ليبيا: نحو باغوز جديدة!

ليبيا: نحو باغوز جديدة!

الصورة
27 نيسان 2019

يشجع الرئيس ترامب المشير خليفة حفتر، للعمل على "مكافحة الإرهاب وتأمين موارد ليبيا النفطية".  تصريح البيت الأبيض، الجمعة الماضية، يكشف بوضوح تدخلاً أميركياً مباشراً في الحدث الليبي اليوم، قد لا يفصح عن حقيقته أحد، لكن مؤشراته دالّة على أن التدخل الدولي، عاد إلى "العسكري" مجدداً، بجناحيه الفرنسي والأميركي، مع دور روسي ينحصر حالياً في تقديم الدعم السياسي، وبيع السلاح، عبر إحياء اتفاقات قديمة مع نظام العقيد القذافي. يأتي ذلك، بعد أيام قليلة من إدانة وزير الخارجية بومبيو لزحف الجيش الوطني الليبي، نحو طرابلس، والقصف العشوائي ضد السكان المدنيين، ليعيد إلينا صورة الاختلاف في أداء المؤسسات الأمريكية تجاه قضايا المنطقة، كما يحدث بالنسبة لليبيا اليوم، ومسألة الانسحاب الأمريكي من الشمال السوري، قبل عدة اشهر.

ثمة مسألتان أساسيتان إذن، تجذبان الاهتمام الأمريكي الأخير فيما يتصل بليبيا، هما: "قضية مكافحة الإرهاب، وتأمين موارد النفط ". وخلاف ذلك، وعلى مدار ثماني سنوات، تبدو الإدارة الأمريكية، غير معنية بتطورات الأحداث المأساوية التي يذهب ضحيتها المدنيون، جراء الصراعات المسلحة على السلطة والثروة معا، في ليبيا الغنية بموارد شتى، وليس النفط فقط. وفي تصريحات البيت الأبيض الأخيرة، بدا واضحاً أن واشنطن، تعتزم الدخول على خطوط الأزمات الليبية، ليس لفض الاشتباكات المسلحة بين الفرقاء، بل لمساندة طرف هو المشير حفتر قائد الجيش الوطني، في عمليته الأخيرة طوفان الكرامة، في طرابلس، دون الآخر "حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج " وهي الحكومة المعترف بها دولياً. هذا بلا شك يؤجج النزاعات، ويزيد في الأمور تعقيداً، وهي بكل الأحوال، أضحت عصية على إيجاد الحلول دون تدخلات خارجية.

ثمة مسألتان أساسيتان إذن، تجذبان الاهتمام الأمريكي الأخير فيما يتصل بليبيا، هما: "قضية مكافحة الإرهاب، وتأمين موارد النفط ". وخلاف ذلك، وعلى مدار ثماني سنوات، تبدو الإدارة الأمريكية، غير معنية بتطورات الأحداث المأساوية التي يذهب ضحيتها المدنيون

حفتر والجيش الوطني

دون أدنى شك، استطاع القائد العسكري خليفة حفتر أن يكوّن نواة صلبة لما أصبح يُعرف بالجيش الوطني، وهو القادم من المعارضة الليبية، بعد ربع قرن، من انشقاقه عن نظام القذافي، في معتقله التشادي كأسير حرب، إبان الحرب الليبية – التشادية (1978-1987)، ومكوثه في الولايات المتحدة لعقدين نشط خلالهما في معارضة القذافي، بما فيها محاولة الانقلاب عام 1993، التي يُشار إلى ضلوعه في إفشاء أسرارها، ومن ثم ليعود إلى ليبيا وينضم إلى ثورة 17 فبراير، وتبرز فاعليته المؤثرة، بعد سقوط نظام القذافي.

وخلال سنوات الفوضى الأخيرة في ليبيا، استطاع حفتر أن يلعب دوراً بارزاً في محاربة الجماعات الإرهابية المتشددة، بما في ذلك تنظيم داعش، في شرق ليبيا، وحقق استقراراً فعلياً في المناطق الممتدة من أجدابيا حتى الحدود مع مصر. لكن دوره ظل محاطاً بتساؤلات مهمة، تتصل باستراتيجياته بشأن المستقبل، وبروز دور العسكر مجدداً في الحياة العامة الليبية. يضاف إلى ذلك، مصادر دعمه وعلاقاته المميزة مع مصر، وبالطبع المحور الذي تنخرط فيه السعودية والإمارات، من جانب، وروسيا وفرنسا من جانب آخر، في ظل علاقات لم تخلُ من التجاذب مع واشنطن. كما يؤخذ عليه، تهريب سيف الإسلام القذافي، المتهم بجرائم حرب، من معتقله، عبر كتيبة تابعة له.

تراجع دور الجماعات الإرهابية بشكل ملحوظ، وانكفأت نحو الصحراء، بما فيها أعداد المقاتلين الليبيين والمغاربيين، الذين عادوا من سوريا، بسبب الحملة الدولية لمحاربة داعش. لكن استمرار الصراعات على السلطة في ليبيا، أدى إلى تعميق النزاعات واستعصائها على الحلّ على الرغم من الجهود الكبيرة، التي حاولت فيها أطرافاً عربية ودولية كالجزائر وفرنسا، إضافة الى الأمم المتحدة، إنجاز تسوية سياسية، تم التوصل إليها مراراً، لكنها لم تجد طريقاً إلى التطبيق، فأضحت ليبيا تحت حكم سلطات الأمر الواقع، بين حكومتان، في الغرب والشرق، وبرلمان انتهت ولايته، وجيش وطني لا يحظى باعتراف الجميع، ولا يتمتع بعلاقة طيبة مع الحكومة التي شرعنته!

لعنة الجغرافيا والنفط

تتموضع ليبيا في موقع جغرافي فريد، بين الشرق العربي والمغاربي، وبين الشمال المتوسطي، شمال العالم، وجنوبه: جنوب الصحراء، عالم إفريقيا السوداء، ويمكننا إحالة التوصيفات الجغرافية أعلاه، إلى دلالات سياسية، اجتماعية، وإثنية، حادة التباين. ليبيا متأثرة بهذا الاختلاف الكبير بحسب موقعها بين كل القوى والأطراف، خاصة ذات الدور المؤثر في المنطقة: مصر والجزائر، إيطاليا وفرنسا، ومصالح الأخيرتين في المنطقتين المغاربية وجنوب الصحراء.

بعد سنوات الاستقلال عن إيطاليا والنزاع الفرنسي مع ليبيا بشان التدخل في إفريقيا، عمّ الفراغ السياسي ليبيا، مشرعاً الأبواب أمام تدخل الدول الحالمة باستعادة المكانة والدور في المنطقة، من هنا نعرج للإشارة إلى دعم فرنسا الوثيق للجنرال حفتر، خاصة في عمليته الأخيرة، بشأن السيطرة على العاصمة الليبية، (والتي يُفترض أن يتيح له حال نجاحها، إحداث تغيير جوهري وشامل في الواقع الليبي) وهو دعم سياسي وعسكري، تشير تقارير إلى مشاركة طائرات فرنسية بلا طيار في العمليات العسكرية الأخيرة، تمت التغطية عليها. فيما تدعم روما حكومة السراج، وتبدي اعتراضها وقلقها من تدخل الإليزيه.

تبدو الأطراف الخارجية، منخرطة في سباق الضرورة، لإيجاد موضع قدم، في البلد القلق حتى اليوم، مشاريع التنمية قادمة، وسوف تضع حروب الأخوة أوزارها، في بلد عائم على بحار النفط العظيمة. لكن باريس لها حكاية أخرى، فالجنرال الذي هزمها في تشاد، هو حليفها اليوم، ومعه يمكن أن تحظى فرنسا بمكانة الألوية في العلاقات البينية والشراكات المؤملّة، خاصة وأن ماكرون قد ورث دوراً فرنسياً مهماً في إسقاط نظام القذافي، وفي تصفيته أيضاً.

استناداً إلى الجغرافيا، يبرز دور الجزائر المحوري، في تبني الحوار بين فرقاء الاختلاف الليبي، وفي منع الوصول إلى مواجهات مسلحة. يتقاطع هذا الاستنتاج مع وجهات نظر، تقلل من أهمية الجوار الجزائري، وفي اعتقادنا، أن المشير حفتر لم يكن بإمكانه التقدم نحو طرابلس، لو أن السلطة في الجزائر مستقرة! ومن الطبيعي أن يتم استغلال فرص تاريخية، لا تُعوّض كهذه، وقد لا تتكرر.

وفي اعتقادنا، أن المشير حفتر لم يكن بإمكانه التقدم نحو طرابلس، لو أن السلطة في الجزائر مستقرة! ومن الطبيعي أن يتم استغلال فرص تاريخية، لا تُعوّض كهذه، وقد لا تتكرر.

الاستقرار الأمني في ليبيا، مرتبط باستقرار المنطقة المغاربية، بشكل أساسي الجزائر وتونس، ومصر أيضاً، وهذا مردّه إلى أن الجماعات الإرهابية، منتشرة في الحزام الصحراوي الممتد بين الجزائر وليبيا وشمال الدول الإفريقية المتاخمة جنوب الصحراء، ويتطلب السيطرة عليه، تعاوناً وثيقاً للحد من نشاطها ومنع أخطارها.

لكن الهدف الأساس لا يكمن فقط في خطر الإرهاب، لكنه يمضي باتجاه النفط، تأمين استمرار تدفقه إلى إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة. وبالنسبة لأطراف أخرى مثل الإمارات، فإنه يعني بلداً بكراً واعداً بمشاريع المستقبل الاستثمارية الضخمة. وفوق ذلك، فإن إشكالية اخرى تطل برأسها: مشكلة الأخوان المسلمين التي تقض مضجع التحالف السعودي –الإماراتي – المصري.

واشنطن وقسد ليبية!

تنتظر واشنطن، بتأن، تطورات الأحداث في ليبيا، ثم يأخذ تدخلها شكل الانقضاض، الذي يريد أن يضع يده على الكعكة بأكملها، حاصداً جهود الأطراف الأخرى. إنها الترامبوية: فهلوية البيت الأبيض وقرصنته، التي لا تقيم وزناً لاعتبارات المصالح والسياسات المشتركة، والتحالفات مع الأطراف الأخرى.

إنه النفط، والثروات الباطنية الهائلة غير المستثمرة في ليبيا الشاسعة، ومشروعات الاستثمار في إعادة الإعمار، والأموال التي تتوفر لهذا البلد، هي الدوافع الحقيقية وراء اتصال ترامب بقائد الجيش الوطني خليفة حفتر/ المواطن الأمريكي. وحثه على المضي قدماً في محاربة الإرهاب وحماية إمدادات النفط. المهمة محددة واضحة. وثمة جانب آخر، يتصل بالتحديات التي واجهتها حملة حفتر للاستيلاء على طرابلس، منعت تحقيق ذلك وفقاً لما خُطط له، وأوقفت تقدمه، وحالت دون نجاح "طوفان الكرامة"، ما وضع حفتر في مأزق حقيقي، استلزم دعماً أميركياً عاجلاً.

لم يكترث ترامب إلى الضحايا المدنيين، ولن يكترث يوماً بها، ولا يشعر بأية مسؤولية في هذا الإطار. وهو يعبر بكل الوسائل عن احتقاره للمبادئ الدولية، في الحقوق والحريات، الحرب والسلام، ويتعمد انتهاكها، دون رادع!

نحن مع محاربة الإرهاب، وتفكيك قواه، ومنع انتشاره، حيثما وجد في ليبيا وفي غيرها من الأماكن، ومع جمع السلاح، وحل جميع الميليشيات والفصائل العسكرية، والذهاب إلى تسوية سياسية حول الحل الحقيقي والمناسب، وهذا ما يجب أن تذهب إليه القوى المتنازعة في ليبيا، وخاصة حكومتي الثني والسراج، وأن تلتزم القوى الخارجية دعم الحوار الوطني، وتمكين الأطراف من الاتفاق وتنفيذ التعهدات المشتركة، ويشترط ذلك وقف الدعم العسكري، ووقف المساندة السياسية للعمليات العسكرية، بين مختلف الأطراف.

وما نخشاه، أن ترامب، سوف يعيد ما فعله في شمال سوريا، أن يدفع الفرقاء الليبيين إلى حرب إلغاء طاحنة، يأخذ فيها حفتر دور "قسد" ويجعل من طرابلس باغوز أخرى

تدخل ترامب، قد لا يغير من النتائج على الأرض، على الرغم من حملة مستشاره كوشنير، ولكنه بكل الأحوال، يثير القلق والريبة معاً، ولا يمكن الوثوق به مطلقاً. فهو لم يتحدث عن تسوية أو حل سياسي، ولكنه يطالب المشير حفتر بالاستمرار في الحرب لمواجهة الإرهاب وحماية النفط. وما نخشاه، أن ترامب، سوف يعيد ما فعله في شمال سوريا، أن يدفع الفرقاء الليبيين إلى حرب إلغاء طاحنة، يأخذ فيها حفتر دور "قسد" ويجعل من طرابلس باغوز أخرى، يُحرق فيها الأخضر واليابس، ويستيقظ الليبيون على تدفق القوات الأميركية إلى قاعدة هويلس مجدداً، وتطيح بكل تسوية ممكنة إلى أجل غير معلوم، فيما تتحول طرابلس إلى مدينة أشباح!

قليل من الحكمة، يمنع وباء ترامب من تدمير كل شئ، بما فيها مكتسبات ثورة 17 فبراير، والعودة إلى طاولة التفاوض، لا يحقن الدماء فحسب، ويحمي المدنيين، ولكنه أيضاً يحمي حقوق الأفراد والجماعات، ويصونها، من أجل دولة مدنية، لا يريد لها الآخرون أن تقوم في ليبيا.

شارك برأيك