ليسوا سواءً: أساقفة نيكاراغوا وأساقفة سورية

تاريخ النشر: 26.05.2018 | 00:05 دمشق

تُعرف نيكاراغوا بأنها أرض البحيرات والبراكين...
لكنّ الأدخنة التي تتكاثف فيها اليوم لم تنبعث من هذه البراكين، بل من القنابل المسيلة للدموع التي تطلقها الشرطة على المتظاهرين، ومن الإطارات التي يضرمها المحتجون في مواجهاتهم للشرطة، ثم من الأسواق والمحلات التجارية التي يحرقها، انتقاماً من عموم السكان، الشبيحة والبلطجيون.

منذ شهر تقريباً في 19/نيسان/2018م فرض كبار السن أولاً، ثم طلبة الجامعة ثانياً أن تخرج بلادهم من عالم العماء إلى الساحة الدولية مرة أخرى، فلمدة أحد عشر عاماً غابت أخبار الحكومة النيكاراغوية خلال حكم دانييل أورتيغا الأخير عن وسائل الإعلام العالمية غياباً تاماً! فلم يعد أحد يعلم ماذا يحدث هناك! إلى أن انتفض كبار السن ضد قرار يرفع سن التقاعد، ويخفّض مخصصاته. احتجوا ضد سرقة أموال التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، وخرجوا إلى الشوارع، فتعاملت معهم شرطة مكافحة الشغب بقسوة وعنف، وأثارت صورة ضرب عجوز الرأيَ العام النيكاراغوي، كما أثارت أخبارُ أطفال درعا في أقبية مخابرات الأسد الشعبَ السوري، فالطفولة والشيخوخة حدّا الإنسان الرهيفان، والحساسية تجاه إذلالهما وانتهاكهما دائماً ما تنتج ردود أفعال لا يمكن حسابها بدقة، ولا التكهن بمآلاتها بإحكام.

اندلعت المظاهرات، واعتصم الطلاب في الجامعات، فصدرت أوامر النظام بالتعامل معهم بحزمٍ على أنهم عصابات وغوغاء، وتمّ فكّ اللجام عن المجرمين والبلطجية، وأطلقت أيديهم ليلغوا في أجساد المواطنين وأرزاقهم. وظنّ النظام أنّ قتل بعض المتظاهرين سيفرّق بقيتهم، ويشتّت شملهم! فسقط خلال يومين 62 قتيلاً معظمهم من طلاب الجامعات، وثّقتهم اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان. لكن جاءت النتيجة على خلاف ما توقعه النظام، فعمّت الاحتجاجات معظم المدن: العاصمة ماناغوا، كاترينا، ماسايا، سيباكو، إلخ، وتفاقمت الاحتجاجات، وأقيمت المتاريس، وأحرقت دار البلدية في العاصمة، أحرقها الشبيحة البلطجية واتهموا المتظاهرين بارتكاب هذا العمل الشنيع، وتوالى سقوط الضحايا من المواطنين، وكما كان السوريون المسالمون في بداية الثورة السورية يتنادون للفزعة من مدينة إلى مدينة فقد بدأت المسيرات وقوافل الدعم تخرج من العاصمة ومدن أخرى دعماً لمدينة ماسايا التي حدثت فيها اشتباكات مؤلمة في 12/5/2018.

اختار معظم أساقفة نيكارغوا أن يحثّوا الناس بشدة على النزول إلى الشارع رداً على القمع الذي يمارسه نظام أورتيغا

وعلى الرغم من النقاش الدائم في الكنيسة الكاثوليكية حول مقدار مشاركة الكهنة في السياسة فقد اختار معظم أساقفة نيكارغوا أن يحثّوا الناس بشدة على النزول إلى الشارع رداً على القمع الذي يمارسه نظام أورتيغا، ولم ينظر الكهنة إلى دعوتهم باعتبارها دعوة سياسية، بل دعوة أخلاقية إنسانية لازمة وواجبة، وفي يوم السبت 28 من الشهر الماضي دعا المؤتمر الأسقفي في نيكاراغوا إلى يومٍ للصلاة، ومسيرةٍ للسلام والعدالة، فاجتمع آلاف الأشخاص من خارج الكاتدرائية استجابةً لهذا النداء.

أما الأسقف المساعد لماناغوا سيلفيو بايز فأعلن: (لدى الأساقفة رسالة واضحة: وقف العنف، ووقف القمع، لأننا مع الشعب)! وطالب النظام بالنقاط الأربع التالية:
أولاً: التحقيق في المجزرة التي تعرض لها الطلاب.
ثانياً: إيقاف القوات شبه العسكرية والبلطجية، وقوات (الباسيج) والشبيحة، وعدم زجّ الشرطة الوطنية في أي عمل قمعي.
ثالثاً: التوقف فوراً عن كل أنواع القمع ضد الجماعات المدنية الذين يتظاهرون سلمياً، وضمان السلامة الجسدية لطلاب الجامعات، ومختلف الأعضاء الفاعلين الذين من شأنهم أن يشكلوا طاولة الحوار الوطني.
رابعاً: تقديم علامات الرغبة الصادقة في الحوار والسلام، واحترام كرامة الأفراد وحريتهم، وبخاصة موظفي القطاع العام، وعدم إجبارهم على حضور المناسبات الحزبية، وعدم شلّ المواصلات العامة.

أما الموقف الذي هزّ وجدان الناس، وحرّك نوازع الخير والصحوة فيهم فما قام به أسقف مدينة سيباكو شمال نيكاراغوا! فبعد يوم من الاشتباكات بين المتظاهرين من جهة والشرطة والشبيحة البلطجية من جهة أخرى، وبعد تراشق الطرفين الاتهام بمن بدأ أعمال العنف قرّر الأسقف أن تكون الصلاة جوّالة في الأماكن التي وقعت فيها أحداث العنف. كان المشهد مهيباً. استطاعت أنفاس الصدق الطامحة للسلام، أن تلامس شغاف القلوب، فرافق الأهالي موكب الكنيسة. انسحب الطرفان احتراماً للصلاة. بعضهم بكى، وبعضهم توارى خجلاً، وفتح الناس بيوتهم، وركعوا وصلوا خلال مرور الموكب، ليتوقف العنف، ويعود السلام بينهم.

وقف القساوسة أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن ينتصر هذا النظام، وإما أن ينكسر

لقد وقف القساوسة أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن ينتصر هذا النظام، وإما أن ينكسر. وهم في كلا هذين الاحتمالين وقفوا مع الشعب، ودعوا في الوقت نفسه للسلام. فإن سقط النظام فسينعمون بتحقيق الإرادة الشعبية التي كانوا سبباً في حمايتها ودعمها وتقويتها، وإن لم يسقط فلا شك في أنهم سيكابدون، ولكن سيظلون محميين بطهارة أيديهم وألسنتهم من الدماء، ومكفيين بدعوتهم للسلام والعدالة من دون تجاوز ولا طغيان، وستظل صفحتهم نقية أخلاقياً، وتاريخهم ناصعاً إنسانياً، من دون تلطخ أو قذارة.

ورغم أن الحدث النيكارغوي ما زال في بدايته، وأننا ما زلنا بحاجة إلى الوقت الكافي للتأمل ومراقبة المآلات فإنه رغم ذلك يدفعنا، نحن السوريين، للمقارنة بين موقفهم الأخلاقي النبيل، وبين المواقف المخجلة لبطاركة سورية وأساقفتها ومطارينها:
- فمن بطريرك يرفض من أول يومٍ انتقاد الأسد، ويصفه بأنه: "ضحية تشهير مغرض"، ويعرقل ويجهض مشروعاً للفاتيكان لإرسال بعثة من الكرادلة إلى دمشق للقاء الأسد ومطالبته بتخفيف غلوائه.
- إلى بطريرك يعفس في قلب كل تقاليد الرصانة والرزانة والاتزان التي لازمت بطركيته عبر مئات السنين، فلا تراه إلا في حالة هرولة وخَبَب، مرةً في محاضرة مع بشار الجعفري، ومرةً ثانية في حضور مهرجان انتخاب ملكة جمال اللاذقية، ومرةً ثالثة في طيرانٍ إلى موسكو التي يخاطبها بأنها تجلب الأمل إلى نفوس السوريين!! في حين يرى نصف الشعب السوري، على الأقل، أنها دولة اعتداء وجريمة واحتلال! ومرةً رابعة في مباركة إنشاء مليشيا مسيحية مسلحة لأول مرة في تاريخ سورية تقاتل إلى جانب الأسد، ومرةً خامسة في زيارة لهؤلاء المقاتلين في خطوط قتالهم، ليبارك خبلهم وخطلهم!
- إلى مطران لم تفتح له محدوديته المفرطة سوى أفق اللهج بذكر بشار الأسد أكثر مما يلهج بذكر السيد المسيح، والامتلاء بمحبة القائد الشاب، أكثر من القديسة مريم التي امتلأت بنعمة الرب! والابتغاء من لدن جبروته الحماية، أكثر من ابتغائها من إله المستضعفين، وأمان الخائفين!!
- إلى أمٍ رئيسة دير لم يكن لها من عمل سوى أن تجدل أحابيل الاتهام الهتّاك الواخز ضد المتظاهرين في بداية مظاهراتهم، والدأب على تتبع وسائل الإعلام المختلفة للظهور فيها مجفلةً مبهورةَ الأنفاس بدعوى الخوف منهم، في تلطيخ مدروس ومقصود لسلميتهم ووطنيتهم.
- ويا لهذا الاجتباء الذي اصطفانا من دون البشر بأصحاب غبطة ونيافة وسماحة ينظرون شذراً لمشايخ المعارضة، ويرون أنهم دعاة حرب وفتنة، وأهل سفاهة وطيش وخفة، في حين يرون أنفسهم دعاة سلام وأمن، وأهل رزانة وزكانة وحكمة!!

ولو أنصفوا لعلموا أن غالبيتهم موحدون على حب مرأى الدم مسفوحاً

ولو أنصفوا لعلموا أن غالبيتهم موحدون على حب مرأى الدم مسفوحاً، وعلى الشوق والحنين لاستنشاق رائحته وزهومته عبيطاً، ففي نهاية المطاف اصطف أصحاب الغبطة والنيافة والسماحة والفضيلة والحكمة والسفاهة والطيش والخفة معاً في مضمار واحد، وشمّروا عن قفاطينهم وجببهم، وأمسكوا أطرافها بأسنانهم، وركضوا إلى ساحات الدم والاقتتال، يُذكون ضرامها، ويُحمون وطيسها! ينطّون من مجلس عزاء إلى ساحة دبكة! ويقفزون من لقاء قائد مليشيا ملوث، إلى ضابط مخابرات مرعب! إلى قائد فصيل دموي تكفيري! يدعون إلى الالتحاق بجيش الأسد، ويفتون بأنه فرضٌ ديني ووطني، للتخلص من شذاذ الآفاق، أو يدعون للالتحاق بالفصائل العدمية المقاتلة للإثخان في هذا الجيش الذي لم يشهد التاريخ مثل جرمه وبطشه وتنكيله!

أما الراشدون الحقيقيون من رجال الدين المسلمين والمسيحيين ممن دعا للسلام والمحاسبة والعدالة فكانوا نادرين، والنادر لا حكم له، وقد ضاع صوتهم ولم يُسمع بين الصليل والصهيل.
أخيراً:
لم نكن لنطالب هؤلاء الأساقفة والمطارين، ولا حتى المشايخ أيضاً أن يكونوا كأساقفة نيكاراغوا، ولكننا كنّا وما زلنا نطالبهم، أن يكونوا مريميين! ينذرون للرحمن صوماً، فيسكتون ولا ينبسون، ويخرسون ولا يتكلمون ما داموا لا يجرؤون أن يطالبوا بالمساءلة والمحاسبة، ولا يستطيعون أن يدعوا للسلام والعدالة.