"لم نكن نعرف كيف نفرح؛ كان الفرح يشبه باباً فُتح فجأة على ضوء حاد بعد ظلام طويل"، تقول عنود (29 عاماً) وهي تستعيد الليلة التي سقط فيها الأسد ودخلت فيها فصائل "ردع العدوان" إلى العاصمة دمشق. وتضيف "منذ أربعة عشر عاماً انحصرت مشاعرنا بالخوف فقط. كأننا نلمس الفرح للمرة الأولى".
في تلك الليلة، 8 كانون الأول 2024، بدا أن دمشق تقف على أطراف أصابعها وتحبس أنفاسها خلف النوافذ وعلى الشرفات. لم تكن تعرف ما إذا كانت تشهد نهاية حقبة أم بداية أخرى، لكن شيئاً كبيراً بدا أنه بدأ يتغير في كل مكان، في الهواء وفي البيوت وعلى الشرفات.
ومع اقتراب المعارك من العاصمة من جهات متعددة، كانت البيوت الدمشقية تعيش توتراً لا يشبه أي ليلة عرفتها خلال سنوات الحرب، فالأبواب نصف مفتوحة، والنوافذ مضاءة، الشرفات مزدحمة برؤوس وعيون تنتظر خبراً يفصل بين زمنين: زمن الخوف الطويل، وزمن يُنتظر، رغم أنه لا يزال غامضاً، لكنه بدا أقرب من أي وقت مضى.
داخل تلك البيوت، بعيداً عن خط الاشتباك وعن الساحات التي دخلتها فصائل "ردع العدوان" فجراً، وُلدت روايات صغيرة وكبيرة، روايات لمدنيين عاشوا سنوات تحت وطأة القمع والرقابة، ثم وجدوا أنفسهم فجأة أمام مشهد لم يجرؤ معظمهم على تخيل حدوثه في دمشق: سقوط نظام الأسد.
في هذا التقرير، نحاول إعادة تركيب تلك الليلة من داخل البيوت الدمشقية، عبر شهادات رجال ونساء عاشوا لحظة التحول من خلف النوافذ وعلى الشرفات، قبل أن يخرجوا إلى الشوارع ليشهدوا الفجر الجديد.
الشرفات تحبس أنفاسها
حتى اليوم، تقف هبة (38 عاماً) أمام نافذتها في مشروع دمر، وتتذكر تلك الساعات، تقول "منذ العصر يوم السبت (7 كانون الأول 2025) ونحن نقف ونراقب من الشرفات والنوافذ. كنا نسمع أخبار تقدم فصائل المعارضة نحو دمشق، لكننا نكرر لأنفسنا: هذا مستحيل".
تضيف هبة "كأننا كنا نخاف من الأمل نفسه. الحي بأكمله كان مستيقظاً تلك الليلة، والتوتر ينتشر في البيوت كالنار، لكنه لم يكن خوفاً خالصاً، بل شيئاً بين الخوف والرجاء".
في باب توما، الصورة كانت مشابهة ولكن بلون مختلف. تقول هند سمحو (42 عاماً) إن المنطقة بدت وكأنها "فارغة من الحياة"، موضحة أنه "لم تكن هناك دوريات، ولا حركة الحواجز المعتادة. سمعت جيراني يقولون إن شيئاً غير طبيعي يحدث. كنا نفهم أن النظام يضعف، لكننا لم نكن نظن أنه سيختفي فجأة. تلك الليلة شعرت أن دمشق تحبس أنفاسها".
أما في حي القدم جنوبي العاصمة، يقول أحمد الحامد (55 عاماً)، صاحب بقالية، "كنت أتابع الأخبار لحظة بلحظة. كل خبر أو إشاعة كنا نلتقطها سريعاً. قبل يومين فقط، بدأت أشعر أن نهاية الأسد أصبحت قريبة. ومع دخول الليل، لم ينم أحد من أهل الحي. كنا نتحسس وقع اللحظة، لكن أحداً لم يجرؤ على إعلان ما يفكر به".
تلك الليلة، كانت النوافذ مرصداً عاماً، والشرفات خط المواجهة الأول مع الواقع الجديد الذي بدأ يتشكل. كل نافذة صارت عالماً صغيراً، وكل بيت تحول إلى مسرح يتقاطع فيه الخوف مع الترقب، في حين الحقيقة، التي بقيت محجوبة طويلاً، كانت تقترب خطوة بعد خطوة.
حين سقط الأسد في البيوت قبل الشوارع
مع اقتراب الخامسة فجراً، ظهرت أول علامات السقوط الفعلي للأسد داخل البيوت الدمشقية: أصوات تُسمع في كل مكان.
في مشروع دمر، تقول هبة "بدأنا فجأة نسمع الأصوات تتعالى من الحارات: (سقط النظام.. بشار هرب.. دمشق تحررت..)، لم تكن الأصوات تصدر من جهة واحدة فحسب، بل من كل مكان في اللحظة نفسها تقريباً. ثم بدأت التكبيرات تملأ الهواء، كأنها هزة أرضية تمر عبر النوافذ".
في حي القدم، يتذكر أحمد الحامد تلك الدقائق "سمعت إطلاق نار كثيف، لكنه لم يكن مثل سابقاته. كانت طلقات فرح، واضح جداً من نبرتها"، يقول بثقة، ويضيف "صاحت زوجتي من خلفي: سقط بشار؟ انتهى النظام؟ وبعد ثوان جاء صوت مسجد الحي ينادي: الله أكبر.. سقط الأسد.. دمشق تحررت".
في حي باب توما، وهو حي ذو غالبية مسيحية، تقول هند إنها فوجئت بصوت تكبيرات يأتي من مسجد بعيد "كان المشهد غريباً ومؤثراً في الوقت نفسه، شعرت أن شيئاً عظيماً يحدث، شيئاً لم نعرف كيف نصفه أو نسميه بعد".
وفي كفر سوسة، كان حسان زكريا (35 عاماً)، يراقب من شرفته، ثم بدأ يسمع صراخاً من البنايات المجاورة، يقول "كان معظم الجيران على الشرفات، بعضهم يصرخ: سقط الأسد! تحررنا!"، ويضيف "كنت أسمع التكبيرات لكنها ممزوجة بشيء ما، لا أدري هو فرح أم صدمة، تلك اللحظة كانت مثل انفجار داخلي، قيامة صغيرة حدثت في كل بيت".
أما أم عدنان (60 عاماً)، من ركن الدين، فتصف اللحظة بعبارة واحدة "كُسر الخوف"، وتضيف "سمعت الحي كله يصرخ. وجوه الجيران الظاهرة من الشرفات والنوافذ ومن خرج منهم إلى الأزقة كانت مملوءة بالذهول، شعرت حينها أن شيئاً ثقيلاً كان فوق صدورنا وانزاح فجأة".
في اللحظات الأولى لفجر 8 كانون الأول 2024، بدا أن أحياء دمشق كلها تتحرك من الداخل إلى الخارج، من همسات في الغرف، إلى صرخات في الحارات، ثم إلى تكبيرات تتردد على ألسنة الناس قبل أن تسمع من مآذن المساجد.
شارع بلا خوف
من الشرفات، انتقل أهالي دمشق إلى الشوارع بتردد يشبه الحذر، لكنه كان حذراً ممزوجاً برغبة في رؤية ما يحدث بأعينهم.
في حي القدم، خرج أحمد الحامد من بيته مع أول شعاع للضوء، يقول "كان شباب الحارة كلهم في الشارع، لم نكن نعرف ماذا سيحدث بعدها، ولم نفهم تماماً من هؤلاء المقاتلون الذين يمرون بسياراتهم، لكننا أدركنا أن زمناً انتهى. وحين مرت سيارات المقاتلين وهم يحيون الناس، شعرت أنني أستعيد مكاني الذي فقدته منذ زمن في مدينتي".
في باب توما، تقول هند إن المقاتلين دخلوا الحي "بهدوء يشبه الاعتذار"، مضيفة أنهم "كانوا يمشون بحذر حتى لا يخاف أحد. رأيت الابتسامات على وجوه الجيران. شعرت أن باب دمشق يفتح على صفحة جديدة".
في مشروع دمر، تقول هبة إنها ركضت من النافذة إلى باب المنزل عندما سمعت سيارات المقاتلين، تقول "كان يظهر عليهم التعب، وكانوا مغبّرين، لكنهم يبتسمون. شعرت أنهم أبناء هذه المدينة، لا غرباء عنها.
أما حسان زكريا، فيقول إنه خرج ليجد علم الثورة مرفوعاً على سيارة تمشي في الحي سائقها يصرخ "بشار الأسد هرب.. زمن الخوف انتهى"، مشيراً إلى أن الناس يتبعون سيارات المقاتلين يحيونهم، بل حتى بعضهم يقبّل المقاتلين الذين بدأ بعضهم يترجل من السيارات.
يضيف حسان أنه في هذه اللحظة "لم أتخيل أن أعيشها يوماً. كنت من المتظاهرين الأوائل في دمشق عام 2011، وشعرت فجأة أن الثورة عادت إلى مدينتها الأصلية".
أما في ركن الدين، تصف أم عدنان كيف اتصلت بأبنائها المغتربين فور خروجها من البيت إلى الزقاق الذي تسكن فيه، "قلت لهم: سقط الأسد ودمشق حرة"، وتضيف "لأول مرة منذ سنوات أشعر أن بإمكاني قول الحقيقة والتحدث إلى أولادي بلا خوف".
فتح الباب لم يكن فعلاً بسيطاً في تلك الليلة؛ كان إعلاناً داخلياً بأن الخوف تراجع خطوة إلى الوراء، وعندما خرج أهالي دمشق إلى الأزقة، لم يخرجوا ليشاهدوا ما يجري، بل ليؤكدوا ما كانوا يسمعونه ويرونه ويتداولونه داخل بيوتهم.
فرح مؤجل وبحث لا ينتهي
لم تكن كل بيوت دمشق تحتفل في تلك الليلة؛ فبعضها فتح أبوابه لينطلق في رحلة بحث موجعة عن معتقلين غيبتهم السجون لسنوات.
حتى الآن، لا تستطيع عنود (29 عاماً) تسمية ما شعرت به ليلة سقوط الأسد. تقول "نحن لم نكن نعرف كيف نفرح". تصمت طويلاً قبل أن تضيف "منذ أربعة عشر عاماً انحصرت مشاعرنا بالخوف فقط. وحين جاء الفرح، جاء متعباً، مربكاً، كأننا نلمسه للمرة الأولى".
لحظة إعلان سقوط الأسد كانت لحظة انفجار لم يفهمه عقل عنود قبل قلبها، بكت كالمصدومة، تقول إن ذلك يشبه أحداً فتح الباب فجأة على ضوء حاد بعد ظلام طويل. لم تصدق ما يحدث، وفي تلك اللحظة غاب كل شيء ولم يكن في بالها سوى وجه واحد لا يفارقها: شقيقها المعتقل منذ عام 2014، الذي لم يصلهم عنه أي خبر طوال السنوات الماضية.
بعد أيام من التحرير، وصلت لعائلة عنود وثيقة أنهت انتظاراً دام أحد عشر عاماً، شقيقها استُشهد تحت التعذيب بعد عشرين يوماً فقط من اعتقاله. تقول عنود "من أجل ذلك كان الفرح مخيفاً، لأنه أعاد إلينا الحقيقة التي خسرناها منذ زمن، وأخبرنا أن الفقد كان أقرب إلينا مما كنا نتصور".
أم وائل، (52 عاماً) من مخيم اليرموك، تقول إنها خرجت من بيتها "بثياب المنزل" فور سماع خبر سقوط الأسد وبدء خروج المعتقلين، "لم أنتبه لشيء. كنت أصرخ في الشارع: أين المعتقلون؟ من يعرف عنهم؟ ابني وائل معتقل منذ 2013، ظننت أن هذا الفجر سيعيده إلي".
في ساعات الصباح الأولى، توجهت أم وائل، مع آخرين من ذوي المعتقلين، إلى محيط فرع فلسطين بالقرب من مدخل جرمانا ومن ثم إلى سجن صيدنايا.
تصف أم وائل المشهد "كان الناس يركضون ويبحثون بين الوجوه، البعض خرج يجر أقدامه من شدة الإعياء. كنت أبحث بين كل الوجوه ولا أعرف ما إذا كنت أريد أن أراه حياً أم أخاف ألا أجده أصلاً".
أبو صهيب (35 عاماً)، شقيق معتقل في صيدنايا، يقول إنه قضى الساعات بين السادسة صباحاً والثانية عشرة ظهراً يبحث في الفروع الأمنية عن شقيقه، حيث ذهب إلى مبنى فرع الأمن العسكري في الجمارك وفرع الخطيب في شارع بغداد وسجون سمع عنها في محيط رئاسة الأركان في ساحة الأمويين.
ويضيف "كنت أنوي التوجه إلى سجن المخابرات الجوية في القصاع عندما سمعت أن سجن صيدنايا فُتح والمعتقلين يخرجون. أخذت سيارة جاري وذهبت إلى هناك، ومع كل خطوة كنت أتوقع أن أرى أخي، أو أن أسمع اسمه بين الذين خرجوا، لكن أخي لم يخرج. سقط النظام والمعتقلين ما زالوا مفقودين".
من جانبها، توجهت سمر (44 عاماً)، زوجها معتقل منذ 2012، نحو سجن صيدنايا فور إعلان السقوط، تقول "حملت صورته وركضت مع آخرين من أهالي المعتقلين، كانت جميع الأبواب مفتوحة، والوثائق مبعثرة على الأرض. كنت ألتقط أي ورقة أجدها، لعل اسمه مكتوب فيها".
يوم التحرير بالنسبة لعائلات وذوي المعتقلين لم يكن لحظة فرح فقط، بل لحظات اختلط فيها الألم والأمل، الخسارة والبحث عن بداية جديدة، وبالنسبة لهؤلاء، لم ينته الليل عند سقوط الأسد، بل بدأ فصل جديد من الأسئلة التي ظلت بلا إجابة: "أين المعتقلين؟ من عاد منهم؟ ومن بقي خلف تلك القضبان التي سقط جلادوها ولم تسقط أسرارها بعد؟".
دمشق انقلبت من الداخل
ليلة 8 كانون الأول 2024، بدت العاصمة كأنها تنقلب من الداخل. لم تكن لحظة التحرير مجرد حدث عسكري أو سياسي، بل كانت لحظة شهدتها البيوت والشرفات قبل الشوارع والساحات.
فجر ذلك اليوم، عاشه سكان دمشق على الشرفات والنوافذ، أدرك معظمهم سقوط الأسد من الأصوات قبل الصور، من هتافات ورصاص المقاتلين القادمين من الشمال، ومن تكبيرات المساجد التي سبقت أي مشاهد في الشوارع.
تحررت دمشق أولاً في وعي قاطنيها. في اللحظة التي انهار فيها الخوف وارتفعت الأصوات من داخل البيوت، ثم تبعها الشارع ليثبت ما عرفه الناس مسبقاً: أن دمشق الآن بلا الأسد.








