لماذا لن تبقى منظومة الأسد ؟

تاريخ النشر: 08.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 21.12.2018 | 06:11 دمشق

 "كيف سيكون حال سورية وأهلها إذا "انتصر" /نظام الأسد/ على شعبه" كان موضوع مقال سابق في هذا الموقع جاء فيه باختصار أن سورية لن تعود إلى الحياة، إذا استمرت منظومة الأسد؛ لأنها ستتحول إلى ميليشيا انتقام أكثر جنوناً وعنفاً، وأشدَّ فتكاً ممَّا هي عليه الآن. وبأحسن أحوالها، ستكون منظومة في ظل الاحتلال الروسي- الإيراني. ومن هنا، لا بد من السؤال البحثي التالي: " كي لا تستمر المأساة السورية، ما الذي يجب فعله؛ وكيف ؟". تتنوع الإجابات الممكنة، ولكن تركيزها الأكبر لا بد أن يكون على الذي يجب فعله وكيفية إنجازه أو كمقترحات يمكن ترجمتها إلى واقع.

قبل الولوج في طبيعة الأفكار المُقَدَّمة لا بد بداية من القول بأنَّ الإجابة عن السؤال: " لماذا يجب أن يرحل نظام الأسد؟" لا تحتاج إلا لبديهيات البشر في القرن الحادي والعشرين؛ إذ كيف يمكن تقبُّل استمرار أي شخص في السلطة لسبع عشرة سنة؟! لماذا تحدد الدول المتحضرة الولاية الرئاسية الأقصى بثمانية أعوام مثلاً؟.. خاصة إن كانت شبكات الإجرام ضد الإنسانية تتقاطع على طاولته !! بل إن هذا " النظام" هو أصغر الجالسين إلى طاولة الحكم بينما كرسي الحكم الفعلي يقتسمه مستشار إيراني يفرض سطوته بميليشيات طائفية،

ألف سبب وسبب لإزالة منظومة الاستبداد ومن بينها المسؤولية عن تدمير البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمع السوري

وحاكم عسكري روسي يزرع قواعد عسكرية هي أقرب ما تكون لثكنات احتلال على الأرض السورية!! أليس من حق السوريين تحديد ولاية أي حاكم بمدة لا تتجاوز العشرة سنين ؟ أليس من البديهي أن يحاسبوا الحاكم على أي تجاوز؛ فكيف إن كان تورط بجرائم ضد الإنسانية ؟! أليس من حق أي شعب أن يحافظ على استقلاله ويتخلص من أي سلطة عميلة للتسلط الخارجي وقوى الاحتلال؟!

من جانب آخر هناك حقائق تفقأ العيون على الأرض السورية تقدِّم ألف سبب وسبب لإزالة منظومة الاستبداد ومن بينها المسؤولية عن تدمير البنية الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية للمجتمع السوري، وعن بعثرة نصف السكان وتدمير أكثر من نصف سورية واعتقال ما تجاوز الربع مليون سوري، وقتل نصف مليون، وإقعاد مليون.... وكل ذلك موثق.  زد على ذلك أن مَن دعم المنظومة يريدها قوية؛ ولكنها أضحت غاية في الهشاشة مع تهدم جدار الخوف منها؛ ومن هنا، لن يحرص على بقائها لحظة نضوج الصفقة.

وفي ضرورة إزالة منظومة الاستبداد، لا بد من إدراج حقيقة إصرار ومطالبة السوريين بالحفاظ على "وحدة سورية أرضاً وشعباً" ؛ فلا يختلف سوريان شريفان على هذا الكلام؛ ولكن بنظرة سريعة إلى الواقع السوري، بعد سبع سنوات عجاف، أضحى المطلب الطبيعي للسوري هو حقيقة {إعادة توحيد} سورية أرضاً وشعباً؛ لأن النظام- إضافة إلى تمزيقه النسيج الاجتماعي والروحي والنفسي والاقتصادي السوري-  فإنه بعثر ومزق وشرد السوريين بقيامه بتطهير عرقي في بعض الجغرافيا السورية،  يساعده في ذلك إيران- التي لا يستقيم مشروعها العبثي التخريبي لمحيطها- إلا عبر تمزيق المكان الذي تحل به........

من جانب آخر ما تم هو تدمير لسيادة الدولة التي يدعي بوتين أنه حريص عليها، لأنها هي التي تشرعن تدخله الاحتلالي، وهي التي يتلظى بها أمام العالم قائلاً "لا بد من المحافظة على منظومة الأسد لأنها هي التي تحافظ على وحدة سورية". وحقيقة ما يحدث فعلاً هو عكس ذلك تماما؛ً فالنظام لا يعيش إلا على التمزيق والتوتير واستمرار الحرب. من هنا أتت أفكار كـ "سورية المفيدة" يوماً. فمن له سيادة وما هو شرعي، لا يختار جغرافيا بعينها في بلد ما تاركاً/مجبراً أم مختاراً/ باقي الجغرافيا نهباً لمن هب ودب ويستمر بادعاء السيادة والشرعية.

على صعيد ثوري سياسي مدني، وتحديداً فيما يتعلق  بالبنية الذاتية للثورة، لا بد بداية من نبذ الخلافات وتغليب المصلحة العامة والتخلص من كيانات وأجساد غريبة دخلت الثورة؛ ما يستلزم أولاً الانطلاق من حالة ذهنية ترى بأن سورية واحدة ووطن للجميع ضمن حدود معترف بها دولياً.

لا بد من  توحد الفصائل العسكرية الثورية في جسد عسكري واحد يكون "جيش تحرير وطني" يشكل النواة الأساس لجيش سورية المستقبل

لا بد من إعادة إحياء روح الثورة الشعبية السلمية العفوية  تحت يافطة {"نحن شعب" ولسنا "معارضة تبحث عن سلطة"}. ومن هنا لا بد من تطوير البنية النفسية والفكرية للثورة عبر أناس لهم مصداقية عالية لدى مختلف فئات الشعب؛ ما يهيىء  بديلاً سياسياً مقنعاً يشكّل قيادة شريفة تثق بها الجماهير تجسدها أسماء لم تُلَوَّث. هناك شبه إجماع على الدعوة إلى مؤتمر وطني سوري "يضع النخب أمام مرآة الحقيقة"؛ ينتخب قيادة سياسية جديدة غير مرتهنة لأي أجندات خارجية أو خاصة؛ يحلُّ أو يصلح الأجساد السياسية القائمة في المعارضة، ويشكل ما هو جديد. أما في البنية الموضوعية للثورة، هناك ضرورة  للتنسيق مع دول ذات مصالح، وخلق تفاهم حقيقي مع روسيا وأمريكا. وعلى صعيد عسكري، وبعد أن حدث ما حدث لفصائل الثورة، لا بد من  توحد الفصائل العسكرية الثورية في جسد عسكري واحد يكون "جيش تحرير وطني" يشكل النواة الأساس لجيش سورية المستقبل؛ ولا بد من نزع ثوب الإرهاب الذي سعى النظام أن يُلبسه لكل من يقاومه.

ذلك الجسد السياسي المتمخض عن مؤتمر وطني جامع مانع عاكس نسبياً لمجمل الطيف السوري بكل تنوعاتها وتجلياته قادر على حمل أمانة الشعب السوري وطموحه في التغيير ووضع التطلعات السورية على سكة الحياة الحرة الكريمة. وليكن من أول اهتماماته سورية بكليتها لا سورية "لي" أو "لك" / "لنا" أو"لهم". عليه بداية التجاوب مع هذه الرسالة التي بعثها سوري ابن سوري من الساحل السوري:

    "نحنا وقفنا صحيح مع النظام وقدمنا مئات الألوف من شبابنا شهداء، لكنه والله والله ليس من أجل هذا النظام بل خوفاً من الدواعش وأمثالهم...لكن الآن بعد أن راح الدواعش فنحن سنطالب بحقوقنا بقوة من هذا النظام القذر...وما عاد يقدر يضحك علينا بالارهابيين لأن الارهابيين راحوا...صار بدنا حقوقنا وحقوق شهدائنا...لكن من الواضح أن رأس النظام كبر بعد ما أنقذوه الايرانيون والروس ورجع يتعامل معنا بنفس القذارة والفاشية والفوقية...وصاروا الشبيحة في الساحل أحقر بكتير من شبيحة الشام. لكن صدقني حبيبي سوريا كلها تغلي الآن...ومشكلة النظام مع السوريين الآن أخطر مما كانت أيام الفورة. كلو بدو حقوقو...وما يفكر يرهبنا بالتشبيح والانتصارات الفارغة"

باختصار؛ الشرارة الأولى من دعوة صادقة وترتيب عالي المستوى لمؤتمر وطني سوري سوري حقيقي يقيمه السوريون وبحر مالهم ودعمهم وإرادتهم وعقولهم.الطريق هو التركيز على حق السوريين في عقد اجتماعي يضمن ألا يستمر أي شخص أو حزب في السلطة لأكثر مما ينص عليه الدستور الذي سيقره السوريون؛ والعمل على محاسبة جميع مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وإحالتهم إلى محاكم سورية خاصة؛ والكفاح لأجل التحرر من التسلط الخارجي إيرانياً كان أم روسياً. مرة أخرى، لألف سبب وسبب، لن يبقى نظام الأسد. والأصل بما على السوريين القيام به وكيف.