ليست نورنبيرغ أيها السادة

تاريخ النشر: 15.01.2022 | 06:11 دمشق

حاولت أن أقنع صديقًا ناجيًا من الموت تحت التعذيب، بأن يفرح بالخبر بالسعيد، لقد ظهر مستطيل أحمر على الجزيرة، المستطيل افترس ربع الشاشة، بخبر عاجل، هو الحكم بالمؤبد على ضابط سوري سابق منشق عن النظام، وتبادل سوريون التهاني والمباركات بسجن أنور رسلان، للخبر دوي سقوط نظام، ووصفت صحفٌ قرار سجن الضباط الكبير السابق "بالقرار التاريخي" في ألمانيا، والتهمة؛ جرائم ضد الإنسانية. العبارات كبيرة جدًا، وكل الجرائم ضد الإنسانية، والحكم مؤبد. لم يسعد صديقي بالخبر، ووصفه بأنه تنفيس، وإنه ضخم ليظهر كأنها محاكمات نورنبيرغ، وهي سلسلة من المحاكم العسكرية عقدتها قوات الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية وفقًا للقانون الدولي وقوانين الحرب. حققت المحاكمات شهرتها الأكبر لمحاكمة مسؤولين كبار في القيادة السياسية، والعسكرية، والقضائية، والاقتصادية في ألمانيا النازية، ضالعين في التخطيط، أو التنفيذ، أو المشاركة بوجه من الوجوه في الهولوكوست وغيرها من جرائم الحرب. عقدت المحاكمات في نورنبيرغ بألمانيا، ومثّلت أحكامها نقطة تحول في سير القانون الدولي من الكلاسيكي إلى المعاصر.

 وقال الصديق إن وجه المتهم لا يظهر "حفظا" مع أنه ساهم في قتل سبعة وعشرين بريئا، وأن حقوقه محفوظة أكثر من حقوق الوزراء في بلادنا، وإن العدالة الألمانية خجولة.

الغرفة التي سيسجن فيها أفضل بكثير من الهايم الذي أقيم به، فأنا أشارك أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة غرفة كبيرة

سيسجن المحكوم في سجن بسبعة نجوم، ربما خمسة، سيحرسه الجنود، سيخاطَب بأدب كأنه ضيف على فندق، لن يعاني من صخب ولا نصب، وقد ينتعل نعلا من قصب، لن يطالبه أحد بأجرة البيت، السجن به تدفئة وحمامات، وإن شاء درس، ستوفر له إدارة السجن العلم المراد، قد يصير طبيب أسنان، طبيبا نفسيا، لن يقف على دور في عيادة أو دائرة حكومية، لن يعاني سوى من دور الطعام في السجن، سيحظى برعاية صحية، سيكون في حرز من الاختلاط بمرضى الكورونا، سيلقح اللقاحات الثلاثة، سيعتني بصحته ممرضون وأطباء، إذا امتنع قد يحرم من كوب الشاي المسائي، له حق الامتناع عن اللقاح، سيأكل أكلًا حلالًا إن شاء، سيصلي إن شاء، قد يحضرون له إمامًا يعلمه تعاليم دينه، الرجل يزعم أنه كان معارضًا صامتًا، شهادات رجال المخابرات  السوريين المنشقين في الفضائيات تقول إنهم ملائكة، في السجن تلفزيون بقنوات كثيرة، سيحظى بخلوة مع  زوجته إن كان متزوجًا أو مع  صديقة إن كان له صديقة، لن يحرم من الاجتماع بأولاده، سيحرم من النت فقط، النت نقمة تفسد العقل، يمكن أن يقرأ ما يريد، بعض السجون  الأوروبية تخفف من العقوبة بالكتب والقراءات..

 قال الصديق: هذا الخبر تنفيس.

تابع: الغرفة التي سيسجن فيها أفضل بكثير من الهايم الذي أقيم به، فأنا أشارك أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة غرفة كبيرة، معاناتي كبيرة في النُزل، نختلف على كل شيء، ستكون زنزانته له وحده، وقت النوم ثابت، يمكنه سماع ما يريد، عبرت الشط على مودك، على جسر اللوزية، أنت عمري، لن نذكر التعذيب، سيمارس هوايته التي يحب، قد يقيم صداقة مع الكلاب البوليسية في السجن. النظام سيسعد بالخبر، لا تنس أن الضابط منشق، لعله ثاب إلى رشده، الانشقاق ليس سهلًا، لو عاقبت فرنسا رجلًا ارتكب جرائم حرب مثل رفعت أسد لسعدنا بالخبر، فهو من أصحاب الملايين، وعاش على الحرير، والسجن لأمثاله من الأمراء عقوبة، لكن فرنسا أخلت سبيله واعتقلت متحدثًا إعلاميًا لإحدى الجماعات الإسلامية كان يتجول في العواصم الأوروبية مندوبا عن إحدى كتائب الثورة، عاد رفعت الأسد مثل السنونو إلى عشه الأول.

تحوّلت محاكمة رسلان إلى مسلسل درامي، يشيد بعدالة ألمانيا، سمعت المحكمة شهادات بلغت نحو مئة شهادة، واجه المتهم رئيس قسم التحقيق السابق في الفرع “251” ضحاياه، الذين قدموا روايات مفصلة عن الإساءات الجسدية والنفسية، ووصفوا الزنازين شديدة الاكتظاظ، والحرمان من الطعام والماء والعلاج الطبي. وفي مرافعته الختامية عدّل رسلان أقواله بعد نكران أقواله، اعترف بوقوع تعذيب وموت معتقلين، إلا أنه أنكر مسؤوليته عن هذا التعذيب. هو عبد مأمور. عاشت العدالة الارتوازية. خطب في الناس برسالة قال فيها:

"أتوجه إلى الشعب السوري كله، أنا آسف كل الأسف لأنني لم أستطع مساعدتكم أكثر من ذلك! ولم أستطع أن أمنع آلة القتل. منذ البداية كنت معارضًا إذلال هذا الشعب العظيم، لأنني أنتمي إلى هذا الشعب، أشاركهم مشاعرهم ومعاناتهم".

قد يرحمه النظام ويعفو عنه فإن أطلقه عاش براتب سوري قدره ثلاثين دولارا، ووقف في طابور الخبز وعاش بـ"الغرين كارت" السورية التي تدعى البطاقة الذكية

لقد فطر قلبي الرجل.

ماذا تقترح أيها الصديق؟ أوروبا ليس فيها حكم الإعدام.

قال الصديق إنه لا يريد له الإعدام، كان يريد أن يعاد إلى النظام كما تفعل دول أوروبية تعيد النازحين.

العودة معناها الحبس على أقل تقدير، الحبس يعني الموت البطيء. قد يرحمه النظام ويعفو عنه فإن أطلقه عاش براتب سوري قدره ثلاثين دولارا، ووقف في طابور الخبز وعاش بـ"الغرين كارت" السورية التي تدعى البطاقة الذكية.

أوروبا تفصل بين السلطات الثلاث غالبا، لن يكون هناك تأثير لمحكمة في إحدى المقاطعات على العلاقات السياسية بين الدول، قد تعود العلاقات بين أوروبا والأسد فأوروبا دول براغماتية، محاكم أميركا تنظر في جرائم حفتر والعلاقات بين أميركا وحفتر على أحسنها حالا، كندا أرسلت ماهر عرار إلى سوريا لاستخراج اعترافاته، الضابط السوري أنور رسلان عوقب في ألمانيا، وهذه قسمة غير منصفة. وهي حالة فردية أيضا. السجن درهم وقاية للضابط من حوادث السير وقناطير الثأر.

الخلاصة إن الشعب السوري مظلوم جدا حتى إنه ليسعد بتصريح من ممثلة سورية من الدرجة الثانية تشتكي من مياه الحمام الباردة، ويفرح بموت ضابط على سريره وهو يشاهد مسلسل ضيعة ضايعة.

العدل يروي الظمأ، لا برامج الترفيه.