لماذا يصمت نظام الأسد عن التطبيع العربي مع إسرائيل؟

تاريخ النشر: 31.01.2021 | 00:03 دمشق

جاء صمت نظام بشار الأسد مدوياً تجاه التطبيع العربي الإسرائيلي بشكل عام والإماراتي الإسرائيلي بشكل خاص، علماً أنه يبدو أقرب إلى التحالف منه إلى العلاقات العادية والتقليدية بين دولتين، وباستثناء تعليق عابر للمستشارة الإعلامية بثينة شعبان عن عدم جدوى التطبيع دون إدانته وشيطنته بحد ذاته. صمتت أبواق النظام السياسية والإعلامية ولا تزال وعلى غير عادتها تجاه معارضيه ومنتقديه، بينما كان لافتاً إعادة نشر موقف لأحد الأبواق والأذرع الإعلامية يدافع فيه عن التطبيع، بل ويبرره ويدعو له، وعموماً يبدو صمت النظام غير مستغرب وغير مفاجئ في الحقيقة، ويعود ذلك لعدة أسباب جدية وجوهرية تتعلق بطبيعة النظام نفسه، كما علاقاته الثنائية مع أبو ظبي رأس حربة التطبيع وعاصمة الثورة العربية المضادة، وأخيراً فهمه لخلفيات وأهداف التطبيع - التحالف في الحالة الإماراتية تحديداً.

ينسف صمت النظام عن التطبيع الجديد والمتسارع رغم أننا أمام علاقات أقرب إلى التحالف الصارخ مع الدولة العبرية منها إلى العلاقات العادية بين الدول، كما في النموذج التطبيعي المصري – الأردني، كل أكاذيبه وادعاءاته عن العداء والصراع مع إسرائيل، الصمت الذي يمكن اعتباره بالتأكيد علامة على الرضا لا الرفض.

كان لافتاً عدم ربط بشار الأسد التطبيع بحل القضية الفلسطينية حلاًّ عادلاً وشاملاً ونهائياً يرتضيه الفلسطينيون

إلى ذلك لا بد من التذكير بموقف رأس النظام بشار الأسد الذي قال علناً أنه لا يرفض التطبيع مع إسرائيل من حيث المبدأ، مع إشارته إلى تفاصيل تتعلق بالمفاوضات معها مرتبطة بمصالح النظام وسوريا الطائفية المتجانسة لا سوريا التاريخية العظيمة التي لا تملك بالتأكيد مصلحة في التطبيع والعلاقات مع إسرائيل، وبغض النظر عن التفاصيل فإن إعلانه بحد ذاته يمثل موافقة ودعماً للتطبيع العربي الإسرائيلي، علماً أن الدول أو للدقة الأنظمة المطبّعة تتحدث أيضاً عن تفاصيلها ومصالحها الخاصة في علاقاتها مع إسرائيل.

كان لافتاً كذلك عدم ربط بشار الأسد التطبيع بحل القضية الفلسطينية حلاًّ عادلاً وشاملاً ونهائياً يرتضيه الفلسطينيون، كما تصرح دول عربية عديدة وفق ما نصّت عليه المبادرة العربية التي يقول بشار أنه ملتزم بها، علماً أن إسرائيل استخدمت في الماضي المسار التفاوضي مع نظام آل الأسد لتهميش المسار الفلسطيني وإضعاف وابتزاز القيادة الفلسطينية.

لا شك أن الأسد يسعى أيضاً لاستثمار ورقة التطبيع والعلاقات مع إسرائيل للحفاظ على نظامه، وكما تقول مصادر النظام في لقاءاتها الخاصة فإن التطبيع كفيل بتعويمه دولياً ورفع العقوبات الأميركية والغربية عنه، مع عدم استبعاد فكرة استخدام الورقة نفسها لتوريث السلطة لحافظ الصغير، علماً أن الأسد الجد كان تبنى نفس المقاربة في سياق إبقاء العائلة بسدة الحكم ونيل شرعية خارجية في ظل اليقين بالافتقاد إلى الشرعية الداخلية من أبناء سوريا التاريخية العظيمة.

إضافة إلى طبيعة النظام نفسه تفرض العلاقات الثنائية مع الإمارات نفسها على موقفه من التطبيع وعدم خوض معركة دعائية ضده ولو على سبيل النفاق والمتاجرة بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، كما يفعل في العادة، ذلك يعود إلى كون الإمارات داعما أساسيا ومركزيا للنظام على كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. فهي أول دولة خليجية أعادت افتتاح سفارتها في دمشق وتدعو علناً – والنظم الدائرة في فلكها - لإعادة النظام إلى الجامعة العربية، كما أنها تقدم مساعدات اقتصادية معتبرة له، وضعتها أخيراً تحت ذريعة مواجهة جائحة كورونا، وكانت قدمت أيضاً رشوة موصوفة له بمليارات الدولارات لكسر اتفاق وقف النار وخفض التصعيد في محافظة إدلب المهمة التي عجز عنها النظام الضعيف الخاضع لإرادة روسيا حاميته والقوة الكبرى القائمة بالاحتلال في سوريا الطائفية المتجانسة.

دعم الإمارات للنظام يأتي كذلك في سياق دعم الثورات المضادة وإعادة إنتاج وتعويم الأنظمة التي أسقطتها الثورات الأصيلة، وهذا يقودنا مباشرة إلى فهم بشار الأسد لخلفيات وأهداف التطبيع التحالف بين الإمارات وإسرائيل الذي يستهدف أساساً الثورات الأصيلة والحركات والأحزاب الداعمة لها تحديداً الإسلامية منها، كما يهدف إلى تقوية أنظمة الاستبداد والثورات المضادة التي يعتبر بشار أحد رموزها، وعلى عكس ما يجري الترويج له فإن التحالف لا يستهدف إيران بشكل مركزي، وإنما تركيا التي تعتبرها الإمارات الخطر الكبير. وكان أحد ناطقيها قد قال علناً أن العلاقات مع نظام الأسد تستهدف أساساً مواجهة الحضور التركي في سوريا والمنطقة.

تسعى إسرائيل بوضوح إلى استغلال جرائم الأسد الموصوفة بحق الشعب السوري لتبييض صفحتها وطمس جرائمها التي ارتكبتها ولاتزال بحق الشعب الفلسطيني

بناء عليه، لا شك أن بشار الأسد منفتح على التطبيع مع إسرائيل لكن السؤال هنا هل ترضى هذه الأخيرة بالتطبيع معه رغم قناعتها أنه فاقد الحيلة وبات بلا وزن ولا قيمة، خاصة أنها تملك قنوات مفتوحة وحميمية مع روسيا القوة القائمة بالاحتلال في مناطق سيطرته الشكلية – سوريا الطائفية المتجانسة - ويمكن قول الشيء نفسه عن العلاقة مع الحليفة الولايات المتحدة القوة القائمة بالاحتلال في سوريا المفيدة "شرق الفرات" إضافة إلى حريتها المطلقة في استهداف التموضع الإيراني بسوريا الذي لا يستطيع الأسد منعه حتى لو امتلك الإرادة لفعل ذلك، ومع اعتراف إدارة الرئيس المنصرف دونالد ترامب بضمّها غير الشرعي لهضبة الجولان لا تبدو تل أبيب بحاجة للتطبيع أو العلاقة الرسمية والعلنية مع نظام الأسد المتهاوي، غير أن المفارقة تكمن في تصاعد أصوات سياسية وإعلامية عبرية ترفض التطبيع مع النظام من الزاوية الأخلاقية بوصفه المسؤول الذي قتل مليون من مواطنيه، وشرّد عشرات الملايين الآخرين، وهنا تسعى إسرائيل بوضوح إلى استغلال جرائم الأسد الموصوفة بحق الشعب السوري لتبييض صفحتها وطمس جرائمها التي ارتكبتها ولاتزال بحق الشعب الفلسطيني وقبل ذلك وبعده ثمة قناعة إسرائيلية راسخة مفادها أن تعويمه غربياً ودولياً مهمة صعبة جداً وحتى مستحيلة، وأصلاً خارجة عن قدرات الدولة العبرية ورهن توافق القوى الكبرى في المنطقة والعالم.

قال إلياف بنيامين مسؤول دائرة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإسرائيلية منتصف كانون الثاني/ يناير الجاري أن حكومته تلقت تطمينات من إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن للاستمرار في دفع مسيرة التطبيع العربي الإسرائيلي، وهو ما صرح به علناً أيضاً منذ أيام وزير الخارجية الأميركي الجديد أنتونى بلينكن حتى مع ربطه ذلك "إعلامياً" بتحقيق بالتسوية وحل الدولتين في فلسطين ما يعني نظرياً على الأقل أن مسيرة التطبيع ستستمر إلى هذا الحد أو ذاك ومعها صمت نظام الأسد المدوّي الشائن والراغب في الالتحاق بالمسيرة إذا ما قبلت به إسرائيل وحتى لو لم يحدث فسيستمر في دعمها ولو ضمنياً على أمل الانتفاع بها تحديداً فيما يتعلق بمواجهة الثورات العربية الأصيلة وإعادة إنتاج أنظمة الاستبداد والفساد التي أسقطتها.