icon
التغطية الحية

لماذا يقتلك السعي لإرضاء الناس في نهاية المطاف؟

2024.07.05 | 05:36 دمشق

صورة تعبيرية عن السعي لإرضاء الغير على حساب النفس - المصدر: الإنترنت
صورة تعبيرية عن السعي لإرضاء الآخرين على حساب النفس - المصدر: الإنترنت
The Telegraph- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

ثمة حالة إدمان مغرية في إبداء اللطف والكرم والإنسانية، بحيث يبدو الشخص لطيفاً وطيباً مع الجميع، وسنداً للكل، وإنساناً إيجابياً إلى أبعد الحدود في مجتمعه.

ما العيب في ذلك؟

إن تلك الخصال قد تضر صحتك الجسدية والنفسية، لأن التعاطف عندما يدفعك لإرضاء الناس، فسيكون تأثير ذلك عليك خطيراً، بل إنه قد يهدد حياتك.

لماذا يضر إرضاء الناس بصحتنا؟

يحيط التوتر بمن يحاولون إرضاء الناس من كل الجوانب، وذلك لأن لديهم نزعة للعيش أبداً في حالة جاهزية قصوى، إلى جانب حساسيتهم المفرطة تجاه مشاعر الآخرين، من دون التعبير عن احتياجاتهم أو آرائهم.

ولذلك، تصبح أسيراً لحالة وجود زائفة، يصفها الخبراء بأنها حالة القناع، وذلك عندما يضطر المرء لتمويه ذاته الحقيقية وإخفائها.

بيد أن العيش مع كبت العواطف يمكن أن يتسبب بمشكلات صحية على المدى البعيد مثل الاكتئاب والقلق والإنهاك وقلة النوم، والاحتراق الداخلي، بل يمكن أن يتسبب أيضاً بأمراض قلبية وارتفاع ضغط الدم أو بالسرطان.

جميعنا يستحق الاحترام والتقدير، لكن من يسعون لإرضاء الناس يدمرون أنفسهم، لأنهم يتقبلون اللوم والانتقاد والإحساس بالذنب، ويؤكدون الفكرة التي يراها الآخرون عنهم وهي أنهم أقل أهمية من غيرهم.

ومن عادة الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الناس البحث عن طرق جديدة للتأقلم، مثل الإدمان على شيء ما، أو تناول الأدوية لمعالجة مشاعرهم المكبوتة.

تانيا برادزلي، 42 عاماً، أم لأربعة أطفال تعمل في مجال المشاريع التجارية، لكنها تعاني من سلوك مزمن قائم على إرضاء الناس، وذلك بعد أن تعرضت في أثناء طفولتها لتنمر شديد في المدرسة وعاشت عزلة خانقة بسبب ذلك، وعن حالتها تقول: "كل ما كنت أريده هو أن يعجبوا بي ويحبوني، وهذا ما نقلني من الطفولة إلى حياة البالغين والكبار، إذ لم أكن أقول لا لأحد ولا أرفض أي فرصة، وكنت أجد نفسي دوماً في مواقف أحس معها بتوتر شديد، وكنت دوماً أجد نفسي متورطة في وضع معين من أجل شخص معين، وبذلك كنت أنقص من قدري وقيمتي، كما أصبح العمل يتراكم لدي، بما أنني كنت أدير مشاريع تجارية، لكني كنت لا أجد أي وقت دوماً، لأني أم ولأنني كنت أتناول كميات كبيرة من الكحول حتى أهدئ نفسي، ولذلك وصلت إلى مرحلة مزرية، إذ أصبح الإنهاك بادياً علي، وأخذ القلق يمزقني إرباً، وأصبت بتسرع في نبضات القلب لدرجة خلت معها بأني سأصاب بنوبة قلبية، ومع ذلك بقيت أسعى جاهدة لإرضاء كل من حولي باستثناء نفسي، لدرجة أني شعرت في بعض الأحيان بأني بلغت منتهى التعاسة، ولهذا فكرت بالانتحار. بعد ذلك وعندما كنت في التاسعة والثلاثين من عمري، أصابتني نوبة وانهرت على إثرها، لكني عندما أفكر بها أحس بأنها أفضل ما حدث لي في حياتي، لأني أدركت وقتئذ بأن علي أن أتغير، فزرت طبيباً عقلياً أجرى لي تقييماً مطولاً، وبعد ذلك أخبرني بأني مصابة باضطراب فرط الحركة وضعف الانتباه وبأن أحداً من الأطباء لم يشخصه لي. عندئذ أدركت بأن السعي لإرضاء الناس له علاقة بهذا المرض، فأدركت الحقيقة كاملة فجأة، ولهذا أصبحت أسعد بكثير الآن، فقد قلصت أعباء العمل وركزت على الأمور التي أحبها، كما صرت أتناول غذاء صحياً، وأقلعت عن تناول الكحول، وأحطت نفسي بحدود قاسية، واقتنعت بعدم القيام بأمور معينة أو الخروج مع أشخاص بعينهم إن كنت لا أريد ذلك بكل بساطة. ولن أقول لكم بإن الأمور كانت سهلة دوماً، لكني صرت أعرف بأن البديل ما هو إلا بقعة مظلمة، ولهذا أؤمن بشدة بأني إن لم أغير حياتي كلها لما وصلت إلى ما أنا عليه اليوم".

هل الأمر له علاقة بتجارب سابقة؟

يرى الخبراء بأن السعي لإرضاء الناس ما هو إلا رد فعل على ما حدث للمرء في الماضي، ولهذا يتبنى المرء أسلوب إرضاء الناس كآلية للتكيف مع حياته.

وقد يأتي ذلك عبر التعلم من الآخرين، وذلك عندما تكون الأم تسعى لإرضاء الناس، أو قد تجد نفسك في موقف يحتم عليك مسايرة غيرك حتى تحس بالانتماء.

يسهم الرفض في تكوين الشخصية التي تسعى لإرضاء الناس، إذ إن إحباط أحد الوالدين لابنهم باستمرار يخلق تلك الشخصية لديه، أو عندما يشعرك الحبيب بأنك بلا قيمة، أو عندما يترصد أطفال المدرسة لزميلهم خارج الدوام ليتنمروا عليه.

قد يكون الغضب الخيط الذي سيوصلنا إلى قصتك، لأنك إن نشأت في بيت متقلب المزاج ستصبح أكثر عرضة لتجنب النزاعات، وإن تعرض أحد أشقائك لانهيارات دورية بسبب اكتئابه، فمن المحتمل أن تتعلم بسرعة كيف تلوذ بالصمت.

تيفاني ماكلين مدربة محترفة لكنها تعترف بأنها كانت تسعى لإرضاء الناس منذ نعومة أظفارها، فبما أنها الصغرى بين ثلاثة أشقاء، كانت تحس نفسها على الهامش دوماً، وعن ذلك تقول: "سمعت أبي في إحدى المرات يقول لصديق مازحاً بأني كنت غلطة، إذ كان لدى والديّ ابن وابنة، ولهذا كنت أحس بأني مجرد زيادة على العدد، وبالتالي أصبحت أسعى لإرضاء غيري لأني رغبت بتقبل الجميع لي، وهكذا صرت أمتنع عن التسبب بأي مشكلة أو إزعاج لأحد، غير أني في الحقيقة كنت أرغب بأن أتلاشى في الخلفية، وانتقلت تلك الحالة معي عندما كبرت، فأصبحت دوماً تابعة لا متبوعة، كما صرت أقدم تنازلات دوماً في أي علاقة أعيشها، ولهذا كنت أقوم بأشياء لم أكن أريد أن أفعلها. أما في العمل، فقد كنت أتحمل أعباء تفوق قدرتي على الاحتمال، ولهذا كنت أبقى في عملي حتى ساعة متأخرة من دون أن أرفض ما يلقيه الآخرون على كاهلي، وعلى الرغم من أني كنت أعرف أنه من حقي أن أطالب بزيادة في الأجر، لكني لم أطلب ذلك بحياتي. ثم إن السمة الأساسية لمن يرضون الناس هي الاستياء، وبما أنني كنت قد تحملت أعباء جسيمة خلال تلك الفترة، لذا فقد شعرت بإرهاق شديد، وعندما صرت في الأربعينيات من عمري أصبحت أعاني من الاحتراق الوظيفي وأحس بالتعاسة الشديدة، وخلال تلك المرحلة عرفتني زميلة على كتاب: (الجوهرية: السعي المنضبط لما هو أقل)، لكني سميته: (كيف تقول لا)، وهذا الكتاب هو الشيء الذي غير حياتي، إذ قرأت كل كلمة فيه وهذا ما جعلني أقيم الأمور المهمة بالنسبة لي، وأسأل نفسي: هل أنفق الوقت على الأشياء الصحيحة أم لا، وعندئذ أدركت بأني أمضيت عقوداً وأنا أعتني بالجميع إلا أنا، لدرجة أنني جعلتهم يعتقدون بأني حتى لو كنت مرهقة فهذا الأمر لا يعنيهم وبوسعهم أن يطلبوا مني مزيداً من الأمور طالما أني بقيت أتنفس، ولذلك، ولأول مرة في حياتي، صرت أفضل نفسي على غيري".

عشرة خصال تؤكد لك إن كنت ممن يسعون لإرضاء الناس:

  1. تقدم حاجات الناس وآراءهم على احتياجاتك ورأيك
  2. يصعب عليك أن تقول لا ولذلك تتورط بفعل أمور لا تريد القيام بها
  3. تسمح للآخرين باستغلال تساهلك
  4. لا تفصح عما يحدث لك، ولا تعبر عن رأيك بقوة
  5. ترعبك المواجهة وتفضل تجنبها
  6. تعتذر كثيراً
  7. تقلد سلوك غيرك حتى تحظى بالقبول وتحس بالانتماء
  8. تتسم بالتردد، وليس من عادتك أن تتولى أمور القيادة
  9. تحس بأنك مكبوت لأنك لا تستطيع أن تعبر عن ذاتك الحقيقية
  10. تحس بالاستياء لأنك في أعماقك تعرف بأن الناس يمكنهم استغلالك.

وهذا السلوك يعزز إيمانك الداخلي بأنك لست طيباً بما فيه الكافية، ولهذا لا بد من إضافة هذا الشعور ضمن الخصال العشرة.

يحدثنا عن ذلك المعالج النفسي سايمون بوس فيقول: "قد يفتخر هذا النمط من الشخصيات بنفسه لكونه صديقاً عظيماً أو منقذاً لغيره، لكنها غالباً ما تتبنى هذا الأسلوب لتحمي نفسها لأنها تعلمت على مدار حياتها بأن الناس لن يحبوها ولن يتقبلوها أو أنها لن تحس بالانتماء لهم إلا عندما تضع احتياجات الناس في المقام الأول، أما خوفها من الرفض فهو كبير، ولهذا لا تتحمل فكرة عدم إعجاب أي شخص بها مما يدفعها لحماية نفسها عبر الاختباء داخل قوقعة اللطف".

هل السعي لإرضاء الناس يعتبر اضطراباً نفسياً؟

تظهر معظم الصفات النفسية للشخصية المتجنبة واضطراب الشخصية الاتكالية لدى من يسعون لإرضاء غيرهم، وعلى رأسها التحسس من الانتقاد، الاعتماد على استحسان الآخرين، السلوك السلبي، عدم اتخاذ القرارات.

ولكن في الوقت الذي يمكن لإرضاء الناس أن يكون جزءاً أصيلاً من نفسية المرء، يطلق هذا الوصف على كثير من السلوكيات، ولهذا يركز المعالجون النفسيون على السبب الكامن وراء جذور هذه المشكلة، إذ تقول المعالجة النفسية لارا وايكوت: "يكتشف بعض المرضى لدي هذه المشكلة عندهم، وهؤلاء لديهم انفتاح على القيام بشيء ما لحل هذه المشكلة، بيد أن المرضى الذين يسعون وراء إرضاء الناس منذ طفولتهم لا يدركون هذا الفرق، لأنك إن كنت تحاول أن ترضي الآخرين طوال ردح طويل من حياتك، فلن يتشكل لديك إحساس قوي بذاتك، ومن المدمر للمرء أن يدرك عندما يبلغ سن الرشد بأنه لا يعرف ذاته ولا يعرف ماذا يريد من الحياة، وبالنسبة لمن يتبنون هذه العقلية، فإن فرصهم في التورط بعلاقات مدمرة أو التعرض للتلاعب من قبل الآخرين أعلى من غيرهم بكثير".

كيف تتحرر من حالة السعي لإرضاء الناس؟

ثمة ناقد داخل كل شخص يسعى لإرضاء الناس، وهذا الناقد ينتقد الشخص نفسه طوال الوقت، ولكن علينا أن نتذكر هنا بأن هذا الاعتقاد تشكل في مكان عصي، وتأثر بالظروف وبالآخرين، ولذلك من الأفضل أن نبدأ بالاعتراف بما حدث، وما هو السبب الذي أدى لحدوث ذلك، وبأنك تبنيت هذه الشخصية التي تسعى لإرضاء الناس حتى تتأقلم مع الحياة، أي أن الذنب ليس ذنبك باختصار.

ولا بد من العمل وبالتدريج على إعادة بناء القيمة الذاتية التي بقي المرء يفتقدها طوال الوقت، كما يجب البحث عن تأكيد لتلك القيمة داخل النفس لا خارجها كما كان يحدث في السابق، لذا، عندما تؤمن بقيمتك كإنسان وتثق بنفسك عندئذ ستقيم حولك حدوداً منيعة.

في معظم الأحيان يظن كل من يسعى وراء إرضاء الناس بأنه سيتحول إلى شخص أناني إن لم يرضهم.

بيد أن الكاتبة كورين ماير عبثت بعش الدبابير عندما شجعت النساء على أن يصبحن أنانيات، وأن يقصرن المدة التي يكرسنها للآخرين على حد تعبيرها، كما صارت وسائل التواصل الاجتماعي تحث الشابات على أن يقدمن أنفسهن على الآخرين، ولكن ما هي تبعات الدوس على الآخر حتى تشق طريقك وتصل إلى غايتك؟

يقول بوس: "إن فكرة الأنانية صعبة، ولهذا علينا أن نعيد صياغة معناها، لأن الأنانية قد تكون نافعة إن فعلت ما تحتاج لتحقيقه على المستوى الشخصي، ولكن بالنسبة لبعض الناس فإن مراعاة ظروف الآخرين ومد يد العون لهم يعتبر أهم أولوية في حياة هؤلاء، ولهذا لا بد من خلق حالة توازن، لأن الأنانية الشديدة والسعي المفرط لإرضاء الآخرين يضعنا ضمن خانة الإفراط ولا يقدم لنا أي نتيجة، لذا وبوصفي معالجاً نفسياً، أشجع المرضى لدي دوماً على تغيير الأمور بشكل تدريجي وبطيء، إذ أطلب منهم أن يتدربوا على ممارسة الحزم والرفض ثم تعميم ذلك على أمور أخرى، لأن الوضع سيكون مرعباً في بدايته، لكن من الضروري مواجهة الإحساس بالضيق والتبرم من دون التخلص منه نهائياً، ولهذا فإن عملية التغيير عندما تكون لطيفة فعندئذ بوسع الناس تحمل الألم الطفيف ومن بعده سيشعرون بأن بوسعهم تكرار العملية مرة أخرى. ولكن مهما بلغت قساوة العملية، عليك أن تواجه حالة التبرم والانزعاج وأن تتعرف إلى أفضل طريقة لإدارتها إن كنت تريد لنفسك أن تتطور وترتقي".

أما المعالجة وايكوت فتخبرنا بأن رد فعل الناس هو الذي يعقد الأمور في معظم الأحيان، ولهذا تقول: "اعتادوا أن تكون بمتناول أيديهم، ولهذا من الصعب عليهم أن يتقبلوك بحلتك الجديدة، بيد أن تصميمك على ما تريد لا يعني أن تعامل الآخرين بعدوانية، إذ مثلاً يمكنك أن تخبر صديقك بأنك لا ترغب بالذهاب إلى الحفلة مع شرح الأسباب (كأن تقول بأنك منهك أو لا تريد أن ترى أحدهم)، لكنك ما تزال ترغب بلقاء هذا الصديق على العشاء خلال الأسبوع المقبل، وهنا بوسعك أن تقترح اسم المطعم الذي ترغب بأن تلتقي صديقك فيه".

ختاماً، تعلق ماكلين على ذلك بقولها: "طوال كل تلك السنين كنت أبحث عمن يؤكد ذاتي، ولكن عندما تعلمت أن أقدر نفسي، ارتفع مستوى احترامي لذاتي، وكلما زادت ثقتي بنفسي زاد احترام الناس وتقديرهم لي".

المصدر: The Telegraph