لماذا يوم الجلاء وليس يوم الاستقلال؟!

تاريخ النشر: 17.04.2019 | 10:04 دمشق

آخر تحديث: 17.04.2019 | 12:32 دمشق

تيسير خلف - تلفزيون سوريا

يحتفل السوريون في السابع عشر من نيسان (إبريل) كل عام بجلاء القوات الفرنسية عن البلاد، ولم يطلقوا عليه اسم عيد الاستقلال، خلافاً لباقي الدول، بسبب إيمان النخب السياسية السورية بأن هذا الكيان الذي يسمى الجمهورية السورية، أو الجمهورية العربية السورية فيما بعد، هو كيان منقوص لاتزال أجزاء مهمة منه واقعة تحت نير الاحتلال، والمقصود هنا لواء اسكندرونة ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن، فهذه الأقاليم كانت تشكل جزءاً لا يتجزأ من الكيان السوري المفترض في وعي النخب السياسية والثقافية السورية.

وتعود جذور هذا الوعي إلى أواسط القرن التاسع عشر، حين ظهرت الكيانية السورية بين مثقفي ذلك العصر بفعل تأثير الأفكار القومية الأوروبية، وكان من نتيجة ذلك الضغط على السلطان عبد العزيز لإطلاق اسم سورية على الولاية العثمانية "شام شريف" في قانون الولايات الصادر عام 1864  وهي ولاية كانت تمتد من جنوبي معرة النعمان شمالاً إلى رفح والعقبة جنوباً. ويبدو أن الضغوط لم تفلح في ضم ولاية حلب لهذا الاسم، لأسباب شتى، ولكن النخب الثقافية في ولاية سورية العثمانية كانت تنظر إلى حلب كجزء من الكيانية السورية الأعم.

أما هوية هذا الكيان فكانت العربية، وهي هوية ثقافية بدأ التبشير لها في كتابات رواد النهضة الأوائل أمثال بطرس البستاني وناصيف اليازجي ويوسف الأسير وأحمد عزت العابد وغيرهم الكثير، ولم تطرح في أي لحظة هوية ثقافية أخرى غير الهوية العربية.

مع وصول جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم في الأستانة وتبنيها سياسة التتريك، ظهرت الجمعيات السياسية العربية، وكان رواد هذه الجمعيات في الغالب من السوريين، وحين تأسست المملكة السورية في العام 1919 كانت تضم جميع أقاليم بلاد الشام، من حلب إلى العقبة. واعتبرت هذه المملكة أن الساحل المحتل من جانب بريطانيا (فلسطين) وفرنسا (جبل لبنان وجبل اللاذقية)، هما جزء لا يتجزأ من المملكة السورية.

وخلال فترة الانتدابين الفرنسي والإنجليزي بقيت الحركات والأحزاب السياسية في بلاد الشام تتبنى الكيانية السياسية السورية بهويتها الثقافية العربية، إلى أن ظهرت الأحزاب القومية العربية في أربعينيات القرن العشرين، وطرحت شعار وحدة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، ترافق معها ظهور الحزب القومي السوري الذي وسع الخارطة لتشمل العراق والكويت وجزيرة قبرص.

خلال فترة التفاوض على الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، انشغلت النخب السورية بجدل عقيم حول مستقبل سوريا، هل سيكون باتحاد مع العراق أم سيكون بتأسيس مملكة ذات عمق استراتيجي مع الجزيرة العربية ومصر. ولذلك تحاشى الجميع استخدام مفهوم الاستقلال، وكيف سيكون استقلالًا إن كان أكثر من نصف مساحة سوريا محتلاً من قوى متعددة؟!

لاشك في أن هذا الوعي العابر للحدود، هو الذي طبع الحياة السياسية السورية في الفترة ما بعد جلاء الفرنسيين، وبناء على هذه الأفكار- سواء أكانت قومية عربية أو قومية سورية- كانت الانقلابات والصراعات تتم بين الأحزاب وامتداداتها في الجيش على هذا الأساس!

الاستثناء الوحيد بين سياسيي تلك المرحلة كان خالد العظم، الذي كان يؤمن بحدود سوريا ضمن الخارطة التي تمخض عنها جلاء القوات الفرنسية، وكان طموحه أن يكتفي السوريون بهذه الخارطة، ولو أنها ظالمة، وأن يبنوا هذا الكيان من دون ينظروا إلى خارج الحدود. وظلت أفكار خالد العظم معزولة، ولم يستطع أن يخلق حالة سياسية مؤثرة، أو ينجح في استقطاب نخبة تؤمن بهذه الأفكار، خصوصاً بعد ارتماء العسكر في أحضان عبد الناصر في العام 1958، وما تلا ذلك من هيمنة للقوميين العرب على الحياة السياسية.

لقد أدرك السوريون، متأخرين، أن سوريا بحدودها المعروفة اليوم، هي المكان الواقعي الذي ينبغي أن يفكروا فيه وبمستقبله، ولكن هذه الأفكار ولدت في رحم المأساة التي يعيشونها اليوم، حيث تشظت تلك الخارطة إلى شظايا لا أحد يعلم متى ستلتئم من جديد!.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
شركة "فايزر" تتحدث عن جرعة ثالثة من لقاحها ضد كورونا
حمص.. ارتفاع عدد المصابين بكورونا بنسبة 30% عن الأشهر السابقة
منظمة الصحة تكشف حجم دعمها للإدارة الذاتية منذ بداية العام