لويس الثري

لويس الثري

 لويس الثري
28 أيار 2019

كم يلتقي الناس بالناس؟ وكم قد تورق لقاءاتهم أنساً لا يذبل بعد افتراق المصائر؟!

في ثمانينات القرن العشرين التقى لويس من البيرو وأسامة من سوريا على مقاعد الجامعة في بلدٍ ثالث كان اسمه الاتحاد السوفييتي، وفي أوائل التسعينات غادراه إلى بلديهما يحملان باليد شهادة الطب وفي الصدر صداقة الآخر، في حين كان ذلك (الاتحاد السوفييتي) يتفكّك بدمٍ بارد وهدوءٍ مريب.  

في ذاكرة أسامة نُقِشتْ صورة لويس بعينيه المشقوقتين بالدمغة اللاتينية، بنكهة النعاس المهيمن والصحو التام، بشعره الفاحم اللامع الممشّط بأناة امرأة، بذقنه الحليقة ناعماً كل صباح كأنه ذاهبٌ إلى عرسٍ لا إلى محاضرة أو سيمينار، بقميصه الوحيد المدعوك لطول ما ارتداه إنما النظيف والمكوي دوماً، بمشاويره في ممرّ الطابق الرابع في السكن الجامعي بين غرفته ومطبخ الطابق، يضيف إلى الرز كل ما تيسّر من خضارٍ موسمية، ينثر البصل المقلي فوق طبخته العجيبة، يصهل بضحكته حين يشاكسه أسامة: "تجبرني على أكل هذا الهراء معك كل يوم؟ لو أنك تدري يا بني أن الأرز بالبصل في بلادنا رمزٌ لرداءة الذوق لاعتذرتَ من أكلة اللاتين المفضلة"!

يحمل لويس كتابه على قلق، يذاكر مفرداتٍ طبيةً عسيرة اللفظ واجبة الحفظ، يتعب قليلاً من علم الطب الأناني والمتطلب وغير المسامح لمن لا يبذل له قلباً وعقلاً، ويحتال عليه بتعليق غيتاره إلى عنقه، يحكّ أوتاره لينادي صحبه اللاتين. يتجمعون في كوريدور الطابق، يرافقهم أسامة، يضيئون ليل السكن الجامعي بعزف لويس وبرقصهم وأغانيهم المحمولة من ذاكرة البلاد القصية، أو الجديدة التي كتب لويس كلماتها ولحنها: باتريا باترياميا (يا بلد، يا بلدي..). يبغتهم الفجر وهم على غناء، ينفضّون على مضضٍ كل إلى غرفته، يقضون واجب النوم لساعتين، يصحون بعدهما متأهبين إلى دوام الجامعة كمن نام الليل كله، وفي آخر العام ينجحون ويتفوقون.

في سنتهما الدراسية الرابعة، ومن بين جميع الطلبة السوفييت والأجانب في الفصل، لم يجرؤ سوى أسامة ولويس على التقدم إلى الاختبار الاختياري الأول، والتمهيديّ لتدريب طالب الطب كيف يدخل تدريجياً إلى حياته المهنية التي ما يزال ينقصها نصف المشوار لتكتمل! عملية جراحية أولى على كائنٍ حيّ: مفاغرةٌ لأمعاء كلبةٍ عجوز. صمّم لهما المدرّس الجراح المشرف غرفة تخديرٍ وعمليات تحاكي النظامية، شقّ طالبا الطبّ

تدرّب لويس ببطءٍ وقسوة وجسارةٍ على قمع الحنين، فتذكرةُ الطائرة وحدها للسفر الى البيرو تساوي مصروف عامين دراسيّين في ذلك الاتحاد السوفييتي الحنون على الفقراء

بطن الكلبة وقصّا المعي وأعادا وصله، وبقيا أسبوعا كاملاً، ربما هو الأطول في حياتيهما الغضة حينها، يتناوبان السهر قرب فراش الكلبة وسقيها وإطعامها كمن يرعى مريضاً بشرياً بعد جراحةٍ في أمعائه. شفيت الكلبة وقامت تمشي وتنبح، وكسب الجرّاحان الصغيران رهانَ الأستاذ الذي وعد أنّه؛ إن لم تمت الكلبة إثر العملية سيمنحهما امتحان التشريح الطبوغرافي اوتوماتيكيا وبالعلامة الكاملة.

وحين كان باقي الطلبة الأجانب يسافرون في عطلة الصيف إلى بلدانهم الأم، لم يسافر لويس وأبناء جلدته إلى أوطانهم خلال سنوات الدراسة ولو مرّة. تدرّب لويس ببطءٍ وقسوة وجسارةٍ على قمع الحنين، فتذكرةُ الطائرة وحدها للسفر الى البيرو تساوي مصروف عامين دراسيّين في ذلك الاتحاد السوفييتي الحنون على الفقراء. استبدل لويس ورفاقه اللاتين وجهتهم إلى برلين، لا إلى غاباتها ولا باراتها ولا لياليها الملاح (على قدر ما كان التقشف الشيوعي يسمح في تلك الحقبة النائمة في العسل)، بل على هدي السماسرة عبر طرق التهريب إلى برلين، مقصد العمالة السوداء الرخيصة، يقضون شهرين متخفّين في أقبية فنادقها يغسلون الصحون ويكوون الشراشف ليكسبوا مصروف السنة الدراسيّة القادمة، ويشتروا للأهل هدايا يخزنونها بالتقسيط إلى حين عودتهم الأخيرة إلى أوطانهم.

ينحدر "لويس" من البيرو، أمريكا اللاتينية، البلاد التي لا خيارات أمامها سوى أن تمارس مهنة البقاء حيّة، وهو ما يدركه أبناؤها فلا يسمحون للدماء في شرايينهم أن تبرد أو تكنّ. قلبُ لويس عالقٌ أبداً ما بين جبال الأنديز وغاباتها الاستوائية، هناك حيث تاه أجداده بين صيد الأسماك وزراعة قصب السكر والفلفل والأفوكادو والغناء والرقص ودندنة الموسيقا والفرح بأمطار الصيف وتناسي رطوبة الجو الخانقة. كره أجدادُه غزاةَ قارتهم ولم يهدمهم الكُكرُ، صاغوه نقمةً، ثم هندسوه عزيمةً أورثوها إلى أبنائهم ليجيئوا إلى الدنيا رُسُل ثورة مجتمعيةٍ بيضاء لا تنفق الوقت في ندب الظلم، فالوقت، كل الوقت، مرهونٌ للعمل ضد الظلم وضد الإبادة الجماعية وضد الفقر والجوع والأوبئة وضد الغزاة الطامعين بذهب البلاد وفضتها، وفي كل حالٍ لن يستغنوا عن باذخ الأحلام...

ـ ـ ـ 

مضى ربع قرن قبل أن يعثر أسامة على لويس في الفضاء الأزرق. لمح صورته على فيس بوك، واقفاً بالمريول الأبيض أمام المشفى، تشبه تلك المحمولة في الصدر كأن لا سنين مرّتْ أو خطّتْ ثقلها على صحو عينيه. تحت الصورة اقتبس لويس مقطعاً من خطاب تيودور روزفلت في جامعة السوربون عام 1910: "لا عمل من دون أخطاء أو فشل، مَن يحق له الانتقاد هو فقط من يعارك الآن بشجاعة في الحلبة ويبذل عرقه ودماءه لتحقيق هدفه العظيم. قد يفشل حقا لكنه سيسقط عالي الجبين، ولن يكون مكانه أبداً بين تلك الأرواح الباردة التي لم تعرف لا نصراً ولا فشلا".

عبر ماسنجر جاء صوتَ لويس طازجاً ولاهثاً من الضفة الأخرى من العالم:

ـ اسمعني، بحثتُ عنك طويلاً، واهتديتَ إليّ قبل أن أهتدي إليك، اسمعني: أنا أتابع أخبار سوريا فقط لأطمئنّ أنك حيّ، هل ما تزال تسكن في

إذا كان الغنى أن أجد ما أملأ به صحون أولادي ليأكلوا، وأن يكون لنا سقف يظللنا في الصيف ولا يدلف في الشتاء؛ فأنا غني!

الجنوب السوري على حدود الأردن؟ اسمعني: سوف تنتهي الحرب اللعينة وأزورك في بيتك وتطعمني الزيت والزعتر كما عوّدتني في ذلك الاتحاد السوفييتي البائد، تعال إليّ يا أخي إذا امتدّ القصف إليكم هناك، إنّ لك في البيرو أخاً وبيتا كبيراً! 

ـ إذاً تطمئنني أنك أصبحتَ غنيّاً بعد هذي السنين يا لويس!

ـ هذا يتوقف على ما تقصد بالغنى؛ إذا كان الغنى أن أجد ما أملأ به صحون أولادي ليأكلوا، وأن يكون لنا سقف يظللنا في الصيف ولا يدلف في الشتاء؛ فأنا غني! أشتغل في العيادة وأناوب في مشفى لا أملك منه سهماً واحداً، لي منه فقط قوة يدي. عالَمٌ سافلٌ أرفّه فيه عن نفسي بالطب وبعزف الكمان. لا أريد شيئاً سوى أن أحيا بكرامة ولا أؤذي أحدا.. تراني أسير، لا أعدم الطريق إلى استعادة حياتنا المهانة كل يوم، أعود إلى بيتي بباصات النقل العام، عند المطبات أتعلق بعامود الحديد في الباص مثل الجميع كي لا نقع أرضاً. في بيتي أسهر مع أسرتي، وأعتني بثروتي النادرة: ابنتي التي ستصبح طبيبة بعد شهور..

مقالات مقترحة
رئيس حكومة نظام الأسد: سبع نقاط للمعالجة وتسعة برامج أولوية
غباء "البطاقة الذكية"يرهق المواطنين في مناطق سيطرة نظام الأسد
غرفة زراعة نظام الأسد: التصدير ليس على حساب المستهلك.. ولم يتوقف
شروط لبنانية جديدة تطول السوريين القادمين عبر مطار بيروت
ارتفاع عدد الإصابات بكورونا شمال غربي سوريا إلى 760
42 إصابة جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام