بعد سقوط النظام المخلوع في سوريا، بدا وكأن البلاد تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح، حيث ارتفع منسوب الحرية بشكل ملحوظ، وبات التعبير عن الرأي أكثر حضوراً في الفضاء العام. ولم يقتصر هذا الهامش على الأصوات التي ناضلت من أجل الحرية، بل شمل أيضاً شخصيات ارتبطت بمنظومة النظام المخلوع أو دافعت عنها، رغم أن مواقفها لطالما كانت مناقضة لمطالب الحرية ذاتها. وفي ظل هذا الاتساع، عادت هذه الأصوات للظهور وطرح رؤاها علناً، ووصل الأمر ببعضها إلى تقديم تصورات صادمة لمستقبل البلاد من دون خوف أو تردد.
لكن هذه المساحة التي بدت واعدة في بداياتها، سرعان ما تحولت إلى بيئة مقلقة بالنسبة للصحفيين والفاعلين في الشأن العام، لا بسبب غياب حرية التعبير، بل بسبب كلفتها المتزايدة. إذ ما تزال الحرية قائمة من حيث الشكل، لكنها أصبحت محاطة بمخاطر اجتماعية ونفسية ومهنية، تدفع كثيرين ممن انخرطوا في الدفاع عن قضايا الشأن العام إلى حساب خطواتهم بدقة قبل التعبير عن أي رأي سواء كان نقدياً أو إيجابياً على منصات التواصل، بل وحتى في النقاشات الخاصة.
في الواقع، لم يعد الخوف من إبداء الرأي وقول كلمة الحق مرتبطاً بالسلطة كما كان في عهد النظام المخلوع، بل أخذ يتجلى بشكل متزايد في ردود فعل الجمهور نفسه. فمجرد طرح تساؤل نقدي بسيط حول أداء الحكومة أو الرئيس قد يضع الصحفي في مواجهة سيل من الاتهامات الجاهزة، مثل: "خيانة، عمالة، سعي للتخريب، أو حتى حنين للنظام المخلوع". وسرعان ما تنزلق النقاشات من مساحتها المفترضة كحوار عام إلى ما يشبه محاكمات علنية، تغيب فيها الحجة ويُستبعد المنطق، لصالح خطاب يقوم على التخوين والتشهير.
هذا المناخ لا يمكن فصله عن ظاهرة أوسع، تتمثل في تصاعد دور الحسابات المجهولة، أو ما يعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، والتي تسهم في تأجيج الاستقطاب عبر خطاب استفزازي مقصود، يهدف إلى إثارة التفاعل بأي ثمن.
والمفارقة أن هذا الهجوم لا يقتصر على المنتقدين فقط. فحتى من يحاول الإشارة إلى إنجاز أو خطوة إيجابية، قد يتعرض بدوره لهجوم معاكس، يُتهم فيه بالتطبيل أو "التشبيح" أو السعي وراء مصالح شخصية. وهكذا، يجد الصحفي نفسه محاصراً بين جبهتين، حيث يصبح التعبير عن أي موقف إيجابياً كان أم سلبياً، مغامرة غير محسوبة العواقب.
وفي بعض الحالات، لا تقف ردود الفعل عند حدود النقد القاسي، بل تتجاوزها إلى التحريض المباشر. كما حدث مع الزميلة في تلفزيون سوريا، نور الهدى مراد، التي وجدت نفسها في مرمى حملة تهديدات واسعة، عقب استضافتها أحد المحللين السياسيين، وطرحها أسئلة مشروعة تتصل بقضايا حساسة في بنية الحكم. ولم يتوقف الأمر عند حدود الاختلاف في الرأي، إذ قام الضيف ذاته بنشر خطاب تحريضي استهدفها وزملاءها في القناة، ما فتح الباب أمام موجة هجوم شخصي واسع، وصلت في بعض تعبيراتها إلى التهديد الصريح بالقتل.
ولا يختلف المشهد كثيراً عندما يوجه الصحفي نقداً لأحد المسؤولين، حتى وإن كانت تجمعه به علاقة شخصية قديمة. إذ قد يتحول هذا النقد إلى سبب لقطيعة اجتماعية أو لحملات تشويه منظمة أو لاتهامات جاهزة بالارتباط بـ"أجندات خارجية". وفي أحيان كثيرة، يمتد الضغط ليطول الدوائر العائلية، في محاولة لعزل الصحفي أو إخضاعه. عند هذه النقطة، يتداخل الشخصي بالمهني بشكل حاد، وتضيق المساحة المتاحة أمام أي تعبير مستقل، ليصبح إبداء الرأي نفسه فعلاً محفوفاً بالتبعات.
هذا المناخ لا يمكن فصله عن ظاهرة أوسع، تتمثل في تصاعد دور الحسابات المجهولة، أو ما يعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، والتي تسهم في تأجيج الاستقطاب عبر خطاب استفزازي مقصود، يهدف إلى إثارة التفاعل بأي ثمن. هذه الحسابات لا تكتفي بالمشاركة في النقاش، بل تعمل على توجيهه وتحويله إلى ساحة صراع، غالباً على حساب سلامة الأفراد، بمن فيهم الصحفيون.
غير أن المشكلة لا يمكن اختزالها في طبيعة الفضاء الرقمي وحده، بل تمتد إلى طبقات أعمق في البنية الثقافية للمجتمع. فالتعامل مع النقد في السياق السوري لم يكن يوماً مسألة مريحة أو مرحباً بها، بل غالباً ما جرى تأطيره بوصفه خروجاً عن المألوف أو تعدياً على الحدود أو حتى نوعاً من قلة الاحترام. هذه النظرة لم تتشكل صدفة، بل ترسخت عبر سنوات طويلة من التنشئة التي فضلت الامتثال على التساؤل، سواء داخل الأسرة أو في المدرسة أو ضمن مؤسسات العمل، حيث كان يُنظر إلى الاعتراض بوصفه سلوكاً ينبغي كبحه لا تشجيعه.
في المقابل، يقوم التفكير النقدي على مقاربة مختلفة تماماً، أساسها السؤال لا التسليم، والتحليل لا التلقي. وهو، بخلاف ما يعتقد ليس فعل مواجهة أو هجوم، بل عملية ذهنية طبيعية يمارسها الإنسان بشكل يومي حين يوازن بين خياراته أو يراجع قراراته أو يحاول فهم ما يدور حوله. بهذا المعنى، يصبح النقد أداة للفهم والتطوير، لا وسيلة للهدم أو التقليل.
تكمن الخطورة الحقيقية حين تغيب هذه القدرة عن المجتمع، إذ لا يقتصر الأمر عند حدود تضييق مساحة التعبير، بل يتعداه إلى فقدان القدرة على المراجعة والمحاسبة. وعندما يستبعد السؤال من المجال العام، يغدو الخطأ أمراً مألوفاً، وتتحول السلطة—بأي شكل كانت—إلى كيان غير قابل للنقاش. عندها، لا تعود الأزمة مرتبطة فقط بمن يمارس السلطة، بل أيضاً بالذهنية التي تتقبل ذلك دون مساءلة.
في هذا السياق، لم يعد النقد ترفاً فكرياً أو نشاطاً نخبوياً، بل ضرورة تمس جوهر الكرامة الإنسانية. فالكرامة لا تكتمل بالاحترام الشكلي فحسب، بل ترتبط بقدرة الإنسان على السؤال والاعتراض دون أن يُدفع ثمن ذلك تخويناً أو إقصاءً. كما أن الحرية لا تُقاس بمجرد إتاحة الكلام، بل بمدى الأمان الذي يرافق هذا الكلام ونتائجه.
لا يمكن الحديث عن دولة حرة ومتقدمة من دون فضاء نقدي حي، ولا عن مستقبل مستقر من دون صحافة قادرة على العمل باستقلال وأمان. فالحلم بسوريا حرة متقدمة ومتطورة، لا ينفصل عن القدرة على قول الحقيقة ومناقشتها، حتى عندما تكون غير مريحة.
فوجود بيئة تضمن للصحفي حقه في التعبير من دون خوف من التشهير أو التحريض أو التهديد، هو شرط أساسي لبناء فضاء عام صحي، ينتج نقاشاً حقيقياً لا ضجيجاً فارغاً. كما أن حماية الصحفي لا تتعلق بشخصه فقط، بل بحق المجتمع بأكمله في الوصول إلى معلومات وآراء متعددة ومتوازنة.
لكن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل تمتد لتشمل المجتمع نفسه، الذي يحتاج إلى مراجعة عميقة لعلاقته مع النقد. فالتعامل مع الرأي المخالف بوصفه تهديداً، أو مع النقد باعتباره إساءة، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج بيئات مغلقة، تعيق أي إمكانية للتقدم. وحده المجتمع الذي يتقبل الاختلاف، ويمنح مساحة للأسئلة الصعبة، هو القادر على التطور الحقيقي.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن دولة حرة ومتقدمة من دون فضاء نقدي حي، ولا عن مستقبل مستقر من دون صحافة قادرة على العمل باستقلال وأمان. فالحلم بسوريا حرة متقدمة ومتطورة، لا ينفصل عن القدرة على قول الحقيقة ومناقشتها، حتى عندما تكون غير مريحة.
وأخيراً يبقى السؤال مفتوحاً: هل نريد في سوريا فضاءً عاماً يعكس أصواتاً حقيقية ومتنوعة، أم مجرد صدى متكرر لصوت واحد، مهما تغيرت الوجوه؟
لماذا يخشى الصحفي السوري كتابة رأيه على مواقع التواصل؟