لو لم تحدث الثورة

تاريخ النشر: 18.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 25.02.2019 | 00:11 دمشق

تطغى على مشاعر ملايين السوريين والعرب فكرة "لو لم تحدث الثورة". حجم الأهوال والكوارث والفصول الجحيمية التي أصابت عموم السوريين، تمنح تلك الفكرة قدراً من الرجاحة والمعقولية. وتحت وطأة الفارق بين ما حلم به أهل الثورة وما آلت إليه الوقائع والأحداث، يكتسب اليأس هنا بعداً عقلانياً ومنطقياً.

من المغري الافتراض أن نصف مليون سوري لم يُقتلوا، وأن أكثر من مليوني سوري مصاب لم يتعرضوا لرصاصة أو شظية، وأن أكثر من 250 ألف معتقل لم يتعرضوا لا للخطف ولا للتعذيب، بل أن خمسة ملايين لاجئ ومنفي لم يغادروا ديارهم، وستة ملايين آخرين لم يتشردوا داخل سوريا. لم تُدمر عشرات المدن ولم تُبَدْ مئات القرى.

سبع سنوات من الألم والدموع والجوع والموت والتشرد والخوف، كان يمكن حذفها لو تفادى السوريون تلك الثورة "الملعونة". بل إن العيش على المنوال نفسه كما عاشت الأجيال السابقة، في سوريا "الجميلة" العامرة بالحياة والخيرات والسكينة، ولو تحت حكم سلطة مستبدة وقاسية، أفضل بما لا يقاس من سوريا المدمرة والممزقة، أفضل من سوريا المفقودة والضائعة.

قوة هذه الفكرة أنها قد تخاطب فينا الحس الإنساني السليم.

"النظام السوري" ومؤيدوه وأتباعه، وبعض المتذاكين على النظام وعلى المعارضة، يتخذون من هذا الافتراض الوردي حجة على غالبية السوريين و"خطيئتهم" بارتكاب الثورة،

ينطوي لوم السوريين على فعل الثورة، بذريعة الخراب والمأساة أو باسم "الواقعية السياسية"، على خبث أخلاقي، مفاده أن النظام منسجم مع طبيعته وحقيقته "الأسدية" (الحيوانية)

استخفافهم بعناد النظام وقدراته وتصميمه، تجرؤهم على مواجهة وحشيته، تسرعهم في ارتكاب فعل التظاهر والاعتراض، تهورهم في عصيانهم المدني، إشهارهم السلاح للدفاع عن أنفسهم وبيوتهم وعائلاتهم وأطفالهم بوجه رجال النظام، بل وتفريطهم بحياتهم وعمرانهم وبلدهم.

ينطوي لوم السوريين على فعل الثورة، بذريعة الخراب والمأساة أو باسم "الواقعية السياسية"، على خبث أخلاقي، مفاده أن النظام منسجم مع طبيعته وحقيقته "الأسدية" (الحيوانية) أي أنه كائن مفترس ومتوحش، وبالتالي لا يمكن إلقاء اللوم عليه، ويتحمل السوريون الذين خبروه وعرفوه طوال عقود مسؤولية استفزازه.

يؤدي هذا المنطق إلى استنتاج وحيد: النظام لا يتحمل مسؤولية هذه الحرب، ولا لوم عليه إن أنزل الجحيم على رؤوس مواطنيه وأحرق سوريا كلها. ويرتقي هذا الاستنتاج إلى مرتبة البديهة والقانون الطبيعي.. وأكثر من ذلك، النظام هو القدر الذي لا راد له، والسوريون اقترفوا حماقة مواجهة القدر.  

يطالب أصحاب هذا التمني "لو لم تحدث الثورة" المواطنين السوريين بأن يندموا على يوم 18 من آذار 2011، وأن يستمروا بالتعايش مع القهر التاريخي الذي كانوا يمضغونه يومياً. ففي كل الأحوال، يبقى هذا "القهر" أقل فداحة من الموت اليومي المستمر منذ سبع سنوات.

ينسى هؤلاء أن السوريين فعلاً، ومنذ العام 1970 على الأقل، وازنوا بين مخاطر الثورة وأثمان الرضوخ، بين دموية التمرد وكلفة الصمت. عاشوا أربعة عقود كاملة وفق معادلة أن النظام الممقوت أفضل من الحرب والدمار، الصمت والخوف أفضل من منصة الإعدام.

ينسى مروجو الندم أن الشعب السوري اعتنق حكمة "الذل ولا القبر"، "الخنوع ولا الموت" على امتداد تاريخ حكم "البعث". تجربة عصيان حماة وجسر الشغور وحلب في مطلع الثمانينيات، كانت درساً أتقن حفظه السوريون، وتلوا فعل الندامة مراراً، وهادنوا الظلم أكثر بكثير مما يُحتمل، فقط باسم السلم الأهلي والاستقرار.

ينسى هؤلاء، أن السوريين تحاشوا وتفادوا الثورة عام 2000، وعام 2005. قبلوا أن يحترق ربيع دمشق مرتين، من أجل أن لا تحترق سوريا. بل وأتجرأ على القول إن أحداث آذار 2011، حين كان الشعب السوري مازال متردداً،

من يقرأ خطابات بشار الأسد أو مقالات شعرائه وأقوال فنانيه يكتشف مدى احتقارهم للسوريين

توحي بأن النظام نفسه هو الذي أراد للثورة أن تشتعل، فعل كل ما في وسعه كي لا يهدأ أهل درعا وحمص وضواحي دمشق، حول الاحتجاجات مناسبة كي يقترف ما يشعل الغضب وينشره. حرص النظام على الإفراط في الوحشية والقمع وجرح مشاعر كل المواطنين السوريين كي يخرجوا من منازلهم إلى ساحات الثورة.

بهذا المعنى، الثورة "صنعها" النظام. كانت هي لحظته المنتظرة لإعلان الحرب على سوريا. ومن تابع لغة الموالين له على امتداد السنوات السبع، ومن يقرأ خطابات بشار الأسد أو مقالات شعرائه وأقوال فنانيه يكتشف مدى احتقارهم للسوريين، ازدرائهم لهم، ضغينتهم العميقة لوجودهم وشهوتهم للإبادة والتطهير، رغبتهم الجامحة بالخروج من "التعايش الاضطراري" مع غالبية الشعب السوري. تعايش لا يطاق، مشوب بالخوف وبفائض القمع. الثورة التي تستدعي الحرب بالنسبة للنظام كانت هي الفرصة التي لا تعوض ليستولي على سوريا و"يحتلها" أو بالأحرى "يستعمرها". لا يمكن وصف الحرب السورية إلا بأنها حرب استعمارية، تقوم على الإبادة والاستئصال والتطهير الطائفي والتغيير الديموغرافي. لا شيء يهدئ من روع جماعة النظام ولا شيء يبدد "خوف" مواليه سوى انسحاق السوريين التام.

لذا، اليوم، وبعد انقضاء سبع سنوات وصفتها اللغة الديبلوماسية المهذبة بـ"أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية"، تتم مطالبة السوريين، باسم حقن الدماء والحفاظ على ما تبقى من سوريا، لا بالاستسلام فقط أو إعلان الهزيمة – فهذا ربما قيد التحقق ميدانياً وعسكرياً - لكن بما هو أقسى من ذلك: العودة إلى حضن النظام. عودة مشروطة بأمرين، الأمر الأول هو تبرئة السوريين التامة لنظامهم من كل ما فعله، ونسيان كل ما حل بهم على يد جيشه وميليشياته وشبيحته وحلفائه، والاعتذار عن خطيئة الثورة والتمرد والعصيان. الأمر الثاني الأدهى من الصمت والندم والتوبة هو إجبار السوريين لأنفسهم أن يقعوا في حب النظام. لم يعد مقبولاً بالنسبة لهذه السلطة "المنتصرة" شعباً خائفاً منها وراضخاً لها وحسب، فهذا نقص في الولاء يقارب الخيانة. المطلوب من السوريين ليس أقل من عبادة النظام حباً وإخلاصاً. كل عودة مكرهة إلى حضن النظام ستواجه بالعقاب الصارم، وستجبر السلطة على ممارسة تفتيش الضمائر والنفوس كي تطمئن أن لا ثورة أخرى في المستقبل. الحب المطلق هو شرط النظام على السوريين كي يبقوا أحياء.

أسوأ من ذلك، الضحايا أنفسهم يجب أن يختفوا من الذاكرة والوجود.

" تبدو فكرة "لو لم تحدث الثورة" ليست أقل من اقتراح العبودية".

على الأموات أن يخبئوا موتهم، على المعذبين أن يشكروا جلاديهم ويقبلوا أياديهم، على الأحياء أن يخجلوا من نجاتهم.

يطلب النظام لا أقل من اعتناق السوريين لفكرة أن الجريمة التي ارتكبها "رئيسهم" بحقهم هي نعمة أسبغها عليهم، وأنقذهم بها من الضلال والخطيئة والانتحار.

من أجل ذلك، تبدو فكرة "لو لم تحدث الثورة" ليست أقل من اقتراح العبودية. هي الجواب الأبدي على ذاك السؤال الذي كان يطرحه "الشبيحة" فيما كانوا يدوسون رؤوس المواطنين: "بدكم حرية؟".

استحالة قبول السوريين بهذا الجواب، استعصاؤهم على العبودية، يجعل كل ما حدث ويحدث في سوريا يتجاوز توصيف "الثورة" و"الحرب". إذ يمكن للحرب أن تنتهي، ويمكن للثورة أن تخمد نهائياً. ما لا يمكن تجاوزه أو إغفاله، أمام تلك الاستحالة وذاك الاستعصاء، هو نشوء "القضية السورية" بما يوازي أو يشابه مثلاً "القضية الفلسطينية"، بوصفها قضية حق تقرير المصير.

كلمات مفتاحية