icon
التغطية الحية

لماذا يفترش مرافقون لمرضى في مشفى الأطفال الأرصفة بدمشق؟

2025.10.10 | 07:24 دمشق

752
ذوي مرضى ينامون في دوار المواساة بدمشق (تلفزيون سوريا)
دمشق ـ حنين عمران
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يعاني مرافقي الأطفال المرضى في دمشق من صعوبات كبيرة، حيث يضطرون للنوم في العراء بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف الإقامة وازدحام المستشفى.
- تواجه المستشفيات الحكومية في دمشق ضغطًا كبيرًا بسبب الأعداد الهائلة من المرضى، مع نقص في الأسرّة والمستلزمات الطبية، مما يؤدي إلى تأجيل بعض الحالات الطارئة.
- تسعى إدارة مستشفى الأطفال الجامعي بالتعاون مع وزارة التعليم العالي إلى تحسين الوضع من خلال اقتراح إنشاء مركز إيواء وتنظيم نظام مؤتمت لاستقبال المرضى.

في دوار المواساة في دمشق، يبيت عدد من مرافقي الأطفال المرضى القادمين من المحافظات السورية إلى مشفى الأطفال، لعدم قدرتهم على استئجار غرف في الفنادق أو إيجاد مكان داخل المستشفى المكتظ. ينام بعضهم منذ أيام، وآخرون منذ أسابيع، في انتظار انتهاء علاج أبنائهم.

هذه المشاهد تعكس جانبا من الصعوبات التي يواجهها السوريون في الحصول على العلاج، مع ارتفاع التكاليف وضيق الإمكانات.

يستخدم المرافقون كرتونا مستعملًا وبطانيات قديمة للنوم في العراء، تجنبا لطلب المساعدة أو تحمل أعباء الإيجار في العاصمة.

سرطان الأطفال يقصم ظهور الآباء

على "بسطة" للمشروبات والدخان أمام مستشفى الأطفال، يحاول عمر مُلا راشد المنحدر من البوكمال لملمة تكاليف علاج ابنته الصغيرة ذات الثلاث سنوات والتي عولجت من السرطان بزراعة نقي العظم في شهر أيار/ مايو الماضي، ثم حُوِّلت إلى جمعية بسمة للإقامة واستمرار العلاج.

عمر الذي لم يكن لديه خيار آخر إلا نقل ابنته إلى مستشفى الأطفال في دمشق قبل أشهر، ينام أمام البسطة التي يعمل عليها كعامل وليس كصاحب بسطة في حين تنام ابنته في سكن مجاني للأطفال تابع لجمعية "بسمة" التي تكفلت بتأمين السكن لطفلته بعد إجراء العملية.

يقول عمر لموقع تلفزيون سوريا "أعمل هنا منذ مجيئي إلى دمشق لعلاج ابنتي وأحتاج إلى 218 ألف ليرة سورية كل 10 أيام تقريباً تكاليف العلاج التي لا أقوى عليها".

والد طفلة مريضة سرطان يعمل على "بسطة" أمام مستشفى الأطفال - دمشق (تلفزيون سوريا)
والد طفلة مريضة سرطان يعمل على "بسطة" أمام مستشفى الأطفال - دمشق (تلفزيون سوريا)

السفر إلى دمشق للعلاج: رفاهية لا مفرّ منها

يعاني الأهالي من بقية المحافظات من تكاليف السفر إلى دمشق والانتظار ريثما ينتهي علاج أطفالهم في المستشفيات الحكومية ولا سيما أن بعض الحالات تستغرق أياماً أو أسابيع من دون قدرة الأهالي على تحمّل تكاليف استئجار بيت في دمشق أو غرفة في فندق، ما يضطر النساء المرافقات للطفل المريض إلى النوم في ممرات المستشفى، في حين يفترش الرجال الأرض في محيط المستشفى أو في حديقة قريبة.

ذوي المرضى يفترشون الرصيف - مستشفى الأطفال بدمشق (تلفزيون سوريا)
ذوي المرضى يفترشون الرصيف - مستشفى الأطفال بدمشق (تلفزيون سوريا)

محمد وسوف القادم من قرية شين بريف حمص، اضطر إلى النوم في الشارع بجانب باب مستشفى الأطفال لمدة 6 أيام في حين تنام زوجته بجانب طفله المريض، وذلك لإجراء عملية استئصال كتلة في الرأس للطفل البالغ من العمر 4 سنوات ونصف.

يقول محمد الوسوف لموقع تلفزيون سوريا: "لقد نجحت العملية"، في الوقت الذي يؤكد فيه "صعوبة حالة ابنه وصعوبة الظروف المادية التي دفعتهم إلى حالة أقرب إلى التشرد في سبيل العلاج".

وبسؤال الأهالي في مستشفى الأطفال عن سبب توجههم إلى مستشفى الأطفال في دمشق بدل من المستشفيات في محافظاتهم، أوضحوا لنا أنّهم توجهوا فعلاً إلى مستشفيات حكومية وخاصة قريبة من أماكن إقامتهم في محافظاتهم لكن "من دون فائدة".

يقول سليمان شويخ لموقع تلفزيون سوريا "أخذت الطفل إلى مستشفى خاصة في الحسكة ودفعت هناك مبلغ 3.5 ملايين ليرة سورية خلال يومين فقط ولكن من دون فائدة، كاد الطفل يختنق ونخسره".

واضطر سليمان، إثر تدهور حالة ابنه الصحية، إلى نقله إلى مستشفى الأطفال بسيارة إسعاف خاصة من الحسكة إلى دمشق، واستقبل الطفل في قسم الإسعاف مع وضعه على "المنفسة" ومتابعته من قبل الأطباء المناوبين.

يتابع سليمان حديثه "هنا يوجد كفاءات، بدأ الطفل بالتحسن بعد ساعات قليلة من وصوله على الرغم من المعاناة لأسبوع كامل قبلها".

في حين أشار محمد الوسوف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أنَّ مجيئه إلى دمشق جاء بعد نصيحة من أحد معارفه بوجود طبيب اختصاصي على كفاءة عالية  في مستشفى دمشق ما يعنى فرصة أكبر لنجاح عملية استئصال الورم لابنه.

عدد كبير من المراجعين وآراء متفاوتة

تتفاوت آراء الأهالي فيما يتعلق بجودة العلاج والاستقبال في المستشفيات الحكومية ولا سيما مع الأحوال المتقلبة لها من ناحية توفر المستلزمات الطبية ووجود أماكن لاستقبال المرضى وعدد الكوادر الطبية بين أطباء وممرضين.

وفي حين يلجأ معظم الأهالي إلى المستشفيات الحكومية هرباً من تكاليف العلاج الباهظة في المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة والتي قد تصل إلى ملايين الليرات في اليوم الواحد، لكن عدداً كبيراً منهم يشتكي من عدم استقبال أطفالهم أو إبقائهم على الدور لأيام ما يعني تفاقم حالة الطفل في بعض الحالات وازدياد توتر الأهل وخوفهم مع حالة العجز التامة عن نقلهم إلى مستشفى خاص.

أحمد أحمد النجار (أبو حمود) والقادم مع زوجته وحفيدهم المريض من قرية السفيرة في حلب، يشرح لموقع تلفزيون سوريا معاناته في نقل الطفل بين المستشفيات من دون القدرة على تشخيصه تشخيصا دقيقا لإعطائه العلاج المناسب، ولا سيما مع تعدد مشكلات الطفل المرضية، إذ اختلفت التشخيصات بين مشكلات في الكلية ثم في القلب ثمّ تشخيصه بمشكلات عقلية.

يقول أبو حمود "كل تشخيص للأطباء في حلب كان مختلفاً عن الآخر فاضطررنا إلى نقله للشام حتى نعالجه هنا في مستشفى الأطفال ولا نزال ننام في الشارع وفي ممرات المستشفى فلا قدرة لدينا على دفع إيجارات الفنادق".

ويضطر أبو حمود وزوجته إلى البقاء على هذا الحال في انتظار توفر مكان للطفل داخل المستشفى ولا سيما مع وجود عدد كبير من المرضى، ما يعني انتظار تخريج طفل حتى يحظى طفل آخر في قائمة الانتظار بفرصة العلاج.

وعن ذلك ذكر أحد الأطباء المقيمين (طلب عدم ذكر اسمه) في قسم الإسعاف من مستشفى الأطفال بأن عدد المراجعين للمستشفى يتجاوز يومياً 500 طفل، مع العلم بوجود 7 أسرّة فقط في قسم الإسعاف لاستقبال الحالات الطارئة.

يقول الطبيب لموقع تلفزيون سوريا: "لا يمكننا رفض أي حالة واردة إلى المستشفى، لكننا نعجز أحياناً أمام الضغط الكبير وعدم وجود أسرَّة كافية عن استقبال بعض الحالات بشكل مباشر، فنضطر إلى تأجيلها قليلاً ويعتمد ذلك على خطورة الحالة أيضاً، وذلك لكون مستشفى الأطفال هو المستشفى المركزي في سوريا".

ويشير الطبيب أيضاً إلى أن المستشفى يستقبل حالات من شمالي لبنان وجنوبي تركيا أيضاً، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً مع تحميل الأطباء وكونهم "الخط الأول في استقبال المرضى" بحسب وصفه، يحملهم مزيداً من المسؤولية والاتهامات من الأهالي.

وأمام مستشفى الأطفال، التقى موقع تلفزيون سوريا برجل وزوجته فقدا حفيدهما بعد أربعة أيام من إحضاره إلى مستشفى الأطفال، والسبب -بحسب قوله- عدم وجود حاضنات فارغة للأطفال لاستقبال الطفل، بسبب الضغط الكبير على المستشفى.

علي عساف القادم من الرقة، فقد حفيده بعد ولادته بمشكلات صحية خُلقية فاقمها "عدم وجود مكان"؛ إذ بعد مراجعته مستشفى الأطفال بعد ولادة الطفل مباشرةً تبيّن عدم وجود مكان في الحاضنات لاستقبال الطفل، ما تسبب بوفاة الطفل بعد أيام قضاها الجدين في الشارع أمام المستشفى. يقول عساف لموقع تلفزيون سوريا "مات الولد ونحنا ناطرين يصير في مكان بالحاضنات".

أهالي ينامون أمام المستشفى - دمشق (تلفزيون سوريا)
أهالي ينامون أمام المستشفى - دمشق (تلفزيون سوريا)

وبسؤال الطبيبة ديانا الأسمر مديرة مستشفى الأطفال عن قدرة المشفى على استقبال الحالات، أوضحت لموقع تلفزيون سوريا أن عدد الأَسِرَّة الكلي في المشفى إلى 760 سرير ضمن أقسام "القبولات".

تقول الأسمر "هذه هي القدرة الاستيعابية لمستشفى الأطفال مع كل الإصلاحات الإدارية الجديدة، وهي تشمل ذلك القبولات من دون المراجعات والإسعاف والعيادات".

تكافل اجتماعي وإنساني على أبواب المستشفى

على الرغم من مأساوية المشهد لافتراش الأرصفة أمام وفي محيط مستشفى الأطفال، إلا أنَّ صوراً من التكافل الاجتماعي -إن صحّت التسمية- والعلاقات الإنسانية، نشأت بين الأهالي الذين ينتظرون شفاء أبنائهم وذويهم في مستشفى الأطفال ومستشفى المواساة الجامعي.

علي عساف، أخبرنا أنّ رجلاً لديه طفلة في مستشفى الأطفال أيضاً، قد أعطاه "بطانيات" من سيارته، لينام عليها لثلاث ليالٍ متواصلة ريثما يعود إلى الرقة بعد إنهاء الإجراءات المتعلقة بحفيده داخل المستشفى.

وبالاقتراب من دوار المواساة، يمكنك مشاهدة الرجال يتسايرون ويتسامرون مساءً وهم يضعون تحتهم أغطية و"بطانيات" وقصاصات كرتونية، في شكل من أشكال اقتسام الهموم والانتظار، وتعبيراً عن وحدة الحال أو تشابهها، وهو ما يظهر عادةً بين الناس في الشدّة والأزمات.

ذوي المرضى ينامون في دوار المواساة بدمشق (تلفزيون سوريا)
ذوي المرضى ينامون في دوار المواساة بدمشق (تلفزيون سوريا)

رداً على التساؤلات

طرح موقع تلفزيون سوريا وبعد جمع شهادات الأهالي من المراجعين وذوي المرضى، مجموعة من الأسئلة على إدارة مستشفى الأطفال الجامعي ولا سيما بما بتعلق بالحلول المقترحة من وزارة التعليم وإدارة المستشفى لمشكلة افتراش الطرقات أمام المستشفى.

وفي الرد على التساؤلات، أكّدت إدارة المستشفى متمثلة بالطبيبة ديانا الأسمر وأيضاً بحضور مسؤول المكتب الإعلامي الدكتور أحمد حيدر، أنّهم تنّبهوا إلى نوم ذوي الأطفال المرضى في الممرات وفي محيط دوار المواساة، وتمّ إخطار وزارة الداخلية والمحافظة أيضاً بالأمر، كما طرح ذلك ضمن اجتماع مجلس إدارة المستشفى بحضور ممثلين من وزارة التعليم كون مستشفى الأطفال الجامعي ومستشفى مواساة الجامعي القريب منه، كلاهما يتبع إدارياً وتنظيمياً لوزارة التعليم العالي وليس لوزارة الصحة.

أما عن الحلول المقترحة، فتضمنت إنشاء مركز إيواء لاستقبال ذوي المرضى بما يضمن راحتهم وصون كرامتهم واحترام إنسانيتهم. كما أن هناك مساعٍ لاستثمار الساحة خلف المستشفى وبناء "حضانة" يتم تخصيص جزء منها للأطفال "غير المرضى" المرافقين لذويهم.

وقد أوضح الطبيب أحمد حيدر أن تنظيم الدور يكون وفق نظام مؤتمت ومُرقَّم فيتم استدعاء الطفل المريض والتواصل مع ذويه وفق ذلك، وتعتمد معايير القبول على نظام "فصل المرضى" وضمن مصنفات طبية طويلة.

يقول أحمد حيدر لموقع تلفزيون سوريا "يعمل مستشفى الأطفال وفق نظام ترياج Triage ويصنف الأطفال المرضى إلى أطفال يحتاجون فقط متابعة واهتمام من دون صرف علاج، وأطفال يحتاج علاج منزلي، أو علاج مزمن تتابعي، أو علاج إسعافي.

وفيما يتعلق بعدد المرضى الوافدين إلى المستشفى يومياً، أوضحت الإدارة لموقع تلفزيون سوريا أن هناك ما يقارب 20 قبول وسطياً وفي الحد الأعلى قد يصل عدد القبولات إلى 40 قبول يومياً، وذلك عدا عن قسم المؤقتة الذي قد يصل عدد الأطفال المراجعين فيه إلى 115 يومياً، في حين تستقبل العيادات قرابة 150 طفل يومياً، وذلك من دون احتساب المراجعين في قسمي الإسعاف المركزي وإسعاف الحواضن.

وأكّدت إدارة المستشفى، أنه وعلى الرغم من هذه الأعداد الكبيرة والضغط الهائل، إلا أنه لا يوجد حالة "عدم استقبال مريض" فكل من يأتي إلى قسم الإسعاف يُقبل ويُعاين لكن التحويل إلى قسم القبولات يستغرق وقتاً ويخضع لمعايير التشخيص والاستجابة لخصوصية كل حالة مرضية.