لماذا ماتت الجمهورية الثانية؟

تاريخ النشر: 14.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 24.04.2018 | 22:00 دمشق

مهما اختلف السوريون فيما بينهم على تسمية الزلزال الذي ضرب الجمهورية الثانية في 2011، إلا أن محصلة صيرورة هذا الزلزال، وتفاعلاته العديدة، داخلياً وخارجياً، تؤكد أن الجمهورية الثانية التي تأسست في عام 1963 قد انتهت إلى غير رجعة، وأن السوريين بانتظار قيامة الجمهورية الثالثة، والتي ما زالت ملامح تشكّلها غير واضحة، في ظل جملة التدخلات الإقليمية والدولية، وما أوجدته من نفوذ لها داخل الجغرافيا السورية، ليس من الواضح بعد متى يمكن أن تأخذ بالتراجع والانتهاء.

إن النخب السياسية الفاعلة اليوم، مهما تباينت مصالحها أو مواقفها الأيديولوجية، معنية بفهم الديناميات التي أنهت فعلياً الجمهورية الثانية التي امتدت لقرابة خمسة عقود، من منطلق الضرورة في وعي حركة التاريخ من جهة، ومن منطق ضرورات العمل على تأسيس جمهورية جديدة من جهة ثانية، إذ لا يمكن القطع مع التاريخ من دون فهمه، ووعي دروسه، كما لا يمكن التأسيس لتاريخ جديد من دون وعي الممكنات الموجودة، والحاجات الملّحة المستجدّة، وبالتالي اجتراح برامج وأدوات مناسبة للعمل السياسي نفسه.

إن ردّ الزلزال السوري، وانطلاق ثورة السوريين إلى عوامل داخلية، صحيح نسبياً، لكنه ليس صحيح كلياً، فأي نظام سياسي هو في نهاية المطاف جزء لا يتجزأ من منظومة أمن واستقرار إقليمية، وهو خاضع بشكل أو بآخر للمعادلات التي تحكم النظام الدولي، وأي متغيّرات تصيب النظام الإقليمي أو الدولي من شأنها أن تنعكس عليه، وأن تؤثر فيه، خصوصاً في ظل منظومات شبيهة بمنظومة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

الشرعية الإقليمية للنظام السياسي السوري فقد تمثّلت في إمساكه بملفات إقليمية حيوية، في مقدمتها ملف القضية الفلسطينية

لقد نشأت الجمهورية الثانية في عام 1963، مع اشتداد الحرب الباردة، وما فرضته من متغيّرات على الشرق الأوسط، فلم يكن أمام الأنظمة العربية من خيار سوى الدوران في فلك أحد القطبين، الاتحاد السوفيتي، أو الولايات المتحدة والغرب، وقد أسهم الاتحاد السوفيتي في منح شرعية دولية للأنظمة العسكرية الشمولية، ومنها النظام السوري، والذي راح، ابتداءً من وصول البعث إلى السلطة، ينخرط أكثر فأكثر في منظومة الدول الاشتراكية.

إن قيام الجمهورية الثانية، والقطيعة مع الجمهورية الأولى (1932-1963)، استند إلى شرعية خارجية، وقد شكّل سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991 نقطة تحوّل نوعية في تاريخ الأنظمة التي كانت تدور في فلكه، وكان من الطبيعي أن يحاول النظام السوري، والأنظمة العربية، التي كانت جزءاً من المنظومة الاشتراكية، البحث عن آليات جديدة للانخراط في المجتمع الدولي، واكتساب شرعية أخرى.

مع الألفية الثالثة، وبروز النظام الدولي كنظام أحادي القطبية، ظهرت متغيّرات عولمية كبيرة، لم يتمكن النظام السياسي السوري من وعيها والتكيّف معها، ومن الطبيعي بمكان، بالنسبة لدولة شديدة المركزية كسورية، تقوم على درجة عالية من تمركز السلطات التنفيذية، أن تجد صعوبات كبيرة في إجراء تحولات من أجل التكيّف، فأي تحوّل حقيقي كان من شأنه أن يؤدي بشكل شبه آلي إلى تفتيت السلطة المركزية، وهي مسألة تتخطى الممكنات البنيوية       للنظام السوري، وتحديداً سلطتيه السياسية والأمنية.

أما الشرعية الإقليمية للنظام السياسي السوري فقد تمثّلت في إمساكه بملفات إقليمية حيوية، في مقدمتها ملف القضية الفلسطينية، والتي كان له فيها حصة كبيرة، في ضوء اعتراف إقليمي، وخصوصاً خليجي، بتوكيل إدارة معظم أوراق هذا الملف للنظام السوري، كما تمّ توكيل النظام السوري، منذ عام 1976، بإدارة ملف الحرب الأهلية في لبنان، وقد منح الملفان الفلسطيني واللبناني شرعية إقليمية للنظام السوري، واعترافاً بدوره الوظيفي الكبير في منظومة الأمن والاستقرار في المنطقة.

تلاشت قدرة النظام السوري على الملف الفلسطيني بعد نهاية الحرب الباردة، ودخول منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات أوسلو، وتوقيعها معاهدة "إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الانتقالي" في 13 سبتمبر/ أيلول من عام 1993، وهو ما جعل النظام السياسي السوري، يخسر أحد أهم أوراقه الإقليمية، ولم يبقَ في يده فعلياً سوى الورقة اللبنانية، والتي سيتقلّص فيها نفوذه، بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان، رفيق الحريري، في 14 فبراير/ شباط 2005، واضطرار القوات السورية للانسحاب من لبنان.

مع انسحاب القوات السورية من لبنان، انتهت فعلياً معظم الأوراق الوظيفية للنظام السوري، وأصبح النظام وجهاً لوجه أمام المعضلات الداخلية المتراكمة عبر عقود، والتي بقيت في خانة المؤجل، نتيجة منح السياسة الخارجية أهمية أكبر من السياسات الداخلية، وكان على النظام السوري أن يعيد إنتاج شرعيته انطلاقاً من الداخل، وليس من الخارج.

في ظل عدم وجود ليبرالية سورية ذات مكانة ومصداقية ومشروع وطني، وضع الجمهورية الثانية أمام عوامل موتها

هل كان بإمكان السلطة السياسية أن تعيد توليد شرعيتها من الداخل، بعد عقود من أخذ الشرعية من الخارج؟

نظرياً، ليس بالإمكان تقديم حسم نهائي في هذه المسألة، والتي تحتاج إلى الكثير من التدقيق والبحث، لكن بالإمكان قياساً إلى الخيارات التي اتخذها النظام، منذ التوريث في عام 2000، أن تقدّم إجابات أولية، لكن مهمة، عن هذا السؤال.

لقد اعتمد النظام، ونخبته السياسية، مضافاً إليها النخبتين العسكرية والأمنية، على التحالف التقليدي المولّد للعقد الاجتماعي الذي أسس للجمهورية الثانية، أي التحالف مع البرجوازية التقليدية في دمشق وحلب، وهو ما قابله عملية تهميش واسعة لبقية فئات المجتمع، وقد كان التحالف التقليدي قادراً على الصمود، خلال الحرب الباردة، وفي ظل وجود ريع من الأدوار الوظيفية الإقليمية للنظام السوري، لكن نهاية الحرب الباردة، ونهاية الأدوار الوظيفية الإقليمية، ونهاية الريع، جعلت النظام الاقتصادي الاجتماعي مكشوفاً، وغير قادر على تلبية عملية الانخراط في العولمة الاقتصادية، والتي راحت تترسّخ أكثر فأكثر منذ بداية الألفية الثالثة.

إن نهاية الشرعية الخارجية، وعدم قدرة العقد الاجتماعي المؤسس للجمهورية الثانية على الصمود، بل وفقدانه القدرة على توليد ديناميات جديدة، في ظل عدم وجود ليبرالية سورية ذات مكانة ومصداقية ومشروع وطني، وضع الجمهورية الثانية أمام عوامل موتها، وكان من الطبيعي فعلياً أن تكون أي شرارة قادرة على إحداث حريق كبير، وأن تكون أي هزة مقدمة لزلزال كبير.

الجمهورية الثانية ماتت، والجمهورية الثالثة لم تتشكّل بعد، وبين موت جمهورية وانبثاق أخرى، سيكون لنضال السوريين، ونخبهم كافة، دور مهم في رسم ملامح الجمهورية الجديدة.

كلمات مفتاحية