"مؤتمر العودة"..اللاجئون السوريون لا يصدقون كلمة مما قالته روسيا

21 تشرين الثاني 2020
كوداستوري-ترجمة: ربى خدام الجامع

جلس محمد خارج مقهى في إسطنبول، وصوت الموسيقا الشعبية التركية يصدح من مكبر للصوت فوق رأسه، وترك كأس الشاي الذي كان يتناوله بعدما برد، وبدأ يحكي لي عن بلده سوريا، فقال: "لا أستطيع العودة إلى بلدي، فهذا مستحيل، بوسعك أن تعاقبني وترسلني إلى دولة أخرى، ولكن لا يمكنك أن تعيدني إلى بلدي، لأنني لا أستطيع أن أعيش هناك، إذ قد أفقد حياتي فيها".

ومحمد هذا الذي أصبح عمره اليوم 24 سنة ورفض الكشف إلا عن اسمه الأول لأسباب تتصل بسلامته، ترك ريف حلب الواقعة غرب البلاد في عام 2016، ومنذ ذلك الحين أصبح يقيم في تركيا بصفة لاجئ. وفي الوقت الذي ترعبه فكرة العودة إلى قريته، أعلن نظام الأسد بتوجيه من حليفته روسيا بأن الوقت قد حان لعودة 6.6 مليون نازح سوري هجروا بسبب الحرب التي امتدت لعشر سنوات إلى بلدهم.

فقد عُقد في الحادي عشر من تشرين الثاني مؤتمر دولي لعودة اللاجئين السوريين نظمته روسيا في دمشق، وكان من الواضح من خلال الدعوات التي أرسلت للدول الحليفة بأن الأهداف الرئيسية من اجتماعهم تتلخص بجمع المال من أجل إعادة الإعمار وحتى يرى العالم بأن سوريا أصبحت مستقرة اليوم ليقوم برفع العقوبات الدولية عنها.

وبالرغم من التصريحات التي دانت المؤتمر من قبل منظمات حقوقية وتنظيمات للاجئين والشتات، إلا أن 27 دولة حضرت ذلك المؤتمر.

فقد شملت الأعلام التي وضعت على المنصة في قصر الأمويين للمؤتمرات الذي يمتاز بفخامته كلاً من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، والتي تعرف جميعاً باسم دول البريكس، إلى جانب حليفة موسكو بيلاروسيا، وكذلك الجارتين العراق ولبنان، لتكون الأخيرة الدولة الوحيدة التي حضرت المؤتمر بوصفها تؤوي عدداً كبيراً من اللاجئين السوريين.

أما تركيا التي تؤوي نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين مقارنة بأي مكان آخر في العالم، حيث بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين فيها 3.6 مليون شخص، فلم توجه لها الدعوة للحضور. وذلك لأن أنقرة تدعم القوات المعارضة لبشار الأسد في سوريا وبسبب حضورها العسكري القوي في شمال غربي البلاد. ولقد قاطعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا المؤتمر، مؤكدين على أنه بموجب القانون رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي لا يمكن الحديث عن عودة اللاجئين دون تسوية سياسية للنزاع. إلا أن منسق الشؤون الإنسانية لدى الأمم المتحدة في سوريا، السيد عمران رضا حضر ذلك المؤتمر بصفة مراقب.

وقد افتتح ميخائيل ميزينتسيف رئيس مركز إدارة الدفاع القومي الروسي فعاليات المؤتمر، حيث زعم بأن الحكومة السورية تضمن عودة آمنة للاجئين، ثم توجه إلى المجتمع الدولي مطالباً إياه: "بوقف سياسة العقوبات ضد النظام وفك تجميد الحسابات المصرفية".

 

وبالعودة إلى إسطنبول، يزعم محمد بأن ما قام به النظام وروسيا هو مجرد تمثيل، إذ يقول: "يريدون أن يظهروا للعالم أننا بخير وأن يقولوا: "انظروا لقد أنهينا الحرب"، لكن هذا غير صحيح. فنحن لن نكون بأمان إذا عدنا، إذ يحتمل أن نتعرض للاعتقال أو القتل".

وأضاف ذلك الشاب بأن هذا المؤتمر كان مبادرة من قبل روسيا لتعويض ما خسرته في هذا النزاع، إذ يقول: "أنفقت روسيا ملايين الدولارات في هذه الحرب، وهي اليوم تريد استعادة أموالها".

وفي خطابه في المؤتمر أنحى علي أصغر خاجي وهو مساعد رفيع لوزير الخارجية الإيراني باللائمة بالنسبة لسفك الدماء والدمار وهجرة ملايين السوريين على تدفق الإرهابيين الذين تدعمهم دول عدة، ثم أعلن عن اقتراح لإنشاء صندوق دولي من أجل إعادة الإعمار.

وفي تصريح لها قبل المؤتمر، أعلنت الجمعية السورية لكرامة المواطن، وهي حركة شعبية تطالب بالحقوق المدنية على لسان أمينها الدكتور مروان نزهان بأنه: "من الواضح أن غرض هذا المؤتمر هو محاولة تأمين الأموال من الغرب تحت ستار إعادة الإعمار وذلك لتأمين المكاسب التي تحققت من خلال الهجمات العشوائية على المدنيين ونزوحهم القسري".

وترى إيما بيلز وهي باحثة غير مقيمة لدى معهد الشرق الأوسط بأن المؤتمر لديه جدول أعمال قائم على صفقات، ولهذا تقول: "في حال عودة بعض اللاجئين، فإن هذا سيزيد من كم الأموال المخصصة لإعادة الإعمار وللإغاثة الإنسانية، ثانياً: إن ذلك يساعد على الدفع نحو فكرة التطبيع".

هذا وتعصف أزمة اقتصادية حادة بسوريا، حيث يضطر المواطنون في مناطق النظام إلى الاصطفاف ضمن طوابير طويلة ليحصلوا على احتياجاتهم اليومية من الطعام والوقود.

يعيش أحمد البالغ من العمر 31 عاماً والذي قام بتغيير اسمه لدواع أمنية، في تركيا منذ ثلاث سنوات ونصف، بعدما هرب من العنف في مدينته الأم دير الزور، ويعتقد هذا الشاب بأن ذلك المؤتمر مضيعة للوقت، إذ لا يجد شيئاً في سوريا يستحق أن يعود المرء لأجله، وهذا ما عبر عنه بالقول: "إن الشعب السوري لا يستطيع أن يعيش إذ لا يوجد هناك خبز ولا ماء ولا كهرباء، لا يوجد أي شيء، إذن كيف يمكن للأسد أن يعيد اللاجئين إذ لم يكن قادراً على مساعدة الشعب الموجود في سوريا؟"

وفي الوقت الذي يرغب فيه النظام في سوريا بعودة بعض اللاجئين ممن يملكون المال بحيث يمكنهم أن ينفقوه داخل بلدهم، ثمة مكاسب أخرى يمكن للنظام أن يحققها عبر الدفع نحو إعادة الإعمار من منطلق إنساني.

ففادي وهو شاب في الثالثة والثلاثين من عمره، طلب منا استخدام اسم وهمي في الإشارة إليه، تعود أصوله إلى ريف دمشق، وقد عاش في لبنان خمس سنوات ولهذا يؤكد بأن النظام لا تهمه إلا مصلحته، وقد علق على ذلك بالقول: "سيحتفظون بالأموال المخصصة لإعادة الإعمار لأنفسهم" مشيراً بذلك إلى روسيا وإيران والنظام، ويضيف: "سيحرقون ذلك البيت، وسيحرقون سياراتنا، وسيدمرون كل شارع مررت به".

أما محمد فهو متأكد من أن روسيا ستؤمن أموال إعادة الإعمار من أجل سوريا، ولكن وحدهم المؤيدون للنظام هم من سيستفيد منها، ولذلك يقول: "قد يقومون بإصلاح بعض القرى في مناطقهم، لكن ليس في مناطقنا".

وتشرح بيلز ذلك بالقول بأن الناس الذين هربوا من القصف الذي تتعرض له المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من قبل قوات النظام ينظر إليهم على أنهم ينتمون للمعارضة ولذلك تم تجريدهم من حق الملكية، وحتى في حال اختيار مدنهم وقراهم لتدخل في عملية إعادة الإعمار سيبقى هؤلاء نازحين، وهذا ما عبرت عنه بالقول: "إن ما يعنيه وجود بعض تلك المشاريع هو عدم قبول عودة اللاجئين إلى وطنهم، لأن المناطق التي هربوا منها خلال الحرب دمرت أو تم ضمها لمشاريع أخرى يستفيد منها مؤيدو النظام".

وأشارت بيلز إلى العقبات التي قد تواجهها روسيا عند محاولتها جمع الدعم الدولي، فقالت: "من الصعب أن يفكر أحد بالاستثمار في هذه المنطقة، سواء أكان مستثمراً من القطاع الخاص أو منظمة إنسانية تحاول أن تقدم المال اللازم لإعادة الإعمار، وذلك لأننا لا نعرف إلى أين ستذهب تلك الأموال".

وترى بيلز بأن العقود التي منحت لمشاريع البنية التحتية تعطى عادة كمكافأة للأشخاص المقربين من الحكومة، ولهذا فإنها ستواصل تغذية اقتصاد الحرب.

وفي هذه الأثناء يواصل الرئيس اللبناني ميشيل عون الضغط من أجل إعادة النازحين السوريين إلى بلدهم بعدما ابتليت بلاده بأزمة اقتصادية وسياسية في آن واحد.

إذ قبل انعقاد ذلك المؤتمر، ذكر عون للمبعوث الخاص لروسيا إلى سوريا، أكساندر لافرينتيف بأنه: "يتطلع إلى حل سريع" لوضع اللاجئين، وأضاف أن: "اللاجئين تسببوا بخسائر كبيرة للبنان".

وحتى لو أكدت مشاركة لبنان في المؤتمر على النية للضغط من أجل عودة اللاجئين، إلا حكومة لبنان بقيت منقسمة حول هذا الشأن، إذ تقوم بعض الأحزاب التي تدعم نظام الأسد بتأييد فكرته ودوافعه لإعادة النازحين إلى بلادهم، في حين يعترف آخرون بالوقائع على الأرض ويرون بأنه من واجب لبنان حماية اللاجئين.

فقد أخبرنا فادي الذي يعيش في بيروت بأنه لم يتعرض لأي ضغوطات حتى يعود، وذلك بفضل وجود الأمم المتحدة بشكل قوي في تلك البلاد والدور الذي يلعبه اللاجئون السوريون اليوم في الاقتصاد اللبناني، وهذا ما دفعه للقول: "أشك بإمكانية حدوث عودة إجبارية من لبنان، أضف إلى ذلك أن لبنان أصبح يعتمد على العمال السوريين".

ويأمل فادي أن يتمكن من العودة إلى بلده في يوم من الأيام، شأنه في ذلك شأن ثلاثة أرباع السوريين المهجرين، إلا أنه لن يفكر بذلك إلا عندما تصبح العودة آمنة.

هذا وتواصل الأمم المتحدة الضغط من أجل قيام تسوية سياسية في سوريا تؤخذ فيها مصلحة عودة اللاجئين بعين الاعتبار، إلا أن كثيرين لا يطمئنون لفكرة وجود الأسد ضمن تلك المحادثات، وقد تم التعبير عن تلك المشاعر عبر وسم انتشر على تويتر بالعربية والإنكليزية وذلك قبل انعقاد المؤتمر وهو: لا عودة بوجود الأسد:   #No_Return_With_Assad.

ومن جهته يرى محمد بأنه لا أحد يثق بالضمانات التي قدمها النظام، ولهذا لن يعود أي أحد إلى أن يتم إلقاء القبض على الأسد ومحاكمته، إذ يخبرنا بأنه: "حتى لو أتت قوات حفظ السلام من أجل الحماية، سيقتلونك من وراء ظهورهم".

 

المصدر: كوداستوري

مقالات مقترحة
أردوغان: جهود تطوير لقاح محلي ضد فيروس كورونا تتقدم سريعاً
تركيا بين ذروتي كورونا.. تضاعف في الإصابات وتمهيد لإجراءات صارمة
معلومات مفيدة حول كورونا للمهاجرين واللاجئين في ألمانيا