهمات تغيرت في سبتمبر 2018 بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية مقابل الساحل السوري، حيث باتت روسيا بعدها أقل تساهلا إزاء الهجمات الإسرائيلية مع التشديد على ضرورة إحاطتها علما قبل أية غارة إسرائيلية بوقت كاف، وتجنب استهداف مناطق فيها وجود للقوات الروسية. 

وخلال سيطرة قوات النظام على الجنوب السوري في ربيع العام 2018، سعت إسرائيل للتوصل إلى تفاهمات مع روسيا تقضي بإبعاد إيران وميليشياتها مسافة 80 كلم عن الحدود، وهي تفاهمات لم تستطع روسيا الوفاء بها، حيث ما زال لإيران وجود ملحوظ في الجنوب السوري.

وخلال المشاورات اللاحقة من جانب مسؤولين في إدارة ترامب مع مسؤولين روس وإسرائيليين، أبدت إسرائيل والولايات المتحدة استعدادهما، بحسب تسريبات وسائل إعلام إسرائيلية وغربية، للمساعدة في تأهيل النظام السوري إقليميًا ودوليًا، مقابل أن تساعد روسيا في إخراج القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة من قبلها من سوريا، وهو العرض الذي سبق أن طرحه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، على الرئيس الروسي بوتين في سوتشي منتصف أيار مايو 2019. كما جرى طرح الموضوع خلال زيارة نتنياهو إلى موسكو، مطلع نيسان أبريل 2019، حيث اقترح نتنياهو تشكيل "فريق مشترك للعمل على سحب جميع القوات الأجنبية من سوريا".

روسيا تدرك أنه مهما بلغت درجة نفوذها، مع إيران أو دونها، فلا يمكنها التوصل إلى تسوية نهائية في سوريا من دون الحصول على مباركة الولايات والغرب بشكل عام

وحسب الصحف الإسرائيلية، فإن أبرز ما حملته اجتماعات نتنياهو – بوتين الأخيرة طلب موسكو بعدم استهداف قوات الأسد، أو أية أهداف أخرى في دمشق ومحيطها، لأن مثل هذه الغارات تضعضع نظام الأسد الذي تسعى روسيا جاهدة لإعادة تعويمه على الساحتين الإقليمية والدولية، مع مواصلة روسيا غض الطرف عن استهداف إسرائيل لإيران وميليشياتها بعيدا عن دمشق. 

 وما يعزز من فرص إسرائيل للقيام بدور في سوريا، أن روسيا تدرك أنه مهما بلغت درجة نفوذها، مع إيران أو دونها، فلا يمكنها التوصل إلى تسوية نهائية في سوريا من دون الحصول على مباركة الولايات والغرب بشكل عام. ومن هنا، فإن روسيا تبحث عن شراكات جديدة لتسويق "إنجازاتها" في سوريا على المستوى الدولي بغية الحصول على اعتراف دولي بها، وتاليا بنظام الأسد، ومن ثم الحصول على الأموال المطلوبة بشدة من أجل إعادة إعمار البلاد، بما في ذلك تمكين النظام من الوصول إلى حقول النفط والغاز في شرق البلاد والواقعة اليوم تحت نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها. وبطبيعة الحال، لا يخفى مدى التأثير الإسرائيلي في الدور الأميركي في سوريا، وهو ما تدركه روسيا، وتسعى بقدر ما تستطيع إلى عدم إغضاب إسرائيل، على أمل التأثير من خلالها على الموقف الأميركي الذي يعيق حتى الآن عملية إعادة تأهيل نظام الأسد، وتدفق الأموال الأجنبية لإعادة إعمار البلاد.

وعليه، فإن المحددات التي تحكم سياسة إسرائيل تجاه سوريا مرتبطة بالتفاهمات مع روسيا، أكثر من ارتباطها بالموقف من نظام الأسد نفسه الذي لم تعد إسرائيل ترى فيه شريكا يعول عليه، نظرا لضعفه الداخلي، وعزلته الخارجية، وغموض مستقبله، بالتالي تدني قيمة أية تفاهمات قد يتم التوصل إليها معه. وبانتظار جلاء مصير النظام، فإن خطة إسرائيل هي القضاء على أكبر ما يمكنها من عناصر قوة لدى سوريا ككل، يمكن أن تشكل خطورة ولو محدودة عليها في المستقبل بعد طي صفحة النظام.

مقالات مقترحة
حصري: شحنة سلاح إيرانية مفقودة في دير الزور تثير جنون إسرائيل
انكماش الاقتصاد الأردني يزيد الضيق على العمال السوريين 
مسؤول الحرس الثوري في دير الزور يصل العراق للقاء ضباط إيرانيين
تركيا.. 650 ألف عامل في القطاع الطبي تلقوا لقاح كورونا في 3 أيام
"الأجسام المضادة الفائقة".. اكتشاف واعد لمكافحة فيروس "كورونا"
لبنان يقر قانوناً لشراء لقاح "فايزر" لا يحمل الشركة أي مسؤولية