"ليالي المدينة".. نشاطات مخادعة وفاشلة لإنعاش قلب حلب المثقل بالخراب

تاريخ النشر: 09.09.2021 | 06:36 دمشق

آخر تحديث: 09.09.2021 | 10:43 دمشق

حلب - خالد الخطيب

يروج نظام الأسد لعودة الألق إلى بعض القطاعات الاقتصادية في حلب وذلك مع الانتهاء من عمليات الترميم التي استهدفت عدداً من أسواق المدينة القديمة المدمرة، والتي أقام لها احتفالية خاصة نهاية شهر آب الماضي تحت عنوان "ليالي المدينة". تخلل الاحتفالية العديد من الفعاليات وألقى فيها مسؤولو النظام خطباً رنانة، والتقطوا صوراً مبهجة تخالف الواقع السوداوي الذي تعيشه حلب هذه الأيام.

المدينة القديمة.. قلب حلب المحطم

للمدينة القديمة في حلب مكانة خاصة في ذاكرة ووجدان الحلبيين، ولهم بين أزقتها وأسواقها العتيقة حكايات وحكايات نسجت عبر الزمن بفعل الترابط الحضاري والمميز لعلاقات الإنتاج بينها وبين محيطها القريب والبعيد، فقلب حلب التاريخي كان نتاجاً لتفاعل فريد بين عناصر جغرافية المكان والذي انعكس على مصنوعاتها من السلع والحلي والأقمشة والقطع الفنية المشغولة بعناية على أيدي صناعها وأصحاب الكار المهرة.

بدأت المدينة القديمة في حلب بخسارة أهم مقومات وجودها منذ العام 2012، بعد أن حولها نظام الأسد في النصف الثاني من العام إلى أهم خط اشتباك مع فصائل المعارضة السورية التي كانت قد دخلت إلى المدينة في العام ذاته، وخلال العامين 2012 و2013 أحرقت ودمرت قوات النظام العدد الأكبر من أسواقها بالقصف، وتصاعد القصف على أحيائها ودكاكينها العتيقة في الأعوام التالية وصولاً إلى نهاية العام 2016 موعد انسحاب الفصائل نحو الريف.

 

 

مثله كمثل باقي الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة في القسم الشرقي من المدينة كان القلب التاريخي لحلب هدفاً مفضلاً لمروحيات البراميل المتفجرة، ومرمى لنيران المدفعية التي كانت مرابضها تعتلي ظهر قلعة حلب، والتي كانت تتوسط المكان ناشرة الموت والخراب في محيطها. ولا يمكن بطبيعة الحال أن نغفل دور المعارضة في توسعة الخراب في قلب المدينة بعد أن قلدت النظام في حفر الأنفاق وتفجيرها في بعض الأحياء والأسواق القديمة.

بدأ نظام الأسد الترويج لإعادة إنعاش المدينة القديمة في حلب في وقت مبكر من العام 2017، أي بعد فترة قصيرة من خروج المعارضة من حلب، وفي تلك الفترة كانت هناك نيات جدية لدى تجار الأسواق التاريخية للعودة إلى محالهم وترميمها لكنهم فوجئوا بأن ما روج له النظام كان مجرد دعاية مخادعة.

 

 

وواجهت الراغبين بالعودة عراقيل فرضها النظام عليهم منعتهم من الوصول إلى غايتهم، وهو ما دفع كثيرا منهم إلى اليأس ومغادرة البلاد نحو مصر أو تركيا، ومن بين الشروط التعجيزية التي وضعها مسؤولو مجلس المدينة، أن تتم عمليات الترميم بإشراف مباشر من المجلس وبمواصفات فنية يضعها هو، وبدت العرقلة مقصودة فالأسواق التاريخية تحولت منذ بداية العام 2017 إلى معقل تتمركز فيها الميليشيات المدعومة من إيران والتي كان لها دور كبير في السيطرة على الأحياء الشرقية، من بينها "فيلق المدافعين عن حلب".

أواخر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2020 أعلن مجلس مدينة حلب عن انتهاء المرحلة الأولى من أعمال ترميم خان الحرير أحد أهم أسواق المدينة القديمة، وكان يحتوي على محال ومنشآت لتجارة وبيع النسيج والحرير وأنواع الأقمشة المختلفة المصنوعة محلياً، وهو جزء من سوق المجيدية الذي يحوي ثلاثة خانات، الحرير والجاكي والبنادقة، عمليات الترميم تمت بالتعاون بين الأمانة السورية للتنمية ومؤسسة الآغا خان وبإشراف مجلس مدينة حلب.

وخان الحرير هو السوق الثاني الذي ترممه مؤسسة الآغا خان وسط المدينة القديمة بعد سوق السقطية والذي انتهت عمليات الترميم فيه منتصف العام 2019، حينئذ لم تكن الأمانة السورية للتنمية قد دخلت على خط الاستثمار في عمليات الترميم، والتي تديرها أسماء الأسد زوجة رئيس النظام.

تنفذ الآغا خان العديد من المشاريع في مناطق سيطرة نظام الأسد، في حلب وحماة ودمشق، وتدعم مشاريع ترميم وتقدم المنح الدراسية، والآغا خان هو شاه كريم الحسيني آغا خان الرابع، رجل الأعمال البريطاني من أصول باكستانية، وهو الإمام التاسع والأربعون للطائفة الإسماعيلية النزارية، وتدعم مؤسسته أبناء الطائفة الإسماعيلية المنتشرين في عدة مناطق في سوريا.

ليالي المدينة

أطلقت الأمانة السورية للتنمية فعالية ليالي المدينة في ساحة الفستق في المدينة القديمة نهاية شهر آب/أغسطس احتفالاً بإعادة افتتاح سوق خان الحرير بعد أن تم تأهيله وترميمه، وحضر إطلاق الفعالية عدد من وزراء حكومة نظام الأسد، بينهم وزراء الإدارة المحلية والسياحة والأشغال العامة والإسكان والثقافة والرئيس التنفيذي للأمانة السورية للتنمية والممثل المقيم لشبكة الآغا خان في سوريا وعدد قليل من أصحاب المحال والتجار، وكان من المفترض أن تحضر أسماء الأسد افتتاح الفعاليات لكن الظروف الأمنية على ما يبدو لم تكن مناسبة.

 

 

وتضمنت الاحتفالية توقيع اتفاقية ترميم سوق الحبال بين محافظة حلب، ووزارة الثقافة الممثلة بالمديرية العامة للآثار والمتاحف، والأمانة السورية للتنمية ومؤسسة الآغا خان، قال مجلس مدينة حلب إن "الاتفاقية تهدف إلى إعادة إحياء الدور الاقتصادي والمجتمعي للسوق وتحديد آليات التعاون وترميم كامل القيمة المعمارية للسوق الذي يقع خلف الجامع الأموي الكبير على امتداد 65 متراً، ويتضمن 57 محلاً تعرض للدمار والتخريب خلال الحرب، وتتنوع المهن ضمنه من تجارة الحبال بالمعظم بالإضافة إلى محال صياغة الذهب والفضة والصابون الحلبي".

وقال مصدر خاص في مجلس مدينة حلب لموقع تلفزيون سوريا إن "اتفاقية ترميم سوق الحبال الموقعة بين المجلس والآغا خان مختلفة عن الاتفاقيات السابقة، وذلك من ناحية تكفل الجهة المنفذة القيام بكل أعمال الترميم (الشكل الخارجي والمحال القديمة)، وكما أن الأمانة السورية للتنمية دخلت في الاتفاقية الأخيرة كشريك، ومن المفترض أن يتم تحصيل جزء كبير من تكاليف الترميم من أصحاب المحال التجارية التي تقع في قلب السوق المستهدف وعددها 57 محلاً".

 

توقيع اتفاقية ترميم سوق الحبال.jpg
توقيع اتفاقية ترميم سوق الحبال

 

وأضاف المصدر: "بدأت مشاريع الترميم في حلب القديمة منذ بداية العام 2018، ويضم سوق السقطية المرمم 53 محلاً، وسوق خان الحرير قرابة 60 محلاً تجارياً، أما ساحة الفستق فتضم 18 محلاً، والعدد الإجمالي للمحال لا يشكل سوى 20 بالمئة من العدد الكلي للمحال في الأسواق المدمرة وسط المدينة التاريخي، كما أن الكتلة السكنية المحيطة بالمكان ما تزال مدمرة بشكل شبه كامل، وليس هناك إقبال جدي لترميمها بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء وهجرة معظم مالكيها".

وأشار إلى أن "الحركة الاقتصادية في حلب عموماً وفي الأسواق القديمة التي جرى ترميمها خلال الفترة الماضية تكاد تكون معدومة، فافتتاح المحال والأسواق كان شكلياً، وكثير من أصحاب المحال غير موجودين داخل البلاد، وآخرون أجبروا على افتتاح محالهم في الأسواق التي جرى ترميمها لإظهار التعافي وعودة الحياة إلى المنطقة".

مزاعم مخادعة والاقتصاد لأمراء الحرب

يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن "النظام لا يتوقف عن الترويج لإعادة الحياة للدورة الاقتصادية في البلاد عموماً وفي مراكز الثقل الاقتصادي خصوصاً لا سيما في محافظتي حلب ودمشق، فعودة النشاط الاقتصادي سيحسن من صورته داخلياً ويخفف من حدة الضغوط الخارجية عليه"، واستدرك السيد علي بالتأكيد على أن النظام غير قادر على التأثير في الدورة الاقتصادية وتغييرها وذلك لعدة أسباب أهمها برأيه:

  • عدم امتلاك أدوات مالية أو اقتصادية
  • غياب منطق الدولة في المؤسسات، لأن المنطق السائد في سوريا حالياً هو منطق الميليشيات وأمراء الحرب، فالقرارات تمرر بما يضمن مكاسب الميليشيات دون الاكتراث بمصالح الدولة

وأشار السيد عمر إلى أنه "يمكن القول بأن النظام ومن خلال مبادرات الترميم والدعم وافتتاح الأسواق يسعى لإيهام الناس بأن الانفراج الاقتصادي قريب، لكن الحقيقة مغايرة لذلك، فهذه التحركات الشكلية لا تعدو أن تكون طقوساً احتفالية آنية ليست بذات أثر حقيقي".

من جهته يرى الباحث في مركز جسور للدراسات محمد السكري أن "النظام يدرك صعوبة إنعاش القطاعات الاقتصادية التي تواصل انهيارها بفعل سياساته الرعناء والفساد والتحكم المتزايد لأمراء الحرب في مختلف قطاعات العمل، ما يزال النظام يعاني من عجز اقتصادي كبير يحول دون تنفيذ أي مشاريع حيوية يكون لها أثر فعلي، لذا يلجأ إلى الدعاية والاستثمار الإعلامي في أي مشروع بغض النظر عن جديته ومدى تأثيره".

أضاف السكري في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن "النظام وخلال بحثه عن موارد جديدة يمكن استثمارها في إطار الترويج لسياسات التعافي، فرضت اللجنة المالية مؤخراً حجزاً احتياطياً على ممتلكات نحو 600 تاجر في حلب، بكل تأكيد هذه الإجراءات يظن النظام أنه ومن خلالها سيكون قادراً على خداع الحلبيين والسوريين بشكل عام بجدية عودة ونهوض سوريا تحت سلطته في إطار تنفيذ وعوده التي أطلقها خلال الانتخابات الرئاسية الأمل بالعمل، وتصدير نفسه للمجتمع الدولي في إطار دعواته المتكررة لعودة اللاجئين أنه بدأ إعادة البناء مما قد يشجع بعض الدول الحليفة له لدعمه".

ولفت السكرة إلى أن "النظام حوّل تركيزه الاقتصادي من مدينة حلب إلى ريف حمص التي باتت تعتبر شرياناً أساسياً لنظامه، وزياراته الأخيرة لمدينة حسياء الصناعية بدلاً من حلب تؤكد ذلك، وبالتالي لا يكترث لما ستفرضه نتائج الضغط المفرط على تجار مدينة حلب".

واقع خدمي ومعيشي سوداوي في حلب

لا تعكس الأجواء الاحتفالية في ليالي المدينة واقع حلب على حقيقته، فالمدينة تغط في ظلام حالك وتمتد ساعات التقنين إلى 10 ساعات أحياناً، وأكثر من 70 بالمئة من الأحياء الشرقية ما تزال بلا كهرباء على الرغم من مرور وقت طويل على استعادتها من قبل النظام أواخر العام 2016، وتتزايد عمليات السلب والسرقة في شوارعها، ويتحول قسم كبير من عناصر ميليشيات النظام المدعومة من إيران إلى قطاع طرق وينتحلون صفات أمنية، آخر عمليات السطو كانت في حي الميدان بداية شهر أيلول/سبتمبر، قام عنصر من ميليشيا الدفاع الوطني بعد منتصف الليل بسلب ثلاثة شبان هواتفهم النقالة بعد أن ادعى بأنه عنصر مخابرات.

وفي قطاع العمل تحول أكثر من 30 ألف عامل في المدينة الصناعية في الشيخ نجار إلى عاطلين عن العمل بعد أن أغلقت المئات من المنشآت الصناعية أبوابها منذ بداية العام الجاري 2021، وشهدت حلب هجرة غير مسبوقة في الفترة ذاتها للصناعيين نحو مصر وتركيا وأرمينيا والعراق، ومن المتوقع أن تتصاعد هجرة رؤوس الأموال والصناعيين خلال النصف الثاني من العام بسبب الضغط المتزايد عليهم من قبل النظام ممثلاً بوزارة المالية ومديرية الجمارك.

 

 

قصة رجل الأعمال السوري، الذي توفي في 28 من آب، هشام دهمان، والذي اضطر إلى إغلاق مصنعه للمنتجات البلاستيكية في منطقة الشيخ نجار، توفي دهمان بعد فترة وجيزة من انتقاده فرض لجنة التكليف الضريبي عليه مليارات من الليرات السورية، وهي حالة من عشرات الحالات التي تحصل شهرياً في حلب، كثير من أصحاب المعامل والورش الصناعية أغلقوا أبواب منشآتهم في (العرقوب والراموسة والشيخ نجار والشقيف والليرمون)، بسبب الضرائب وعدم توفر المواد الخام وتحكم الميليشيات بمرورها، وضعف القوة الشرائية في أسواق التصريف المحلية وصعوبة التصدير إلى الخارج.

في الوقت الذي أعلن فيه عن وفاة رجل الأعمال دهمان، كان هناك إعلان توظيف في شركة KMP التابعة لمجموعة القاطرجي، والمختصة في صناعة آلات الدهان والمشاريع المتعلقة بها في المدينة الصناعية الشيخ نجار. وهذا يعكس بالضرورة تنامي دور أمراء الحرب المحسوبين على النظام في القطاعات المختلفة ومنها الصناعة، والاستفادة من التضييق على الصناعيين المحليين لبيع ممتلكاتهم لهؤلاء الذين يتمتعون بوفرة في المواد الخام والتحكم في طرق النقل وعمليات التسويق الداخلي والخارجي.