مؤرخون يحذرون بايدن سراً من تأرجح الديمقراطية في الولايات المتحدة

مؤرخون يحذرون بايدن سراً من تأرجح الديمقراطية في الولايات المتحدة

بايدن وهو يصغي خلال اجتماعه بالرؤساء التنفيذيين الذين أطلعوه على الوضع الاقتصادي للقطاعات والمجالات الحساسة في الولايات المتحدة - المصدر: واشنطن بوست
بايدن وهو يصغي خلال اجتماعه بالرؤساء التنفيذيين الذين أطلعوه على الوضع الاقتصادي للقطاعات والمجالات الحساسة في الولايات المتحدة - المصدر: واشنطن بوست

تاريخ النشر: 11.08.2022 | 18:11 دمشق

واشنطن بوست - ترجمة: ربى خدام الجامع

انقطع الرئيس بايدن خلال الأسبوع الماضي الذي كان من أكثر أسابيع فترته الرئاسية ازدحاماً بالانشغالات، عن كل مهامه ليحضر درساً خصوصياً في مادة التاريخ امتد لساعتين تقريباً، قدمه له مجموعة من الأكاديميين الذين دقوا ناقوس الخطر تجاه وضع الديمقراطية الذي بات يرثى له في الداخل والخارج.

كشف ذلك الحوار الذي دار في أثناء عاصفة رعدية ضارية في الرابع من آب عن نوع من الجدل على طريقة سقراط بين رئيس الدولة ومجموعة مختارة من العلماء، وصفت المرحلة الراهنة بأنها من أخطر المراحل في التاريخ الحديث بالنسبة للحكم الديمقراطي، وذلك بحسب ما ذكره مجموعة من الأشخاص اطلعوا على تلك الحوارات لكنهم تحدثوا بشرط عدم الكشف عن أسمائهم لأن ذلك الاجتماع سري على حد وصفهم.

مقارنات من التاريخ الأميركي

أجرت تلك المجموعة من الباحثين مقارنات مع السنوات التي سبقت انتخابات عام 1860، وذلك عندما حذر أبراهام لينكولن من "أن البيت المنقسم على نفسه لا يمكن أن يصمد"، والفترة التي سبقت انتخابات عام 1940، عندما وقف الرئيس فرانكلين روزفيلت ضد حالة التعاطف المتزايدة بين أبناء الشعب الأميركي تجاه الفاشية الأوروبية والمقاومة التي رفضت مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.

كان هذا الهجوم المضلل، بالنسبة لبايدن، جزءاً من الجهود المنتظمة التي تعمد للاستعانة بخبراء من الخارج في اجتماعات خاصة داخل البيت الأبيض، وذلك ليساعدوه في العمل على النهج الذي وضعه تجاه الأزمات المتعددة التي تعرض لها خلال ولايته الرئاسية. فقد سبق أن تحدث الرئيس الأسبق بيل كلينتون إلى بايدن في شهر أيار الماضي حول كيفية التعامل مع التضخم والانتخابات النصفية. كما زارت مجموعة تضم خبراء في السياسة الخارجية، بينهم مستشارون من الحزب الجمهوري، البيت الأبيض في شهر كانون الثاني الماضي لتقديم إحاطة للرئيس بايدن قبل غزو روسيا لأوكرانيا.

أتت تلك الاجتماعات في الوقت الذي يواجه فيه بايدن حالة عزلة أصبحت صفة ملازمة لولايته الرئاسية، والتي يرى بعض الديمقراطيين أنها تفاقمت بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا التي حددت عدد الزوار خلال فترة طويلة من السنة الأولى لبايدن في الرئاسة، وكذلك بسبب طبيعة العزلة التي فرضت على الدائرة المقربة من بايدن والتي تضم موظفين ومسؤولين يعملون في خدمته منذ عقود.

يمضي بايدن معظم جلسات الطاولة تلك وهو يطرح الأسئلة ويختبر الفرضيات بحسب ما أورده مشاركون في تلك الجلسات.

هذا ولقد قدم مايكل ماكفول وهو السفير الأميركي السابق إلى روسيا أيام إدارة الرئيس باراك أوباما، إحاطة لبايدن مع غيره من الخبراء قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، وقبل اجتماع بايدن بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف عام 2021.

وحول ذلك يخبرنا ماكفول فيقول: "إنهم يخرجون من الفقاعة، فلقد عملت لدى البيت الأبيض لمدة ثلاث سنوات قبل أن أسافر إلى موسكو، لذا أعتقد عندما أقارن الأمس باليوم بأنهم فعلوا ذلك بطريقة تعتمد على الاستراتيجية بصورة أكبر مما اعتدنا على فعله أيام إدارة أوباما، وهذا ما يشعر المرء بأنهم باتوا أكثر انخراطاً ومشاركة".

كان ماكفول من بين المجموعة التي التزمت بالتباعد الاجتماعي عندما التقت بالرئيس لتناقش وضع أوكرانيا في القاعة الشرقية في مطلع هذا العام، إلى جانب ريتشارد هاس وهو دبلوماسي سابق، والصحفي فريد زكريا، والمحلل إيان بريمر، والمستشارة السابقة لدى مجلس الأمن القومي فيونا هيل، والفريق المتقاعد جيمس ستافريديز، الذي عمل قائداً أعلى للقوات الموحدة لدى حلف شمال الأطلسي.

في ذلك الاجتماع، جلس بايدن في مكان متوسط من طاولة طعام برفقة خبراء جلسوا إلى جانبيه مع احتفاظهم بمسافة ستة أقدام بعيداً عن الرئيس لحمايته من كوفيد. وعندما ظهر بعض المشاركين عن بعد وبينهم ماكفول وستافريديس على الشاشة، بدأ بايدن يعلق بشكل مقتضب على الموضوع، ثم أمضى نحو ساعتين وهو يطرح عليهم الأسئلة.

أسئلة ونقد بنّاء

وعن ذلك يقول بريمر: "كانوا يريدون تفكيراً خارج الصندوق فعلاً، حيث سألوا إن كانت هنالك طريقة لوقف تلك الحرب التي ستكون مريعة بالنسبة لكل من يشارك فيها، وهل بوسعنا إيقافها؟ وكيف نوقفها؟ إن كل تفاعلاتي مع البيت الأبيض خلال السنوات القليلة الماضية كانت مفتوحة وبناءة وتتطلب مني أن أقدم أفضل ما لدي من أفكار حتى أحدد المواضع التي أخطؤوا وأصابوا فيها".

ذكر الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، آندرو باتيس، بن الرئيس "يقدر قيمة الاستماع لتلك المجموعة الكبيرة من الخبراء"، أما المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي، أدريان واتسون، فقد قالت: "إننا نتواصل بشكل دوري مع مجموعة متنوعة من الخبراء وأصحاب المصلحة تضم أعضاء من كلا الحزبين، وذلك لمناقشة مجموعة من القضايا التي تشمل الحرب الروسية غير المبررة على أوكرانيا".

وفي مؤتمر صحفي عقد في شهر كانون الثاني الماضي، أعلن بايدن أن الأولوية خلال سنته الثانية في الحكم ستكون للحصول على المزيد من المعلومات من قبل الأكاديميين والصحفيين والمؤلفين ومراكز الأبحاث وغيرهم من الخبراء من خارج البيت الأبيض، حيث قال للصحفيين يومها: "سأسعى للحصول على المزيد من المعلومات والنقد البناء حول ما يجب عليّ فعله وما ينبغي عليّ أن ألا أفعله".

إلا أن بعض الاجتماعات كانت خاصة، إذ في حفلة غداء خاصة أقامها بايدن في الثاني من أيار، أثنى كلينتون على الجهود التي يبذلها خلفه لتشكيل تحالف متعدد الجنسيات دعماً لأوكرانيا.

لكنه حث بايدن أيضاً على التحدث عن الجهود التي تبذلها إدارته لمحاربة التضخم، مع توقعه لتخفيف الضغوط عن الأسعار خلال الأسابيع التي تسبق الانتخابات النصفية، بحسب ما ذكره أشخاص حول ذلك الحوار. كما اقترح كلينتون على بايدن أن يتبنى الموقف الذي يجعل منه الشخص الذي ينسب له الفضل بالنسبة لتخفيض نسبة التضخم، بحسب ما ذكره هؤلاء الأشخاص.

دعا كلينتون بايدن أيضاً إلى الخروج بسياسة تناقض سياسة الجمهوريين بشكل صارخ، مع التركيز بصورة أساسية على المقترحات السياسية التي قدمها السيناتور ريك سكوت الذي اقترح أن يتم إلغاء كل القوانين الفيدرالية خلال خمس سنوات، تلك القوانين التي تشمل قانون الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، وزيادة على الضريبة طالت معظم الأميركيين العاطلين عن العمل.

كان البيت الأبيض، على ما يبدو، يخطط لطرح ذلك التناقض بطريقة مشابهة، وذلك بعد مرور أيام على إعلان بايدن لما سمّاه بـ"  “ultra MAGA agenda" في إشارة إلى حركة: "أعيدوا لأميركا عظمتها" التي نظمت أيام الرئيس السابق دونالد ترامب.

تقليد رئاسي قديم

قدم المؤرخون الذين دعاهم بايدن إلى البيت الأبيض نظرة شملت فترة أطول عموماً، حيث وضعوا رئاسته ضمن سياق المسار الأميركي منذ تأسيسه، فقد عاصر بايدن، الذي يبلغ من العمر اليوم 79 عاماً، تسعة رؤساء عن كثب، كان أولهم ريتشارد نيكسون، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه لا بد أنه فكر بالأمور التي جعلت فترات بعضهم الرئاسية أنجح من فترات غيرهم.

إن المجموعة التي التقت في قاعة الخرائط بالبيت الأبيض خلال الأسبوع الماضي تمثل جانباً من الجهود الدورية التي يبذلها مؤرخو الرئاسة الأميركية لتقديم إحاطة للرؤساء، ضمن التقليد المتبع منذ أيام إدارة ريغان. فقد التقى أوباما بمجموعات تشبه تلك المجموعة مرات عديدة، بالرغم من أن تلك الجلسات لم تكن محبذة أيام ترامب.

وتماماً كما حدث في اجتماع مماثل عقد مع بايدن خلال الربيع الماضي، تميز هذا اللقاء الذي جرى في الرابع من آب بحجمه الصغير نسبياً وتركيز المشاركين فيه على صعود الشمولية في مختلف بقاع العالم والتهديد الذي يلاحق الديمقراطية في الداخل الأميركي. وقد شارك في ذلك الاجتماع أحد من يكتبون لبايدن خطاباته في مناسبات معينة، وهو جون ميتشام، والصحفية آن آبلبوم، والأستاذ في جامعة برينستون شون ويلينتز، والمؤرخة أليدا بلاك من جامعة فيرجينيا، والمؤرخ للرئاسة مايكل بيتشلوس، إلى جانب مشاركة كل من آنيتا دون وهي من كبار المستشارين في البيت الأبيض، وفيناي ردي وهو مدير لجنة كتابة الخطابات في البيت الأبيض.

الاجتماع والصاعقة

ظهر بايدن يومها عبر شاشة تلفاز ثبتت بالقرب من الموقد في تلك القاعة، بما أنه كان مايزال يحمل فيروس كورونا، ثم بدأ يكتب ملاحظاته وهو يجلس في غرفته التي تقع على بعد طابقين من قاعة المعاهدات ضمن مقر الإقامة في البيت الأبيض. كما أطل المستشار مايك دونيلون عبر الشاشة أيضاً بحسب ما ذكره أشخاص حضروا تلك الاجتماعات.

وخلال المناقشة، سمع صوت هزيم الرعد القوي، والذي تزامن مع صاعقة قتل بسببها ثلاثة أشخاص في ساحة لافاييت في الشارع المقابل للبيت الأبيض.  

ذكر أحد من اطلعوا على تلك المناقشة أن الحوار كان في معظمه مجرد وسيلة اعتمد عليها بايدن ليسمع ويفكر بسياق أكبر لتسير عليه فترته الرئاسية، ولذلك لم يدلِ بأي تصرح مهم، كما لم يناقش أياً من خططه المستقبلية، ويعلق ذلك الشخص على ما جرى بقوله: "إن معظم الحديث دار حول سياق أوسع لحالة التنافس بين القيم والمؤسسات الديمقراطية والنزعات التي تميل نحو الاستبداد على مستوى العالم".

هذا وقد تحدث بصراحة معظم من حضروا من خبراء خلال الأشهر الماضية حول الخطر الذي يرون أنه يعترض سبيل المشروع الديمقراطي الأميركي، وذلك بعد الهجوم على مبنى الكونغرس في 6 كانون الثاني الماضي، وإصرار بعض الجمهوريين على إنكار نتائج انتخابات عام 2020، والجهود التي بذلها من أنكروا تلك الانتخابات بهدف الوصول إلى منصب الرئاسة.

نشرت آبلبوم منذ فترة قريبة كتاباً حول تراجع القوانين الديمقراطية تحت عنوان: "غسق الديمقراطية: الإغراء المغوي للاستبداد"، أما بلاك التي عملت مستشارة لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، فقد انضمت مؤخراً لمشروع مجلس جامعة فانديربيلت حول الوحدة والديمقراطية الأميركية، والذي يهدف للحد من حالة الاستقطاب السياسية.

ما أشبه اليوم بالأمس

بيد أن المؤرخ للرئاسة الأميركية بيتشلوس، الذي أصبح يظهر بشكل دوري على قناتي إن بي سي و MSNBC، فقد تحدث بصراحة أكبر حول ضرورة قيام بايدن بمحاربة القوى المعادية للديمقراطية في البلاد، حيث أعلن في شهر آذار عبر قناة  MSNBC : "أعتقد أنه سيتحدث الليلة عن حقيقة كوننا أصبحنا جميعاً نتعرض لخطر وجودي يتمثل بتدمير ديمقراطيتنا والديمقراطيات في الدول من حولنا"، وذلك قبل أن يلقي بايدن خطابه حول حالة الاتحاد.

في حين أن ويلينتز الذي فاز بجائزة الكتابة على تأليفه لكتاب: "صعود الديمقراطية الأميركية: من جيفرسون إلى لينكولن"، دق ناقوس الخطر خلال الأشهر الماضية بسبب وضع البلاد، حيث قال خلال الشهر الماضي: "أصبحنا على شفير ما سماه هاملتون في كتابه: "الفيدرالي" حكومة بالقوة الغاشمة".

ركز جزء من النقاش الذي دار خلال الأسبوع الماضي على نقاط التشابه بين المشهد اليوم والفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما وجدت الشمولية المتزايدة في الخارج نماذج مقلقة لها داخل الولايات المتحدة، إذ كما فعل أدولف هتلر في ألمانيا وبينيتو موسوليني في إيطاليا عندما رسخا سلطتهما في ثلاثينيات القرن الماضي، استغل غبطة الكاهن تشارلز كافلين برنامجه الإذاعي في نشر رسائل شعبوية معادية للسامية في الولايات المتحدة، كما عبأ السيناتور هيوي لونغ الأميركيين ضد روزفيلت وأبدى تعاطفه مع الحكومة الديكتاتورية.

لطالما خلقت المخاوف بشأن النزعات المعادية للديمقراطية حافزاً للتحرك لدى بايدن، الذي بدأ حملته الانتخابية في عام 2020 بالحديث عن معركة جارية للتو هدفها إعادة الروح لهذه الأمة على حد تعبيره، وفي ذلك لعب على الألفاظ التي استخدمها ميتشام في عنوان كتابه الذي صدر في عام 2018 وهو: "الروح الأميركية: معركة من أجل نسخة أفضل من ملائكتنا".

ولذلك يتوقع كثير من الديمقراطيين أن تسود الأفكار نفسها حملة بايدن عند ترشحه للانتخابات من جديد، خاصة إن وقف ترامب خصماً له فيها مرة أخرى.

بقي بايدن يستحضر تلك المواضيع في خطاباته التي يتوجه بها لعموم الشعب، والتي كان آخرها ذلك الخطاب الذي ألقاه في شهر تموز أمام هيئة حفظ القانون، والذي انتقد فيه ترامب لعدم اتخاذه أي إجراء فوري عندما هاجم مثيرو شغب مقر الكونغرس الأميركي في السادس من كانون الأول 2021 بإيحاء منه، وذلك في محاولة منهم لإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً حينها، إذ ذكر بايدن أمام الهيئة الوطنية للمتنفذين السود المعنيين بتطبيق القانون: "لا يمكنكم أن تؤيدوا التمرد والديمقراطية في آن معاً، كما لا يمكنكم أن تناصروا العصيان وأن تكونوا أميركيين في الوقت ذاته".

المصدر: واشنطن بوست

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار