لماذا لا يرد نظام الأسد وحلفاؤه على الهجمات الإسرائيلية؟

تاريخ النشر: 23.04.2021 | 07:08 دمشق

نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوائل الشهر الجاري فيديو لعملية برية سرية نفذها في عمق الأراضي السورية الصيف الماضي بينما قدمت صحيفة إسرائيل اليوم في الخامس من نيسان تفاصيل إضافية عنها تضمنت قيام لواء النخبة في سلاح المشاة "غولاني" بالتعاون مع وحدة هندسية خاصة بتفجير موقع تابع لقوات النظام وحلفائه من الميلشيات الإيرانية أقيم في المناطق العازلة منزوعة السلاح على الحدود السورية الفلسطينية حسب اتفاقية فك الاشتباك التي تم توقيعها –عام 1974 - برعاية الأمم المتحدة في أعقاب حرب تشرين أول/ أكتوبر 1973، وبما يتناقض أيضاً مع التفاهمات السياسية والعسكرية التي تم التوصل إليها بين إسرائيل وروسيا التي أتت في سياق تعويم النظام وأتاحت له العودة إلى المنطقة لحراسة الحدود، كما فعل خلال العقود الخمسة الماضية.

تزامن نشر جيش الاحتلال لفيديو العملية وتقرير الصحيفة العبرية عنها، مع غارات إسرائيلية جديدة في السابع من نيسان، استهدفت مواقع للنظام وحلفائه جنوبي دمشق وبالقرب من الحدود مع فلسطين المحتلة، ورد عليها النظام بآلته الدعائية المعتادة وصواريخه العشوائية عديمة الجدوى التي وصلت حتى بلدة حولا بجنوب لبنان، بينما جاء الرد العملي المعتاد عبر ارتكاب مجازر جديدة بحق الشعب السوري والمدنيين العزل، كما حصل في مدينة جسر الشغور بمحافظة إدلب في اليوم التالي للغارات الإسرائيلية.

تقرير صحيفة "إسرائيل اليوم" الموثق بفيديو جيش الاحتلال، يقدم في الحقيقة صورة عن المشهد في الجولان والمنطقة الحدودية بشكل خاص وسوريا بشكل عام في سياقاته وأبعاده المختلفة السياسية والإعلامية والعسكرية والأمنية.

كما قلت فقد تحدث الإعلام الإسرائيلي الصيف الماضي بشكل مقتضب وعام عن عملية برية لتفجير موقع عسكري للنظام وحلفائه أقيم في المنطقة العازلة منزوعة السلاح على الحدود في هضبة الجولان، وكنت قد أشرت للعملية بإحدى مقالاتي هنا في سياق الحديث عن عجز النظام وحلفائه عن الردّ على الهجمات الإسرائيلية لعدم امتلاك الإرادة ، ناهيك عن القدرة على التنفيذ، غير أن التفاصيل الجديدة والموثقة التي نشرتها صحيفة "إسرائيل اليوم" بدت لافتة لجهة الحديث عن موقع عسكري أقامه نظام الأسد بالتناقض مع اتفاقات فكّ الاشتباك التي حافظ عليها لعقود تحديداً عبر حمايته للحدود، ما مثّل ضمن معطيات أخرى أحد أسباب موافقة الاحتلال على عودته للانتشار في المنطقة الحدودية وجنوبي سوريا بشكل عام، إضافة إلى الرغبة الإسرائيلية في ترسيخ فكرة التفاهمات مع روسيا وتحميلها مسؤولياتها باعتبارها القوة الكبرى القائمة بالاحتلال في سوريا، كما يردد الإعلام الإسرائيلي دائماً.

تقرير الصحيفة العبرية تجاهل الإشارة إلى روسيا، القوة الكبرى القائمة بالاحتلال حسب التعبير الدارج، الأمر الذي بدا لافتاً ومستغرباً

حسب تقرير الصحيفة العبرية فقد أوصل الاحتلال الإسرائيلي رسائل إلى نظام الأسد عبر الأمم المتحدة لإزالة الموقع ومواقع أخرى أقيمت في نفس الفترة، خاصة مع انتشار أذرع للاحتلال الإيراني فيها، غير أن النظام تجاهل الأمر رغم انتهاكه الموصوف الغريب والمفاجىء للاتفاقية الدولية والتفاهمات الروسية الإسرائيلية التي خضع لها بشكل عام.

لكن تقرير الصحيفة العبرية تجاهل الإشارة إلى روسيا، القوة الكبرى القائمة بالاحتلال حسب التعبير الدارج، الأمر الذي بدا لافتاً ومستغرباً  أيضاً، وأعتقد جازماً أن تل أبيب ناقشت الأمر مع موسكو على الأقل بموازاة نقاشها مع الأمم المتحدة المعنية مباشرة بالملف، والتي تنشر قوات دولية تابعة لها بالمنطقة –يوندوف - وربما لم ترد روسيا أو نقلت ردّ النظام السلبي لكن الأكيد أنها أعطت إشارة ضمنية لإسرائيل بالتصرف بما يتوافق مع رؤاها ومصالحها، كما يحدث دائماً وفق قاعدة أن عدم التزام النظام وحلفائه بالتفاهمات الإسرائيلية الروسية يستوجب رد فعل إسرائيلي تتفهمه روسيا في العادة لكن مع عدم تهديد وجود النظام نفسه باعتبار ذلك قاعدة التفاهم المركزية ومصلحة مشتركة للجانبين.

أعتقد أيضاً أن النظام الفاقد للحيلة والسيادة لم يحرك ساكناً لعجزه عن مواجهة إيران وميليشياتها وكان على يقين أن إسرائيل ستتصرف في النهاية كما يحصل مع تخزين أسلحة إيرانية في مواقع ومعكسرات النظام الأخرى التي تتعرض للقصف الإسرائيلي الدائم.

حسب التقرير العبري فقد فجرت القوات الخاصة المتوغلة الموقع، لكن دون أي إشارة إلى مصير شاغليه، مع توقع أنهم قضوا تحت أنقاضه دون إعلان أو حتى نعي لهم من قبل النظام وحلفائه.

وحسب التقرير عادت القوة الخاصة الإسرائيلية إلى قواعدها سالمة أيضاً بلا أي ردّ فعل فوري ومباشر من النظام وحلفائه، في تأكيد إضافي على نفاقهم وجبنهم، علماً أن هذا لا يحدث في غزة، ففي آخر توغل مماثل لقوة خاصة لجيش الاحتلال في تشرين ثاني 2018، اشتبكت المقاومة الفلسطينية معها وقتلت قائدها وجرحت آخرين، ما أحدث صدمة في الدولة العبرية وهزة في قيادة تلك القوة لم تتعاف منها حتى الآن.

عموماً مرت العملية العسكرية الإسرائيلية بهدوء ودون ضجة من قبل النظام وآلته الدعائية، ولا حتى من الحشد الشعبي الإيراني وأبواقه الإعلامية الناطقة بالعربية التي تتشدق صباحاً ومساء بالعداء لإسرائيل والاستعداد لمواجهتها، بل وتعتبر ذلك مبررا لسياسات الحشد الدموية في سوريا والمنطقة.

في الحقيقة؛ تشبه العملية المعلن عنها عشرات العمليات الإسرائيلية الأخرى ضد النظام وحلفائه داخل سوريا وخارحها، علماً أننا نتحدث عن مئات الغارات خلال السنوات الأخيرة تم فيها إلقاء أطنان من القنابل ما أوقع مئات القتلى وآلاف الجرحى في صفوف النظام والحلفاء دون أي ردّ جدي من جانبهم.

وفي سياقها العام تشبه العملية كذلك حرب الناقلات - كما كتبت هنا قبل أسبوعين - التي  تشنها إسرائيل من جانب واحد ضد إيران لمنع تموضعها الاستراتيجي في سوريا لا وجودها الداعم لبقاء نظام الأسد الذى يمثل نقطة توافق بين إسرائيل وايران أيضاً كما قالت صحيفة يديعوت أحرونوت -الأربعاء 21 أبريل نيسان- الحرب التي خسرت فيها طهران مليارات الدولارات دون أي إعلان من جانبها رغم تلقيها الضربات بشكل متواصل، بينما جاء الإعلان عنها بتسريب متعمد من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن اللاهثة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران لإزالة الملف عن جدول الأعمال الدولي حتى بثمن استمرار سياسات إيران الاستعمارية الدموية في سوريا والدول العربية بشكل عام.

نحن أمام دليل إضافي على الاستخدام الدعائي للقضية الفلسطينية ونهج المقاومة والعداء لإسرائيل من قبل بشار الأسد وحلفائه، والجبن عن الردّ عملياً عليها

بالتزامن مع نشر التقرير أيضاً شنت إسرائيل غارات في سوريا هي الثالثة خلال شهر والتاسعة منذ بداية العام دون رد فعل من النظام وحلفائه-أوقعت 75 قتيلا على الأقل- اللهم إلا إطلاق صواريخ عشوائية مضادة للطائرات سقط بعضها في بلدة حولا جنوبي لبنان، وهو نفس ما حصل قبل ذلك في مدينة الرمثا جنوبي الأردن.

عموماً نحن أمام دليل إضافي على الاستخدام الدعائي للقضية الفلسطينية ونهج المقاومة والعداء لإسرائيل من قبل بشار الأسد وحلفائه، والجبن عن الردّ عملياً عليها لكونها لا تهدد وجود وبقاء النظام نفسه الذي يمثل الهدف المركزي لإيران وأذرعها الطائفية، بينما نرى الاستقواء والردّ الدموي الإجرامي على الشعب السوري الثائر لكونه انتفض ضد النظام وسوريا الأسد مطالباً بالحرية والكرامة في سوريا العظيمة.

في الأخير وباختصار يتمثل الاستناج الأهم مما سبق بحقيقة أن لا إمكانية لتفكيك المستعمرة الإسرائيلية ودحر الغزاة الصهاينة دون التخلص من الطغاة العرب الذين فشلوا في امتحانات الخبز والحرية والكرامة وقبل ذلك وبعده امتحان فلسطين، الطغاة الذين قال عنهم وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه دايان بعد نكبة لا نكسة حزيران/ يونيو 1967 "نحن محظوظون بأعداء كهؤلاء" النكبة التي رفع نظام البعث بعدها معادلة بقاء النظام هو الأهم حتى لو تم تدمير الجيش وضياع الجولان، وهي المعادلة نفسها التي حدّثها النظام بعد الثورة لتصبح الأسد أو نحرق البلد