icon
التغطية الحية

مأساة تبحث عن إجابات.. حين يتحول المفقودون في سوريا إلى رفات بشرية

2026.03.11 | 12:46 دمشق

آخر تحديث: 2026.03.11 | 12:48 دمشق

العثور على إحدى المقابر الجماعية في سوريا
العثور على إحدى المقابر الجماعية في سوريا
 تلفزيون سوريا
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- منذ بداية الثورة السورية، تحولت أعداد كبيرة من الأشخاص إلى "رفات بشرية" غير معرّفة، مما أثار الحاجة لخبراء في سيكولوجيا المقتولين لفهم القصص وراء هذه الرفات، خاصة مع تكرار العثور على مقابر جماعية.

- في عام 2021، قدرت الأمم المتحدة أعداد المفقودين في سوريا بأكثر من 130 ألف شخص، بينما تشير الهيئة الوطنية للمفقودين إلى أن العدد قد يتجاوز 300 ألف شخص، مما يعكس حجم المأساة.

- رغم الجهود المبذولة لتحديد هويات المفقودين، تبقى المهمة هائلة ومعقدة، مع وجود أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا، مما يثير تساؤلات حول مصير هؤلاء الأشخاص.

لو أن فرق الدفاع المدني، تصور وجوه الجثث عند العثور عليها. هل تبدو غاضبةً أم خائفة؟ وإذا ما أصابها التحلل وضاعت معالم الوجوه، كيف تظهر محاجر العيون والأصابع والجماجم؟ هل تستسلم للسكينة بعد الرحيل؟ أم تتحفز توقاً للانتقام؟.

هل يعثرون على ذكريات الجثث، ملقاةً قربها؟ أم أن الانفعالات تتبخر، ونصبح بحاجة لتحاليل الـ"دي إن إي"، لاكتشاف هوية الميت، وبماذا كان يفكر قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة؟

تنفجر غابة الأسئلة وتتشابك، عند كل إعلان للدفاع المدني السوري، عن العثور على "رفات بشرية" في أرض زراعية، أو عند مفرق طريق، أو داخل كهف أو قرب حاجز عسكري للنظام البائد، حتى بتنا بحاجة لخبراء في سيكولوجيا المقتولين، تزيح الغطاء عن القصة، مثلما تفعل فرق الإنقاذ عندما تكتشف الجثة!.

ما دفع هذا الموضوع للواجهة، إعلان الخوذ البيضاء بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين، عن اكتشاف "رفات بشرية" داخل ثكنة الشقيف بحلب منذ أيام. الجثة كانت موجودة ضمن تجويف مهجور يشبه المغارة داخل الثكنة، ولولا المصادفة، لأمضت سنوات داخل الكهف، حتى يُعثر عليها وتُدفن كما يليق بالشهداء!.

 العثور على رفات بشرية في ثكنة الشقيف بحلب
العثور على رفات بشرية في ثكنة الشقيف بحلب

من شخص لديه عائلة وأبناء إلى "رفات بشرية"

منذ بداية الثورة السورية، تحولت أعداد هائلة من الأشخاص الذين لهم تاريخ ومستقبل وطموحات، إلى مجرد "رفات بشرية" غير معرّفة ولا معروفة، بسبب تحلل الجسد وغياب الملامح. ترى، لماذا لم يخترعوا آلة يمكنها اكتشاف أفكار الجثث ومشاعرها قبل أن تموت؟ لماذا لا يوجد في المختبرات، تحليل يكشف ذلك الصندوق الأسود للجثث؟ من هي؟ وأين كانت تسكن؟ وكم لديها من الأبناء والإخوة؟ هل أمهاتهم مازلن ينتظرنهم بفارغ الصبر؟ أم إنهن قطعن الأمل، ولم يبق سوى صورهم تزين حائط البيت؟.

قبل فترة، تم الإعلان عن العثور على "رفات بشرية" لـ 14 شخصاً، في عدرا العمالية، وتكرر الأمر في حماة وحلب وريف دمشق، كان أبرزها مقبرة "العتيبة" الجماعية في الغوطة، حيث تحول عشرات الرجال والأطفال والنساء، إلى بقايا عظام يسمونها "رفات بشرية"، بلا ملامح أو هوية أو إخراج قيد عقاري، يثبت أن هذه الرفات أو تلك، تملك أرضاً وبئراً، وفيها غرفتان صغيرتان، تعيش فيهما عائلة، توصل أبناءها يومياً إلى المدارس، ثم تعود كي تقطف مساكب البقدونس والنعنع، وتحوله إلى جرزٍ صغيرة لتبيعه في سوق الهال؟.

تحولت الجثث إلى "رفات بشرية"، بلا سجلات أو عائلات وتاريخ وأملاك.. ولأنه من الصعب فرز الجماجم والعظام عن بعضها بشكل صحيح، يتم حملها إلى المقابر الجماعية للضحايا المجهولين، لتحمل أرقاماً عوضاً عن الأسماء، و"لتهدأ عظامكم إلى الأبد، تحت هذا الأديم الذي متّم من أجله!".

	مقبرة جماعية في منطقة عدرا بريف دمشق
مقبرة جماعية في منطقة عدرا بريف دمشق

أرقام صادمة لأعداد المفقودين المصنفين كـ"رفات بشرية"

في عام 2021، قدرت الأمم المتحدة أعداد المفقودين في سوريا، بأكثر من 130 ألف شخص. لتعود الهيئة الوطنية للمفقودين، للإعلان بأن عدد الأشخاص المفقودين خلال عقود من حكم عائلة الأسد وفترة الحرب التي أعقبت الثورة، قد يتجاوز 300 ألف شخص.

مع انقضاء الشهور والسنوات، لم يعد بالإمكان تصنيف تلك المئات من آلاف الناس المختفين مجهولي المصير، سوى كـ"رفات بشرية"!. شعب كامل تحول إلى رفات بشرية، من غير المعروف أين تسكن بقاياه؟ هل في حفر ضخمة أعدت لهذه الغاية؟ أم هم موزعون على المفارق وتحت الساحات العامة وداخل الأقبية؟.

هل يمكن أن نستيقظ يوماً، لنُفاجأ بتلك الأعداد الهائلة من الرفات البشرية، وقد نهضت من أماكنها، لتسير بمظاهرة تطالب فيها الأحياء بردّ الاعتبار؟ هل سيعاتبون القادة، ويخترعون شعاراتٍ تناسب الجثث عندما تقوم لتطالب بالحياة؟ وماذا يمكن أن تفعل محافظة دمشق، بسجلات النفوس والبطاقات الشخصية الضائعة من أولئك الأشخاص؟ هل يمكن أن تمنحهم ورقة غير محكوم؟ أم أنها ستلقي بهم في السجون لأنهم بلا أوراق ثبوتية؟.

تقول الهيئة الوطنية للمفقودين، إن لديها "خريطة تتضمن أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا"، لكن رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش، قالت إن تحديد مصير الذين فُقدوا خلال الحرب، سيكون مهمة هائلة من المرجح أن تستغرق سنوات!.

إذن، على جميع الغائبين المختفين أو المقتولين المجهولين، الاكتفاء بلقب "رفات بشرية" حتى إشعار آخر!.

عند العثور على مقبرة "العتيبة"، اكتشفت إحدى الأمهات جثة ابنها، من لون الجاكيت التي كان يرتديها.. وأخرى اكتُشفت هويتها عن طريق صورة صغيرة، كانت في جيب سترة الجلد المهترئة، لكن ذلك لم يسقط عنهم صفة "الرفات البشرية"، لأن الثياب لا تعطي الجثث هويتها بشكل حاسم، نتيجة لاختلاط العظام وتداخل البقايا في المقابر الجماعية.

كثيراً ما عاد المقتولون ضمن توابيت محكمة الإغلاق لا يسمح للأهل بفتحها، حيث كانت الأشلاء توزع على الصناديق الحديدية تبعاً لتقديرات القاتل: "هذه الكومة من اللحم والعظام هي لفلان الفلاني"، و"ذلك الرأس المقطوع بلا ملامح، ماذا نفعل به يا سيدي؟ ضعوه في تابوت منفرد، وثبتوه حتى لا يتدحرج ويحدث جلبةً أثناء النقل، ثم أعطوه اسماً وسلموه لأهله حتى يدفنوه حسب الأصول"!.

ذلك السيناريو، يمكن تخيله ببساطة لكثير من الجثث المجهولة في سوريا. وربما بكت أمهات كثيرات على توابيت لا تحمل أبناءها، أو ربما احتوت قطعاً صغيرة منهم.. وماذا عن الذكريات والأحلام والمشاعر، التي كانت قرب الجثث عند العثور عليها؟ "هذه الأشياء لا جثث لها، لأنها تتبخر وتبقى هائمة في الفضاء" هكذا يجيب القاتل!.

مع الوقت، تحول مصطلح "الرفات البشرية"، إلى لعنة تلاحق السوريين.. ويسأل أحد الأطفال والدته: "أين أبي يا أمي؟"، فتجيب: "لقد تحول إلى رفات بشرية، ترقد في مكان ما من تراب سوريا، لكنه سيعود يوماً، عندما يبدأ اليوم العظيم لنهوض الجثث من مراقدها".

نعود إلى الحكيم أبي العلاء المعري، بعد انقضاء مئات السنوات على رحيله، كأنه يعيش اللحظة الراهنة عندما قال: "خَفّفِ الوَطْءَ ما أظُنّ أدِيمَ الأرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ".